سفر مع كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب" / محمد الأمين الفاضل 

حظيتُ بأن تسلمتُ ـ منذ أسبوعين ـ نسخة من كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب"، وقد سلمني النسخة مؤلف الكتاب، الكاتب والإعلامي الزاهد في الأضواء عبد الله محمدُّ، والذي يظهر زهده في الأضواء، إذا ما اكتفينا فقط بإلقاء نظرة سريعة على كتابه، من خلال تسميته للكتاب بالكراس، وكتابة اسمه على غلاف الكتاب مجردا من أي صفة، وغياب سيرته الذاتية عن غلاف الكتاب، وقد جرت العادة أن تتضمن الكتب سِيَّر مؤلفيها.
بعد أسبوعين من استلام الكتاب، سافرتُ إلى مدينة لعيون لقضاء عطلة عيد الفطر المبارك هناك، وشكلت تلك الرحلة فرصة مناسبة لقراءة الكتاب، فأكملتُ قراءته وأنا في سيارة انطلقت بنا فجر آخر يوم من شهر رمضان من العاصمة نواكشوط، لتصل قبيل الإفطار إلى مدينة لعيون. 
ومن قبل قراءة الكتاب، تولَّدَ لديَّ انطباع أو حكم أولي عليه، وهذا يحدث معي دائما، وارتكز …
[12:20, 03/04/2025] med lemin vadel: بسم الله الرحمن الرحيم
سفر مع كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب" 
حظيتُ بأن تسلمتُ ـ منذ أسبوعين ـ نسخة من كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب"، وقد سلمني النسخة مؤلف الكتاب، الكاتب والإعلامي الزاهد في الأضواء عبد الله محمدُّ، والذي يظهر زهده في الأضواء، إذا ما اكتفينا فقط بإلقاء نظرة سريعة على كتابه، من خلال تسميته للكتاب بالكراس، وكتابة اسمه على غلاف الكتاب مجردا من أي صفة، وغياب سيرته الذاتية عن غلاف الكتاب، وقد جرت العادة أن تتضمن الكتب سِيَّر مؤلفيها.
بعد أسبوعين من استلام الكتاب، سافرتُ إلى مدينة لعيون لقضاء عطلة عيد الفطر المبارك هناك، وشكلت تلك الرحلة فرصة مناسبة لقراءة الكتاب، فأكملتُ قراءته وأنا في سيارة انطلقت بنا فجر آخر يوم من شهر رمضان من العاصمة نواكشوط، لتصل قبيل الإفطار إلى مدينة لعيون. 
ومن قبل قراءة الكتاب، تولَّدَ لديَّ انطباع أو حكم أولي عليه، وهذا يحدث معي دائما، وارتكز الحكم الأولي في جانبه الإيجابي على إعجاب شخصي بالمؤلف، وهو إعجاب تشكل بالنسبة لي في زمن كانت تعدُّ فيه الإذاعة من أهم روافد الإخبار والتثقيف، وفي ذلك الزمن كان صوت الصحفي عبد الله محمدُّ من الأصوات المميزة التي أحب سماعها دائما. 
أما الجانب السلبي في ذلك الحكم الأولي، فقد تمثل في الانطباع الذي تركه في نفسي عنوان الكتاب، وغلافه الأسود، والصورة الملتبسة لأحد الجلادين على خلفية غلافه، فالكتاب ـ وكما يُقال ـ يُعرف من عنوانه، وقد بدا لي ـ من قبل قراءة الكتاب ـ أن المؤلف قد بالغ كثيرا عندما اختار هذا العنوان القوي جدا، والغلاف الأسود للكتاب، وكأنه أراد بذلك أن يغري القراء بقراءة الكتاب، أو أراد في فرضية أخرى، أن  يُضَخم من حجم التعذيب الذي تعرض له البعثيون في السجون عندما اعتقلوا في شهر مارس من العام 1982، ولم يفرج عن بعضهم إلا بعد انقلاب معاوية في نهاية العام 1984.
