حتى لا يصبح المنكر معروفا... / القصطلاني إبراهيم 

موجة من التقلبات السيسيولوجية تغمر مجتمعنا الموريتاني بشكل رهيب، و الخطير جدا أنها بدأت تأخذ شكلا رسميا حتى وصلت إلى منصاتنا الرسمية، الأمر الذي يجعلها تهدد الكيان المجتمعي برمته بل  تتعدى إلى الحالة الوطنية ككل.

و لعل من أبرز منافذ هذه السموم التي تقتل قيم المجتمع تلك العناوين المستوردة من الغرب و التي من أبرزها: الديمقراطية، الحرية، المساواة، التحرر، العولمة...

و لئن كانت هذه العناوين في ظاهرها و حتى في بعض تعريفاتها المتداولة، تمثل قيما تعتبر من صلب ديننا و مما دعا إليه الإسلام و جعله من صميم أهدافه، إلا أن الخطر كل الخطر يكمن في الإستخدام و التطبيق.

الديمقراطية

هذا العنوان البارز الشائع الذائع المتوهج حداثة، ليس بريئا مما يحدث من تقلبات في قيم مجتمعاتنا المسلمة، و كيف يمكنه أن يكون بريئا و هو يعني في ماهيته "حكم الشعب لنفسه".
لقد حاول الكثير من النخب المسلمة، أسلمة الديمقراطية، حتى أن بعضهم ذهب به الأمر إلى دمقرطة الإسلام، و بين هذا و ذاك، يظل المنتج الغربي وعاء لتمرير الكثير من الأجندات الصهيونية التي تفتك بالمجتمعات المسلمة، فقد لعبوا على وتر الديمقراطية حتى وصلوا إلى درجة دمقرطة بعض قيمنا الإسلامية، و السؤال المطروح بقوة هل يليق بمجتمع مسلم أن يسمح لقيمه المنبثقة من شرعه الإسلامي، أن يسمح لها أن تكون مجرد مساحة مرنة للإختيار؟

هل يمكننا مثلا أن نعرض الإحتشام و قوامة الرجال للتصويت ليحل محلهما السفور و اللاقوامة؟
لقد وصلنا  بالأمس القريب إلى مرحلة عرض قانون النوع للتطبيق رغم ما يحمله من ضرر على قيمنا.

و رغم محاولة البعض إسقاط الديمقراطية على الشورى إلا أنهما يبقيان يبقيان متبعادين، فالشورى تفرز بالضرورة نخبا يمثلون القيم و الأصالة، أما الديمقراطية فليست كذلك، و على الرغم من انسجام المجتمعات المسلمة مع الديمقراطية إلا أنها بقيت مدخلا واسعا لتهجين النخب، و الناظر إلى واقع البدان العربية و المسلمة يرى ذلك جليا
فنثلا تمنح الديمقراطية الحصانة لأعضاء البرلمان، تلك الحصانة التي تسمح لهم  بالولوج بإنسيابية لأي مرفق عمومي و تمنحهم قوة أمام الإدارة التنفيذية حتى يؤدون رسالتهم.
لكن - و أقولها بكل أسف-  تستخدم تلك الحصانة في بعض الأحيان للإستقواء على قيم المجتمعات و وحدتهم، فقد شاهدنا البعض يتلفظ بألفاظ تخدش المروءة، و البعض الآخر يستقوي بحصانته للتهجم على الأمن و رجاله و الطعن في كل شيئ، و المفروض أن منح الحصانة تسبقه وجود صفات القدوة، لأنها لم تمنح ليثبت صاحبها فوقيته على  القيم و القانون.

الحرية

فرق كبير بين الحرية و الحرية المطلقة و قد كتبت مقالا بعنوان "الحرية و الحرية المطلقة" منذ سنوات في هذا الرابط https://rimnow.net/w/?q=ar/node/13735 ، يمكن الرجوع إليه.
و الخلاصة  أن الحرية حق و قيمة و صفة حميدة و مطلب أساسي، لكن لطالما تم استخدامها لتمرير الحرية المطلقة التي هي مجرد اتباع للهوى و تمييع للتشريع و القيم و قواعدهما.

