كيف ينجح الحوار المرتقب في ما أخفقت فيه الحوارات السابقة / د. الصوفي ولد الشيباني

رغم أن البلاد شهدت خلال العقود الأخيرة تنظيم العديد من الحوارات في فترات وسياقات سياسية ووطنية مختلفة وتحت عناوين وآجندات مختلفة، إلا أن تلك الحوارات كادت تتقاطع في الأمور التالية:
ـ كونها حوارات كانت محكومة بآجندات مسبقة وبسقوف وتوجيهات محددة من طرف السلطة الحاكمة في ما يتعلق بالنتائج التي يمكن التوصل لها.
ـ كون معظمها لم يشمل كل المواضيع التي تشغل بال جميع الفاعلين في الساحة الوطنية، كما أنها لم تتمكن من إشراك كل أولئك الفاعلين مما قاد إلى معالجة جزئية لمواضيع أساسية ترتبط بالوحدة الوطنية والانسجام المجتمعي والمظالم التاريخية وضمانات الإصلاح الحقيقي في مجال الديمقراطية وتنظيم الحياة السياسية.
ـ هيمنة منطق الصفقة بين النظام وأطراف المعارضة المشاركة في الحوارات على منطق الحوار الشامل الذي يعالج القضايا من منظور يتجاوز مصالح المشاركين.
ـ غياب عنصر الإجماع الوطني حول النظر لنتائجها مما جعلها عرضة في كل مرة للتشكيك من طرف البعض، بل وحتى عدم الاعتراف بها أصلا من قبل آخرين، مما نجم عنه بقاء ملفات أساسية اتخذت إجراءات ملموسة لتسويتها كماضي الإرث الإنساني وخاصة أثناء الأيام التشاورية التي نظمت في فترة الرئيس الأسبق المرحوم سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله سنة 2007 مطروحة دائما، بل وأحيانا بحدة أكبر لأن بعض المعنيين بها يعتبر أنه إما غيب عن المشاركة في صياغة الحلول أو أن هذه الأخيرة جاءت للحوار معلبة لخدمة أهداف معينة.
ـ المعالجة الناقصة لبعض القضايا الكبرى كالرق ومخلفاته، فرغم أن بعض تلك الحوارات قد توصلت إلى تجريم ممارساته ووضع آليات قضائية لذلك، وهي أمور لا شك بالغة الأهمية، إلا أنها لم تعالج جوانب أساسية مرتبطة به كاستمرار مظاهره ومخلفاته وسوء توزيع الثروة وعدم تكافؤ الفرص الناجمين عن الظروف التي ساد فيها.
ـ ضعف آليات متابعة وتنفيذ المخرجات وهيمنة رؤية الحكومة وداعميها في مجال تجسيد تلك المخرجات.
إن التوقف عند هذه الخلاصات واستخلاص الدروس منها هو أمر جوهري لفهم متطلبات نجاح أي حوار ينظم في المستقبل القريب. فأي حوار لا يتجاوز الإخفاقات والنواقص المشار إليها ليس بالتأكيد هو الحوار المطلوب في هذه المرحلة، لأنه بدل أن يسهم في التوصل إلى حلول للمشكلات المطروحة قد يفاقم تلك المشكلات وقد يدفع نحو المزيد من التأزم والإحتقان وتراكم الشعور بخيبة الأمل، بل وقد يدفع البعض إلى البحث عن حلول بأساليب أخرى خاصة في ظل تنامي تحديات الخطابات والاصطفافات الشرائيحية والإثنية التي باتت سيمة بارزة في كل استحقاق انتخابي ما أضحى يهدد مستقبل الديمقراطية بل والانسجام الوطني.
إن رهانات المرحلة الحالية تتطلب رؤية وإرادة مستندتين إلى عزيمة قوية على عدم تكرار أخطاء الماضي، كما تتطلب شجاعة على الإجابة على سؤال كبير يتعلق بأسباب فشل الحوارات السابقة في إيجاد معالجات جذرية وفعالة ومحل قبول من الجميع للقضايا الوطنية الكبرى، وبتعبير أكثر دقة لماذا، رغم كل المحاولات التي بذلت في الماضي، ماتزال مشاكل جوهرية تهدد مستقبل البلاد حاضرة أكثر من أي وقت مضى كمظاهر الرق ومخلفاته وماضي الإرث الإنساني وتفاقم الفقر والإقصاء والتهميش والشعور بالغبن وغياب العدالة وعدم تكافؤ الفرص واستمرار الفساد وسوء التسيير وعدم شفافية  ونزاهة وحرية العملية الانتخابية على لأقل بالنسبة للفاعلين الرئيسين في المعارضة؟
وفي هذا الظرف الذي يجري فيه التحضير لإطلاق حوار وطني، فإنه من الضروري تقييم مدى ملاءمة الظروف الراهنة لذلك، وإلى أي مدى تساعد الأجواء الحالية في النظر بتفاؤل نحو قيام حوار مختلف من حيث جوانب التحضير والمضمون والنتائج والضمانات عن الحوارات السابقة.