من المعلوم بداهة، أنه لا وجه للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، ولا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولكن ذلك لا يمنع من استخدام مصطلحات دنيوية لتقريب ما قد يلاقي الشخص من نعيم أو عذاب في الآخرة، والعكس صحيح، فهو لا يمنع كذلك من استخدام مصطلحات أخروية لتقريب بعض صور العذاب أو النعيم في الدنيا، إذا ما تجاوز أحدهما الحدود العادية أو المعهودة عند الناس، فهل تجاوز تعذيب البعثيين بعد اعتقالهم في العام 1982 حدود تعذيب السجناء السياسيين المتعارف عليها في ذلك العهد، حتى يَحُقَّ للمؤلف أن يستدعي ملائكة العذاب لوصف سجاني البعثيين في تلك الفترة من تاريخ البلد؟
بالنسبة للمؤلف فإن الجواب محسوم بنعم، وقد أكد ذلك في الكتاب، وفي أكثر من موضع، حيث قال في موضع: "ما تعرض له السجناء من أهوال ومن ترهيب وتعذيب وتجويع وانتهاك للكرامة، كان أمرا غير مسبوق في هذا البلد"، وقال في موضع آخر: "إذا أضيف إلى كل ذلك، التعذيب البدني الذي مورس بشكل غير مسبوق في تاريخ البلد".
أما بالنسبة لي فلم أقتنع في بداية الأمر أن تعذيب البعثيين تجاوز تلك الحدود المتعارف عليها في تلك الفترة، ومع ذلك، وبعد قراءة الكتاب كاملا، تفهمتُ كثيرا دوافع اختيار المؤلف لهذا العنوان، واستحضاره لملائكة العذاب، فالعنوان قد جاء في الأصل على لسان أحد المعتقلين البعثيين (باب الغوث)، جاء في ردٍّ ساخر له على سجانه، وذلك عندما سأله ذلك السؤال الساذج والمستفز والسخيف حسب تعبير المؤلف، والذي كان يتكرَّر مع كل السجناء: هل تعرف من نحن؟ فأجاب باب الغوث متهكما : أجل إنني أعرف من تكونون ..إنكم ملائكة العذاب!.
ويشفع للمؤلف في اختيار هذا العنوان ـ بالإضافة إلى وُرودِه على لسان أحد المعتقلين ـ أن عملية الاعتقال في صفوف البعثيين، والتي وصلت في أيامها الأولى إلى أكثر من 1000 موقوف، كانت تبدأ بالترهيب النفسي "عن طريق الاعتقال العنيف والمفاجئ في ساعات متأخرة من الليل، حين تكون الانفس تخلد إلى الراحة متمتعة بسكينة الليل ونعمة النوم.. يقتحم رجال الشرطة في ساعات السحر المنازل، يكسرون الأبواب أو يقفزون من فوق الجدران، فيروعون الأطفال والنساء، وينقضون على ضحاياهم، ويبدؤون بتفتيش الأشخاص والغرف والخزانات، ويتعمدون إثارة الضجيج والفوضى في كل مرافق البيت ومتاعه". بعد ذلك نُقل  السجناء إلى مقر الهندسة العسكرية، ووزعوا على غرف في غاية الخشونة، لا توجد بها إلا أسرة حديدية، وأسمال متناثرة، دون أن تكون هناك حشايا أو وسائد، وقد كانت هذه الغرف تستضيف فيما سبق سجناء جبهة البوليساريو، وقد توفي البعض منهم فيها، بسبب المرض، وخاصة السل والبربري، وربما التعذيب، وقد دفنوا بجوارها، حسب ما سمع المؤلف بعد ذلك، ونقل في كتابه.
ألقيَّ السجناء البعثيون عرايا في تلك الغرف الخشنة والباردة، وبقوا هناك لفترة طويلة، ومضى الوقت بطيئا بلياليه وأيامه، وهم على ذلك الحال، يقول المؤلف: "ونحن على ذلك الحال، نعيش في عزلة، لا نرى النور إلا حين يفتح السجان ليسكب قليلا من الماء في علب بالية غير نظيفة من علب الحليب، سبق أن أدخلوها كأوان إلى الغرف. كنا نحاول الصلاة دون وضوء وفي لباس لا يستر إلا العورة المغلظة".
كانت زنزانة المؤلف مجاورة للغرفة التي اتخذها السجانون مكتبا للتحقيق، وهو ما مكنه من أن يسترق السمع للاستجواب والتعذيب الذي كان يتعرض له زملاؤه في جلسات التحقيق والتعذيب، وكان مما ذكر: "سمعتُ من ضمن ما أسمعه كل ليلة، مما لا يرضى ولا يسر من آهات وأنات وألم، صرخات تطلقها إحدى الفتيات المعتقلات في تلك الساعة المتأخرة من الليل البهيم، وهي محاطة فيما يبدو برجال الشرطة المقنعين ممن يفترض فيهم أصلا حماية شرف وكرامة المواطنات الشريفات، كانت تصرخ وأحيانا تذكر الله، وأحيانا تخف الأصوات، لا تسمع إلا همسا، واحيانا تعلو فيزمجر "القائد" ويرعد ويزبد ويهدد ويعد بالويل والثبور وعظائم الأمور.."
