أي حوار نريد في مأمورية الشباب؟ / حم أحميتي فال

يُعتبر الحوار وسيلة حضارية استمدت جذورها من شريعتنا الغراء، حيث أمرت بالتشاور والتفاوض. وقد عرف السياق السياسي الإسلامي مفاوضات كثيرة، تفاوتت حسب الزمان والمكان. وفي عصرنا الراهن، تتخذ الديمقراطية من الحوار وسيلة ناعمة لسد الثغرات وعلاج الأزمات.

وفي سياقنا الأفريقي والساحلي تحديدًا، يُصبح الحوار ضرورة ملحة، نظرًا لما نراه في إقليمنا الملتهب من شظايا الفتن والحروب والأزمات السياسية. وعلى الصعيد الوطني، يُعدّ الحوار آلية لتشخيص الكثير من المشاكل المتراكمة والملحّة، خاصة في هذه المأمورية، التي هي مأمورية الشباب وبالشباب، على حدِّ قول رئيس الجمهورية.

ومن أهم النقاط التي ينبغي مناقشتها، بل وحسمها نهائيًا في هذا المقترح المقتضب، ما يلي:

1. مشكلة الهوية الوطنية

إن أي نقاش سياسي لا يعترف بالهوة السحيقة والألغام المتفجرة التي أصبحت مرضًا عضالًا وسببًا يُستغل لتحقيق مكاسب آنية وأهداف قريبة على حساب مشروع الدولة والأمة والوطن، هو نقاش ناقص. ينبغي حسم مسألة الهوية الوطنية وكتابة التاريخ الموريتاني بكل موضوعية ومهنية، مع توجيه الأجيال القادمة نحو الوحدة والاندماج. فلا مستقبل لأمة لا تتناسق ألوانها ولا تتعاضد قواها. ولنا في التاريخ الموريتاني نموذج رائد، من قيام المرابطين إلى اليوم.

2. مشكلة البطالة والهجرة

هذان المشكلان من أخطر القضايا التي ينبغي حلها وتجاوزها، فالاستثمار في الكادر البشري هو الخطوة الأولى نحو التنمية الاقتصادية وتشغيل عوامل الإنتاج، خاصة أن الدولة الموريتانية اليوم تتطلع إلى البناء والتأسيس الفعلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

إن الأرقام الديموغرافية للفئات الشبابية تؤكد أننا نمتلك قدرات بشرية يمكن أن تحقق التغيير النوعي والتميز لهذا البلد المبارك، الذي حمل مشعل تأسيسه جيلٌ من الشباب، كان جهدهم محمودًا وسعيهم مشهودًا. لذا، فمن الضروري تمكين الشباب وتكليفهم بالمسؤوليات الوطنية الضرورية ومنحهم الفرصة لإثبات كفاءتهم.

3. مشاكل التعليم والصحة

لا يمكن أن تنهض أمة، ولا أن يتحقق التوافق داخل مجتمع لا يدرك حجم المصير المشترك، بينما تشغله الأمية والمرض وسوء التغذية. فلا مناص من النظر بعمق إلى هذا الملف الحيوي الذي يهم جميع فئات المجتمع، سواء في التعليم أو الصحة أو حتى الغذاء.

لقد أحدثت العولمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية شرخًا خطيرًا وسوادًا عظيمًا بين أبناء الشعب الواحد، الذين يجمعهم الدين والمصير المشترك والوطن الواحد والعلم والنشيد والتاريخ والحضارة. فإلى متى نتغافل عن هذا الخطر؟

4. الاقتصاد الوطني

تزخر بلادنا بالكثير من الموارد الطبيعية، وليس أقلها ما نشهده من اكتشافات للغاز، مما يجعل موريتانيا موطنًا مهمًا للشركات العالمية وساحة اقتصادية واعدة على الصعيد الدولي. لذا، ينبغي أن يخضع الاقتصاد الوطني لنقاش جاد وعميق، يتم فيه مراجعة السياسات، وتقييم الاتفاقيات، وتعزيز السيادة الاقتصادية، بما يضمن استغلالًا أمثل لمواردنا الوطنية، ويقلل من حجم ديوننا الخارجية والداخلية، وينقلنا من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد منتج يعتمد على الزراعة والصناعات التحويلية.

كما يتطلب الأمر عقد شراكات دولية استراتيجية لتصدير الغاز والذهب والثروات البحرية، مع احترام سيادتنا التاريخية والسياسية والاقتصادية. فالعبرة ليست في كثرة الموارد، وإنما في القدرة على إدارتها بفعالية، والابتعاد عن الفساد الإداري، الذي أصبح معضلة حقيقية تعيق تنميتنا واستقرارنا.

ختامًا

من الجدير بالذكر، ومن الموضوعية بمكان، أن نعترف بحرص فخامة رئيس الجمهورية الدؤوب على جمع الأطراف السياسية الوطنية، ومناقشتها حول مصير البلد، والاستماع الجيد لأهل التجربة والخبرة من سياسيينا وخبرائنا. لذا، ينبغي أن يشمل الحوار الوطني جميع الملفات، كما يجب أن يتسع للخبرات الفنية والمهنية، لضمان تشخيص دقيق وشامل لما تحتاجه موريتانيا اليوم وغدًا

 

2. avril 2025 - 21:02

أحدث المقالات

كتاب موريتانيا