
نعلم من دروس الإعدادية أن الهجرة انتقالٌ من مكان إلي آخر سعيا لظروف حياة أفضل فلا يعقلُ الارتحال من بلد الرّخاء إلا إلى الأْفَيَدِ.
لكن هذه التعريفات التقليدية تجاوزها الزمان ودخلت عليها مفاهيم العولمة والسياسة وحقوق الإنسان وظاهرة الّلجوء السياسي الحقِ والمُفْتعل إلي غيره من ما لا يمكن حصره في مكتوبٍ يرادُ له أن يعالجَ وضعية بعينها في جغرافيا محدودة .
وكي لا نقْفز علي المفاهيم ونقعَ في الخطإ دعونا نفرق بين التنوع العرقي الذي يستند إلي سمات فيزيائية والتنوع الثقافي الذي يُعدُ أشمل لبنائه علي التعبير الثقافي .
وبعيدا عن الدراسات العلمية الانتروبولوجية وغيرها أرى أن بلدنا أنعم الله عليه بعديد المنابع الطبيعية :المعادن –الساحل الغني –وأخيرا الغاز ومن قبل الذهب إلي آخره ولنا كامل الحق في أن نكون المستفيدَ الأول من ذلك وأن نحميَه لأجيالنا من الذين يتربصون الدّوائر بدافع الجشع نحو كل جغرافيا نافعة.
ومع التعددية الثقافية التي أشير هنا إلي أنها شكلت عبر تاريخ البلد وحتى قبل الاستقلال العمود الفقري والركيزة الأساسية لللحمة الاجتماعية ندين جميعا بالإسلام وعددنا قليل وليس مستحيلا أن نسْتكْفي اقتصاديا إذا لم يحاول البعضُ نَفْيَ الآخر وأدركنا أن البلد يسَعنا جميعا.
هذا ومن الأهمية بمكان أن نُميَز بين الهجرة المفيدة كاستقبال أصحاب المهارات والأدمغة ونحوه وبين الهجرة السلبية التي يريد الوافدون من خلالها التخفي والتجنيس مع الوقت عملا ببداوة الأمة ويُسْرِ اختراق مناهج التكنولوجيا قبل قيام التقييد البيومتري وبعده أيضا.
ويتم ذلك من خلال تقمص الشخصية الوطنية حيث لا يمكنك التميز بين من هو موريتاني من غيره وحيث لا يناسب بعض الأحيان السؤال عن الهوية .
ولئن كان يسهل علي غير الموريتاني أن يعتبر نفسه موريتانيا فإن الموريتاني يظل موريتانيا أينما ارتحل فهو لا يعتبر مغربيا أو تونسيا أو جزائريا أو مصريا أو ماليا لأن قسماته لا تشبههم جميعا.
من هنا وحيث يظهر أننا علي غير هذه الجغرافيا نكون غرباءَ يجب علينا اعتماد كافة الأساليب التي ُتحصِن البلد من أن لا يصبح أهلُه أقلية فيفتح ذلك شهية القوى الكبرى التي كما نلحظ لا حدود لشرَهها .
إن الإصرار والتفَطُن لهذا التهديد هو مسؤولية جميع الموريتانيين أبيضهم وأسودهم كي نسُدَ الطريقَ في الاتجاهين أمام من يسْتغْفلنا مستغلا شبَهَه بإحدى مكونات الأمة.
وهذا لا يعني عدم الترحيب بالأجانب بل هي ممارسات احترازية متبعة في كافة الدول وكي يبقى كل وطن خاص بأهله ينعمون فيه ويتميزون عن غيرهم .
ويدعمه أننا في كل مرة نلاحظ إثباتَ مشاركةِ الوافدين في الاضطرابات التي تنشأ من حين لآخر في البلد ,تكون فى البداية عادية وتتحول إلي تهديد للأمن بسبب مشاركة أجانب يصعب التمييز بينهم وبين المواطنين للأسباب المعروفة.
ونوجه نداء إلى كافة المواطنين وإلي السلطات بعدم التساهل مع الهجرة الوافدة أيا كانت بواعثها فلا خير يرتجى حين تفوق أعداد المهاجرين تعداد السكان الأصليين .
وعلينا أن نركز علي المهن الحرة مثل النجارة والكهرباء والماء والطلاء والبناء وأن نمحو من الذهن الاستكبارَ عن المهن الخفيفة لأنها مدرة للدخل ومساعِدةٌ في الحد من جنون الهجرة الذي نلحظه ومن واجبنا مواجهته.
لا نرجو أن نصل ذلك المستوى لأنه لا رجعة منه بسبب العولمة ودعوى حقوق الإنسان وغيره من ما نعلمه جميعا.
ومن نافلة القول أنه يمكن جيدا مراجعة الاتفاقيات الموقعة بهذا الشأن عن حسن نية إذا تبين ضررُها وكي لا تصبح وَبالاً لا مرد له .
لا زالت موريتانيا للموريتانيين كافة ولا زال تنوعُنا مصدرَ ثراء وكفانا المولى عز و جلّ شرّ القادِمين والمُسْتَقْدَمين .
وتذكروا جيدا قول الشاعر:أحمد شوقي (بحر الوافر)
فـمن خـدع الـسياسة أن تـغروا ... بــألـقـاب الإمــــارة وهــــي رِقُ
ولـلـمـسـتـعـمرين وإن ألانـــــوا ... قـــلــوبٌ كـالـحـجـارة لا تــــرق