ثم يواصل المؤلف في نقل ما كان يسمع في تلك الليلة: "صدرت الأوامر فظة غليظة إلى الجند الأشاوس أن افعلوا بفلانة كما فعلتم بفلانة.."
ثم يضيف: "لحسن الحظ، لم ينفذ الجنود الأوامر، على الأقل لم نسمعهم يفعلون، ولم نسمع فيما بعد أنهم فعلوا، هل لأن الأوامر كانت فقط للتخويف، أم أن الجنود تورعوا، أم أن الأمر قد تم بدون علمنا وأحيط بالسرية؟ الله أعلم." 
 إن من طالع الكتاب، لابد وأن يتفهم وجاهة اختيار المؤلف لهذا العنوان القوي، واستحضاره لملائكة العذاب، ويتأكد الأمر عندما يتوقف مع حالات محددة من التعذيب، وقد اتخذ التعذيب عدة أنماط وأشكال عددها المؤلف في كتابه، ولا يتسع هذا المقام لبسطها، ومن تلك الحالات حالة الصحفي محمد حرمة ولد محفوظ الذي سكب السجانون على ساقه زيتا أو حمضا حارقا، يقول المؤلف: "فصرخ صرخة مدوية من شدة الألم.. شاهدته بعد ذلك، وكان جلده قد تقشر، وتلفت بعض أنسجته وتحولت إلى بقع بيضاء تحتل مساحة كبيرة، وبالطبع أعاقه ذلك عن المشي، وعانى آلاما لمدة طويلة من الزمن."
ويضيف المؤلف: "بعد العلاج ومرور فترة طويلة على تلك الحادثة، ما يزال الأخ محمد حرمة، يعاني تبعات عملية الحرق: آلاما وصعوبات في المشي، وتقشرا، وانسلاخ جلده عن المناطق المحروقة، وتحولها إلى بقعة بيضاء مثل البرص". 
ومن تلك الحالات المحددة التي قد تشفع للمؤلف في اختيار هذا العنوان القوي، ما تعرض له من وصفه المؤلف في كتابه بأنه شخص عادي من عامة الناس، ليس له أي مركز قيادي في التنظيم، ويعتقد المؤلف بأنه لم يبلغ مرتبة العضوية الكاملة في فرع حزب البعث في موريتانيا. 
يقول المؤلف في كتابه، إن المرحوم يمهلُ ولد ختاري، انتزعت ثيابه ذات ليلة ليلاء، "وأمسك رجال أشداء أطرافه الأربعة، وأخذوا يشوونه على ذلك الجمر (كميات كبيرة من الجمر الملتهب)، كما تشوى الدجاجة أو الشاة، يقلبونه على جنبيه وبطنه وظهره، حتى نضُج اللحم وغاب الرجل عن الوعي".
يروي المؤلف أن رائحة الشواء التي كانت تزكم أنوفهم في تلك الليلة، لم يكونوا يعلمون من أين تأتي، ولم يدر بخلدهم أن لها علاقة بتعذيب أحد السجناء، فهذا أمر لم يكن بالمقدور تصوره، وبعد أن تكشفت الفاجعة يقول المؤلف، سنعلم أن الضحية كان قد أنذر الجلادين بأنه إذا تعرض للتعذيب، فإنه سيصوم عن الكلام، ولن ينبس ببنت كلمة حتى ولو مزقوه إربا إربا، وقد أنجز الحر ما وعد، كما يقول الكاتب الذي وصف هذا السجين البعثي ب"البطل المُبْتلى"، واعتبره بمثابة "أيوب أبي اغريب الموريتاني".
لقد بقي هذا البطل المُبتلى ـ حسب ما جاء في الكتاب ـ "زهاء ستة أشهر جالسا لا يستطيع الاضطجاع، وقد ألبس من الضمادات ما جعله يبدو مُكَفنا وهو حي، ولم يكن أحد يتوقع أن ينجو مما أصابه، بل إننا توقعنا موت الكثيرين، ولكنها عناية الله.. لقد طال التعذيب، واشتد المرض، وانسدت الآمال في حصول تغيير، وكاد القنوط يسيطر على الجميع لدرجة أن البعض منا كان يقول: ما أشد تمسكنا بالحياة، وما أقوى أبداننا، أمع كل هذا التعذيب والجوع والمرض، لا أحد يموت، فلو مات البعض لعلم الرأي العام، وتدخلت منظمات حقوق الإنسان، وانفرج الحال."