ومن المعلوم بديهة أن الأجواء الممهدة لأي حوار تؤشر على فرص نجاحه وبلوغ الأهداف التي يصبو إليها. وفي هذا السياق فإن الحوار المرتقب قد تميز لحد الآن بالإرادة السياسية المعلنة من طرف رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني التي عبر من خلالها عن إلتزامه ثم دعوته إلى تنظيم حوار وطني جامع لا يستثني موضوعا ولا يقصي أحدا، ثم أشفع ذلك بلقائه بالطيف السياسي حيث عبر عن هذه الإرادة ودعا الجميع للمشاركة فيه. كما عقد لقاءات فردية مع معظم الفاعلين الرئيسيين المعنيين به، وأعلن عن تسمية منسق للحوار لديه تجربة في الميدان ويحظى باحترام لدى الأوساط السياسية وجعله مرتبطا به مباشرة. يضاف إلى ذلك إعلان الوزير الأول أمام الجمعية الوطنية عن إلتزام الحكومة بتنظيم حوار بنفس المواصفات المذكورة ما جعله يتحول إلى جزء من السياسة العامة الحكومة يمكن أن تساءل عليه من طرف البرلمان.
إن ما تبعث به هذه الخطوات من رسائل مفادها أن رئيس الجمهورية شخصيا هو من يرعى الحوار وهو مرجعيته هي أمور تعبر عن الجدية وتخلق الأجواء المساعدة على إقناع الفرقاء بالمشاركة فيه مما يزيد بالتالي  فرص نجاحه.
لكن هذه الإرادة السياسية المعبر عنها من أعلى قمة الهرم السياسي في البلاد والإجراءات التي رافقتها، والتي كانت كلها أمور لا غنى عنها، وتقتضيها مسؤولية السلطة الحاكمة تجاه الحوار، ليست كافية وحدها ليحقق هذا الحوار المرتقب ما فشلت فيه الحوارات السابقة، بل إن الأمر يتطلب بالإضافة إلى ذلك إعلانا مشتركا مسبقا من الأطراف المشاركة يكون بمثابة وثيقة مرجعية للحوار يؤكد على ما يلي:
•    الاتفاق على تشكيل لجنة تحضيرية تضم ممثلين عن الأغلبية والمعارضة والأحزاب المنتمية لكل منهما سواء كانت ممثلة في البرلمان أو غير ممثلة فيه، وذلك بشكل متناسب ومرضي. كما ينبغي أن تضم ممثلين عن منظمات المجتمع المدني وبعض الشخصيات المستقلة ذات المصداقية التي تحظى بثقة جميع الأطراف.
تتولى هذه اللجنة إعداد لائحة المدعوين للمشاركة في الحوار وتحديد مواضيعه وجدول برنامجه الزمني ونظام إدارة جلساته والإشراف عليه بشكل عام حتى صياغة مخرجاته.
•    إعلان الالتزام بأن هذا الحوار ليس حوار آجندات مسبقة وليس لدى أي من الجهات المنخرطة فيه أهدافا خاصة بها محددة سلفا تسعى إلى تمريرها من خلاله، وأن نتائجه إنما هي فقط خلاصة نقاشات وتوافقات تلك الأطراف. كما ينبغي أن يتضمن هذا الإعلان تعبير المشاركين عن وعيهم المشترك بضرورة تغليب روح التسوية التاريخية القائمة على العدالة والإنصاف والتفاهم والتسامح على عقلية الغالب والمغلوب، وهي المسألة التي نجحت من خلال التحلي بها الدول التي تغلبت على خلافاتها ومآسيها.
•    الوعي بأن هدف الحوار هو التوصل لحلول جذرية وإجماعية ودائمة للقضايا محل التحاور، وليس هو مجرد إخفاء مظاهر الخلاف مؤقتا أو تأجيل أسباب التأزم لفترة معينة أو إرضاء بعض الجهات والأشخاص أو تحقيق مكاسب سياسية أوإنتخابية آنية. 
فالحوار المطلوب الآن، وأخذا في الاعتبار لكل تجارب الحوارات السابقة، هو حوار يتجاوز الأسباب التي جعلت بعض المظالم تظل قائمة وبقوة رغم أنها شملتها حوارات سابقة وتم التوصل بخصوصها لحلول كانت محل إجماع حينها من المشاركين في تلك الحوارات بما في ذلك الهيئات المتحدثة باسم الضحايا كمشكل الإرث الإنساني على سبيل المثال كما ذكر آنفا، فأين كمن الخلل إذن رغم كل ذلك، هل هو في منهجية معالجة المشكل أم في عدم شمولية الحل لجوانبه المختلفة؟ أم  في ضعف مستوى تمثيل المعنيين؟ أم في عدم التطبيق الجيد لمضمون الحل؟ أم أنه كان في كل ذلك معا؟
•    التعهد بإيجاد آلية توافقية تنبثق عن الحوار تكون مخولة بوضع الخطوات والإجراءات التي تضمن ترجمة مخرجاته إلى نتائج ملموسة على الأصعدة المختلفة وبمتابعة تنفيذ ذلك.
إن الإرادة السياسية القوية التي عبر عنها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تجاه إلتزامه بإجراء حوار يستجيب لمطالب مختلف الفرقاء، والخطوات التي أتخذ في هذا المجال تمثل فرصة تاريخية يتعين على الجميع العمل بمسئولية على عدم تضييعها من أجل التوصل لمعالجات إجماعية وفعالة ونهائية لإشكالات كبرى ما تزال تمثل تهديدا لاستقرار البلاد ومستقبلها
 

 

 

3. أبريل 2025 - 14:29

أحدث المقالات

كتاب موريتانيا