
في 2 أبريل 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما وصفه بـ"يوم التحرير"، مطلقًا حزمة من الرسوم الجمركية الجديدة التي طالت معظم دول العالم، بما في ذلك الدول العربية، في محاولة لحماية الاقتصاد الأمريكي وتقليص العجز التجاري. وقد تراوحت هذه الرسوم على الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة بين 10% و41%، ما ينذر بتداعيات سلبية على النمو الاقتصادي في المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على تصدير النفط والسلع الأخرى إلى السوق الأمريكية.
تستهدف هذه الرسوم الجديدة، التي بدأ تطبيقها في 5 أبريل، تصحيح ما يراه ترامب "عدم المعاملة بالمثل" في التجارة العالمية. وقد تفاوتت الرسوم المفروضة على الدول العربية وفقًا لحجم العجز التجاري مع الولايات المتحدة وطبيعة الصادرات، حيث بلغت 10% على دول مثل السعودية والإمارات ومصر، بينما وصلت إلى 41% على دول مثل العراق والجزائر، وهو ما يعكس تفاوتًا في التأثير الاقتصادي. هذه الإجراءات تهدد بارتفاع تكاليف التصدير وتراجع الطلب الأمريكي على المنتجات العربية، لاسيما النفط والسلع الصناعية، مما ينذر بمرحلة ركود اقتصادي في العديد من دول المنطقة.
تشير التقديرات إلى أن هذه الحرب التجارية ستؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي العربي الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات كمحرك أساسي للتنمية. فالدول المنتجة للنفط، رغم استثناء بعض منتجاتها من الرسوم، قد تتعرض لضغوط غير مباشرة نتيجة التباطؤ المتوقع في الاقتصاد الأمريكي بنسبة 0.8% خلال العقد المقبل. أما الدول غير النفطية مثل الأردن وتونس، التي طالتها رسوم بنسبة 40% و55% على التوالي، فستواجه تحديات كبيرة في تصدير منتجاتها من المنسوجات والسلع الزراعية، وهو ما يزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول.
ورغم ما تحمله هذه الأزمة من مخاطر، فإنها تفتح الباب أمام فرصة حقيقية للدول العربية لتعزيز تعاونها الاقتصادي وتحقيق نوع من الاكتفاء الإقليمي. فبدلًا من الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية، يمكن إعادة توجيه الجهود نحو بناء سوق عربية مشتركة تستند إلى تكامل الموارد، مثل النفط في دول الخليج والمنتجات الزراعية في دول المغرب العربي. ويمكن الاستفادة من التجربة الأوروبية التي واجهت بدورها سياسات حمائية أمريكية، لكنها ردت عليها بوحدة اقتصادية وسياسية مكّنتها من تقليل الأضرار وتعزيز مكانتها في السوق العالمية.
من المحتمل أن تتخذ الدول العربية ردودًا تكيفية مع الواقع الجديد، مثل خفض الرسوم على الواردات الأمريكية كمحاولة لتخفيف التوتر التجاري، كما فعلت فيتنام مؤخرًا. إلى جانب ذلك، يمكن البحث عن أسواق بديلة في آسيا وأوروبا، وهو ما يتطلب استثمارات كبرى في البنية التحتية وشبكات التصدير والتكنولوجيا. سياسيًا، قد تؤدي هذه الإجراءات إلى توتر في العلاقات مع واشنطن، خاصة بالنسبة لحلفاء تقليديين مثل السعودية، ما يفرض إعادة تقييم جدية لطبيعة التحالفات القائمة وأهدافها المستقبلية.
تحقيق التكامل الاقتصادي العربي لا يمكن أن يتم بدون قيادة جماعية تضم الحكومات والقطاع الخاص. فرجال الأعمال العرب مدعوون لاستغلال الفرص الجديدة، خصوصًا في ضوء الرسوم المرتفعة المفروضة على الصين، والتي تصل إلى 34%، مما يجعل بعض الدول العربية خيارًا بديلًا محتملًا للتصنيع والتصدير. في هذا السياق، تلعب مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام وتعزيز الثقة بجدوى التعاون العربي، الذي طالما اعتُبر حلمًا غير قابل للتحقيق.
في النهاية، فإن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية لا ينبغي أن تُفهم فقط كعقبة اقتصادية، بل كجرس إنذار يدعو الدول العربية إلى إعادة النظر في نموذجها الاقتصادي القائم على التبعية. إذا نجحت هذه الدول في استثمار الأزمة لبناء تكامل اقتصادي حقيقي، فقد تتحول من موقع المتلقي السلبي للأزمات إلى فاعل حقيقي في رسم مستقبلها. وفي عالم تتسابق فيه الكتل الاقتصادية الكبرى لبسط نفوذها، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستظل الدول العربية أسيرة انقساماتها، أم أنها ستغتنم هذه اللحظة التاريخية لبناء قوة موحدة قادرة على الصمود والمنافسة؟