كان هناك تعتيم كامل على ما كان يجري خلال تلك الأشهر من تعذيب وتنكيل بالسجناء البعثيين، ولم يكن ذوو السجناء يعلمون عنهم أي شيء، وسيطلع فيما بعد الرأي العام الوطني والدولي على حقيقة بعض ما جرى، عن طريق المؤلف، وبصدفة عجيبة وغريبة.
بعد حادثة الشواء، يقول المؤلف: " حُمِل السجين إلى زنزانته بين الحياة والموت، وبعد أيام ساءت حالته وحالة ثلاثة آخرين من الذين تعرضوا للتعذيب، فاستدعي طبيب عسكري لمعاينتهم، وسمعتُ خلسة، جانبا من حديثه لأعضاء فرقة التعذيب، يقول لهم، هؤلاء الأشخاص الأربعة لشدة ما حاق بهم، ليس من الممكن علاجهم هنا، فحالاتهم بالغة الخطورة، إذا كنتم تريدون قتلهم فاحتفظوا بهم هنا، وإلا فلا علاج لهم إلا في المستشفى. وبعد مغادرة الطبيب العسكري، أحضروا ممرضا عسكريا وكان رجلا طيبا بذل جهده لمعالجة الضحايا لكنه لم يفلح، وساءت الأحوال، فاضطروا لنقلنا جميعا إلى المستوصف العسكري."      
في تلك الفترة كان المستشفى أو المستوصف العسكري هو المرفق العسكري الصحي الوحيد، كما يروي المؤلف، وكان يقع في الجهة الغربية من مقر القيادة العامة لأركان الجيوش، وكان هذا المستوصف يُدار في ذلك الوقت من طرف ضابطين فرنسيين، أحدهما برتبة رائد وهو الطبيب الرئيسي، والثاني مساعده برتبة نقيب.
جيء بالسجناء الأربعة إلى المستوصف في أوقات مختلفة، دون أن يعلم أحدهم بالآخر، وكان اثنان منهما مصابان بالسل الرئوي الحاد ( المؤلف أحدهما)، والاثنان الباقيان أحدهما هو الذي تعرض للحرق بالحامض، والثاني هو الذي تعرض لعملية الشواء على الجمر.
وُضِع السجناء الأربعة في أماكن منفصلة، ولم يكن يُسمح لأي كان بأن يتحدث مع أي أحد منهم، وكانت الرقابة مشددة جدا، وكان الحراس يرافقونهم إلى دورة المياه، وإلى الطبيب أثناء الفحوص.
يقول المؤلف: "وذات يوم كان الطبيب الرئيسي يفحصني، وينظر في نتائج فحصي المخبري، وكان يتبادل الآراء مع مساعده فقال له: إنهم لحسن الحظ شباب أقوياء، ولذلك فهم يتحسنون بسرعة، رغم خطورة إصابتهم.. يا للتخلف بدل توظيف قوتهم فيما يفيد، ها هم يدمرون أنفسهم، ويثيرون الفتن بسبب المراعي والآبار وما إلى ذلك، أجابه مساعده: لو أنهم يفهمون الفرنسية لبينا لهم أن مرضهم يحتاج إلى عناية تامة لمدة سنة كاملة على الأقل. وربما إذا أفرج عنهم، وتماثلوا قليلا للشفاء، عادوا إلى صراعاتهم القبلية.. قاطعته قائلا (المؤلف): 
ـ من تعني؟ أجاب بتعجب وارتباك واضح ودهشة : هل تفهم الفرنسية؟
ـ نعم
ـ حسن، حسن جدا، ردداها معا؟
ـ لماذا تتقاتلون باسم القبائل على الماء والكلأ؟
ـ لابد أنكم مخطئون يقول المؤلف نحن بعيدون كل البعد عما وصفتم، نحن سجناء رأي تعرضنا للتعذيب لمدة شهور، وما ترونه هو بعض آثار وانعكاسات ذلك!