التحرر

هذا المفهوم الغريب و الذي يستهوي النساء و المراهقين، لا يكاد يحمل أي قيمة مضافة جديدة، فهو مجرد فقاعات من الكلام الفارغ التي تغزوا  أفكارنا و قيمنا، و كأن التحرر هو أن نرمي بكل ما نملك من قيم و نستبدلها بأخرى، تماما كما هو الحال مع مركات الهواتف و السيارت.
إن التحرر ضد الأصالة، و لذلك نجد أننا الآن أمام موجة من التحرر لم يسلم منها شيئ، حتى وصلنا "لمشاهير الفلس" كما يسميهم بعض الكتاب، مشاهير ليس لهم من الشهرة إلا أنهم يفعلون المنكر، و من خلالهم يصبح المنكر معروفا. فقد أصبح معروفا من خلالهم

- أن تخرج الفتاة بزينتها عارضة لها، و تترك للمتابعين التعليق
- أن يتناول المشهور موضوعا لا قيمة له سوى الإثارة و نشر السوء و الفحشاء و يتوافد عليه "المعجبون" مطالبين من ينتقده بإحترام الرأي الآخر.

-،أن  يتغزل "مشهور" بالبنات من خلال بث مباشر و يجد من يتعاون معه على ذلك من المؤسسات التجارية التي تبحث عن الربح.

ليصبح  المنكر معروفا و المعروف منكرا من خلال تمرير كلمة واحدة تتألف من أربعة حروف: "تحرر".

المساواة

هذا العنوان البارز هو الآخر جعل منه البعض مصيدة كبيرة للهجوم على الآخرين و لتجاوز المألوف و المعروف.

إن المساواة في الحقوق و الفرص هدف نبيل و قيمة عليا و غاية كبرى، و قاعدة  من قواعد ديننا الحنيف
يقول الله تعالى

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

لكن ديننا يمنع المساواة في أشياء أخرى و لذلك نجد في كتاب الله قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ

و قال تعالى:

قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ

لا يمكننا أن نتجاوز العلماء و أهل الفضل و نساويهم يغيرهم، فطبيعة المجتمعات تتشكل بشكل تلقائي أن فيهم السادة و القادة و العلماء و الوجهاء، و من يريد أن يتجاوز ذلك فإنما يريد قتل القدوة في المجتمع.

إن التهجم على أهل العلم و المعرفة و الفضل  و محاولة التقليل من شأنهم و محاولة مساواة الصالح بالطالح و تمييع ذلك من خلال تصدر أهل السوء للمشهد، يعتبر كارثة مجتمعية تنسف المجتمع أصلا و فرعا.
و ما يتم من التلاعب بالألوان للقفز على القدوات مجرد سياسات غربية تسعى للتفرقة و القطيعة. 
و الواجب علينا أن نحب الصالحين و نكرمهم و نذكر فضلهم و نتشبه بهم، يقول الشافعي :

  أحب الصالحين ولست منهم
لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي
وإن كنا سواء في البضاعة

و يقول آخر

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاحُ

العولمة

و أخيرا نصل إلى مصطلح العولمة الذي يحمل في طياته الكثير و الكثير.
ذلك المسمى العالمي العائم في بحر من الغفلة و اللامبالاة.
نعم لقد أصبح العالم قرية واحدة من خلال طفرة الإتصالات و التكنولوجيا، لكنه لم يصبح مجتمعا واحد و لم يدن بدين واحد ...

إن عولمة الأدوات تختلف عن عولمة الأفكار التي يسعى لها الصهاينة، لا يمكن لإنسان مسلم أن يتخلى عن قيمه بسبب مصطح غربي حديث يدعى العولمة، بل الواجب على المسلم أن يخاطب دعاة العولمة بأن دينه الحنيف فوق العولمة، فنبينا محمد صلى الله عليه و سلم بعث للعالمين جميعا و الإسلام دين الله للعالمين.

قال تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

و قال تعالى:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

إن علينا أن نقف وقفة رجل واحد للحفاظ على قيم مجتمعاتنا، و التمسك بديننا الحنيف و مواجهة كل المخططات البائسة التي تحاول سلخنا من إسلامنا، و أصولنا، و أخلاقنا، فإنما الأمم بالأخلاق، فإن ذهبت الأخلاق فكبر أربعا على الأمم.

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت...
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

و ‏عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)

فالله الله يا أفراد مجتمعنا، هبوا جميعا لإنقاذ مجتمعكم حتى لا يصبح المنكر معروفا و المعروف منكرا.

القصطلاني إبراهيم 

4. أبريل 2025 - 12:14

أحدث المقالات

كتاب موريتانيا