شكل ذلك الحوار بداية لتسريب معاناة السجناء البعثيين للرأي العام الوطني والدولي، فبعد عدة جلسات استماع، أعد الطبيبان تقريرا، وأرسلاه إلى منظمة العفو الدولية، فنشرت المنظمة مضمون التقرير، منذرة الحكومة الموريتانية بأنها ستواجه عواقب وخيمة وحملة تنديد واسعة النطاق، إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
فوجئت الحكومة بالتقرير، واستاءت منه، وأبعدت الطبيبين الفرنسيين، ولكنها في المقابل، خففت على المعتقلين، وأطلقت سراح البعض منهم، وعجلت بمحاكمة البعض الآخر، وكان المؤلف من ضمن الفئة الثانية من حيث قسوة الأحكام، وهي فئة تتألف من تسعة سجناء حُكِمَ على كل واحد منهم، بالسجن لعشر سنوات نافذة مع الأعمال الشاقة، ومصادرة الممتلكات.    
تلكم كانت بعض الصور من التعذيب البدني للبعثيين الذين اعتقلوا في العام 1982، استعرضها المؤلف في كتابه، وكان هناك تعذيب من نوع آخر(التعذيب المعنوي)، والذي يعتبره المؤلف أقسى وأشد من التعذيب البدني، ففي فقرة من الكتاب يقول المؤلف: "إن الآلام التي ترتبت على توصيفنا بتلك الصفات المشينة من خلال التهم الموجهة إلينا، كانت أشد وأنكى من كل الآلام البدنية التي تعرضنا لها على أيدي الجلادين، فقد تضمدت الجراح على الأجسام والأبدان والتأمت، وظلت جراح الدعاية السامة، نازفة غائرة في الأنفس".  ومن صور التعذيب المعنوي ـ حسب المؤلف ـ  اتهام البعثيين بالعمالة للأجنبي، وتلقي الدعم من الخارج، وقد حاول المؤلف أن يفند تلك الاتهامات في أكثر من موضع أو محطة من الكتاب.
يقول المؤلف في واحدة من تلك المحطات: "وبخصوص هذه الحيثية بالتحديد، أقدم من خلال هذه السطور شهادة للتاريخ لا مطعن فيها، وهي أني لم استلم في أي يوم من الأيام فترة انضمامي للحزب، ولا قبلها ولا بعدها، فلسا واحدا من العراق أو غيره، ولم أر الحزب يقدم الأموال لأي من أعضائه، بل على العكس من ذلك، أنا وغيري من الرفاق من أصحاب الرواتب، كنا نقدم المال للحزب من رواتبنا، ونساهم في مساعدة الأغلبية الساحقة من البعثيين الفقراء، وأكثر من ذلك لم اطلع، وأنا كنتُ في مراكز متقدمة من العمل الحزبي والجماهيري، على أن الحزب قدَّم في أي يوم من الأيام، أية أموال لشراء ذمم الناس".
وفي هذا الإطار يتساءل المؤلف: " هم يزعمون أن البعثيين، يهددون المجتمع بأفكارهم المستوردة، فلماذا لا تنطبق نفس المعايير على دعاة التغريب من أتباع الليبرالية الوحشية ولفرانكفونية أو الزنجوية..أكانت هذه الأفكار وحيا من السماء، أو قطاف زرع موريتاني؟".
وبخصوص السعي للاستيلاء على السلطة، يقول المؤلف بأن البعثيين لم يكونوا طلاب سلطة، ودليله على ذلك: "أن البعثيين كانوا من الناحية اللوجستيكية قادرين على استلام السلطة بسهولة ويسر، ومن دون إراقة الدماء، وربما حتى من دون إعلان حالة استنفار أو حالة طوارئ، فأعضاء من الحزب وعناصر منه، كانوا يشغلون الكثير من مناصب التحكم الحساسة في الدولة، وكان ميزان القوى لصالحهم، وكذلك كونهم يوم 16 مارس، حكموا البلد وظلت السلطة بين أيديهم لمدة ساعات طويلة، ولكنهم تأففوا عن الاستيلاء عليها، وتركوها لمن كانت آئلة إليه، وهذه حقيقة يعرفها كل الذين كانوا مُطَّلِعين على خفايا الأمور، في ذلك اليوم وفي تلك المرحلة".
 ويؤكد المؤلف في موضع آخر: " أصبح الانطباع السائد هو أن البعث بعد 16 مارس، يسيطر على الوضع لدرجة أن بعض الدبلوماسيين الأجانب، وبالذات من السفارات الغربية، كانوا يغازلون البعثيين ويترددون إليهم، بل أكثر من ذلك يكاشفونهم بالاستعداد للتنسيق معهم في حالة ما إذا قرروا تغيير النظام واستلام الحكم، وفي فترة لاحقة اتصل بي شخصيا القائم بالأعمال في سفارة إحدى الدول الغربية الكبرى، وزارني في مكتبي، وأخبرني بكل صفاقة، استعداد بلاده لدعم أية جهة تقرر تغيير النظام".
كانت تلكم بعض صور التعذيب بشقيه البدني والمعنوي، التي أوردها المؤلف في كتابه "في ضيافة ملائكة العذاب"، وتبقى هناك جملة من النقاط المختصرة ذات الصلة بالتعذيب، قد يكون من المهم التوقف معها، أو الإشارة إليها على الأقل:
1 ـ أن مناضلي كل الحركات الإيدولوجية والتنظيمات السياسية تعرضوا للاعتقال   والتعذيب، في فترات مختلفة من تاريخ موريتانيا، وبخصوص هذه الفترة بالذات فقد تعرض الناصريون للسجن والتعذيب مع البعثيين، وكان هناك من توفي في تلك الاعتقالات؛
2 ـ كل الحركات الإيديولوجية والتنظيمات السياسية دفعت أثمانا باهظة، وقد تعرض العديد من المنخرطين فيها للكثير من التعذيب والتنكيل، وهذا ما على الأجيال الحالية أن تعلمه، ومع ذلك فإن الأثر الإصلاحي على أرض الواقع  لكل تلك التضحيات الكبيرة التي قدمتها الحركات الأيدولوجية بمختلف انتماءاتها كان دون المستوى، وذلك أمرٌ مُحَيِّر. فبماذا يُفَسَّرُ هذا التناقض الكبير أو هذه الفجوة الكبيرة بين حجم التضحيات الكبيرة التي قدمتها الحركات الإيديولوجية، والأثر الإصلاحي الهزيل على أرض الواقع لتلك التضحيات الكبيرة؟؛
3 ـ لم تسلم مختلف المكونات الوطنية والحركات والتنظيمات السياسية من عنف الدولة، فالكل كان ضحية لعنف الدولة وأنظمتها الحاكمة، ولكن بعض ذلك العنف تم التركيز عليه دون غيره، ربما سعياً لإلصاق تهمة العنصرية بالدولة. 
ومن قبل أن أنهي هذا التعليق على كتاب "في ضيافة ملائكة العذاب"، فلابد من لفت الانتباه إلى نقطتين أراهما مهمتين وردتا في الكتاب، مع أنه لا علاقة لهما بالتعذيب، أولهما أن مؤلف الكتاب كان داخل الإذاعة يوم 16 مارس 1982، وقدم رواية مفصلة لما حدث داخل الإذاعة في ذلك اليوم، وهي رواية تختلف تماما عن الرواية الشائعة عند الناس، لما حدث في ذلك اليوم داخل الإذاعة.
أما النقطة الثانية، فإنها تتعلق بحملات التطوع التي أطلقها النظام الحاكم في تلك الفترة، وقد تحدث عنها المؤلف بشيء من التفصيل في كتابه، ومما لاشك فيه أن إطلاق تلك الحملات كان من الناحية النظرية عملا وطنيا في غاية الأهمية، ولا يختلف من حيث الأهمية عن حملات محو الأمية والمطالعة من خلال تشييد دور الكتاب التي سَتُطلق فيما بعد في عهد الرئيس الموالي، ولكن اللافت في هذا الأمر، وخصوصا في حملة محو الأمية التي كنتُ شاهدا على تحولها إلى عمل مسرحي، أن النسبة السنوية للقضاء على الأمية من قبل تلك الحملات، ومن قبل تأسيس وزارة خاصة بمحو الأمية، كانت أعلى من نسبة القضاء عليها بعد أن أصبحت لدينا وزارة لمحاربة الأمية، وبعد أن أطلقت حملات واسعة لمحو الأمية.  
فلماذا تأتي دائما هذه الحملات التي تنفق عليها أموال طائلة، وتبذل فيها جهود كبيرة، بنتائج سلبية؟

 

حفظ الله موريتانيا..
محمد الأمين الفاضل 
[email protected]

 

 

3. أبريل 2025 - 17:05

أحدث المقالات

كتاب موريتانيا