حُرمَةُ تزويرِ نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ بحيد بن الشيخ يربان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:

فيُعَدُّ تزويرُِ النَّسبِ خُروجاً على الشَّرعِ والفِطرةِ سَواءٌ زوَّرَ المرءُ نسَبَ نفسِهِ أو نسَبَ غيرهِ أو أنكرهُمَا بالجُملةِ ؛ فتزويرُ النَّسبِ إساءةٌ للنَّفسِ وعقوقٌ للوالدينِ وقذفٌ لهُما، وقطيعَةٌ للأرحامِ ، واغتصَابٌ لحقوقِ الغيرِ  بغير حق ، وظلمٌ للمجتمعِ بأسرِهِ.
بل إنه جريمةٌ دينيَّةٌ وأخلاقيةٌ من كبائرِ الذُّنوبِ ومن نواقِضِ العدالةِ.
وتُعدُّ ظاهرةُ إدِّعاءِ النَّسبِ الشّريفِ في هذا الزمانِ من أشنعِه وأكثرِه استشراءً بين الناسِ.
وحِفظُ الأنسابِ من ضروريّاتِ الدينِ السِّتِّ التي اتَّفقَتِ الشَّرائعُ السماويةُ على وجُوبِ حِفظِها، وهي:
1-حفظُ الدِّينِ 
2-وحفظُ النّفسِ 
3-وحفظ النَّسبِ 
4-وحفظُ العِرضِ 
5-وحفظُ العقلِ 
6-وحفظُ المالِ.
وقد شرعَ اللهُ عز وجلَّ النّكاحَ وحرّمَ السِّفاحَ حتى لا تختلِطَ الأنسابُ ، وليكونَ للإنسانِ فضلٌ وَ كَرامةٌ.
ورتَّبَ الشارِعُ على النّسبِ حقوقاً عظيمةً نُصَّ عليها في القرآنِ الكريمِ والسُّنةِ المُطهرةِ وكُتُبِ الفِقهِ تتعلّقُ بالنّكاحِ والتّرِكةِ والعاقِلَةِ وغيرها.
ويثبتُ النّسبُ بالدّليلِ والحِيَازَةِ والشُّهرةِ وطُولِ المُدّةِ من غيرِ نكِيرٍ.
ومَنِ ادّعَى أنّهُ من السّادةِ الأشرافِ وجبَ التَّحقُّقُ مِن نَسَبهِ لِمَا يترتّبُ لهُ من حُقوقٍ خَاصّةٍ شرعاً، ويُرجَعُ في ذلكَ إلى رَبعِهِ وأهلِ قُطرِهِ لأنّهُم أعلمُ بهِ من غيرِهِم.
ويجبُ على كُلِّ مُسلِمٍ حِفظُ نَسَبِهِ الذي وَرِثَهُ عن آبائِه ِ، ومَعرفَةُ نسَبِ نبيّهِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بل لا يصِحُّ الإيمانُ إلا بمعرِفةِ نَسبِهِ الشّريفِ صلى الله عليه وآله وسلم ، وحِمايةِ عِرضِهِ الطّاهِرِ مِنَ الدُّخلاءِ ولصُوصِ الأنسَابِ. وتَحرُمُ مُداهَنَةُ مُزوِّرِي الأَنسابِ والسُّكوتُ على باطِلِهِم ولاسِيمَا أدعِياءُ النَّسبِ الشَّريفِ.
بل يَجبُ فضحُ كَذِبهِم للنّاسِ ، وحَدُّهُم وتعزِيرُهُم بما يردعُهُم عن غيِّهِم وباطِلِهِم، وإِذايَتِهم للنَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في عِرضِهِ وأهلهِ ، ولا يُتركُونَ حتَّى يُستَتَابُوا ، ويُؤخذُ عليهِمُ العَهدُ أن لا يعُودوا لمثلهِ ابداً.
فقد قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى: روى أبو مصعب عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال:(من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم –يعني بالباطل- يضرب ضربًا وجيعًا ويشهر ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته لأنه استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم )[ القاضي عياض: الشفاء(2/1113).
والحافظ السخاوي:
الأجوبة المرضية(2/796) ].
ويتعَيَّنُ على قرابَة الأدعياء نُصحُهُم والإنكارُ عليهِم ، وعدَمُ التَّمالُؤِ معَهُم طاعةً للّهِ تعالى ولرسُولِهِ صلى اللّهُ عليهِ وآله وسلّمَ لقولهِ تعالى عن صفةِ المُؤمنينَ الصّادقِينَ : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:71].
ولقوله سبحانه:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [المائدة:2].
وإنّ وجُوبَ معرفِةِ نسَبِ نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على كُلِّ مسلِمٍ يَقتضِي معرفةَ خَصائِصِ هذا النّسبِ الشّريفِ، وكَونُهُ ينفَعُ المُؤمِنينَ من قَرابَتِهِ وأصهارِهِ في الدُّنيا والآخرةِ ، ولا ينقَطِعُ نسَبُهُ بانقِطاعِ الأنسابِ يَومَ القيامةِ كما وردَ في قولِ اللهِ عزّ وجل:
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]، لقول النّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح عنه:(كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ سَبَبِي وَنَسَبِي)
[رواه أحمد والطبراني والبيهقي وغيرهم].
ومن فضلِ اللهِ عز وجل أنّ هذا النَّسبَ الشريفَ ما ادّعاهُ أحدٌ كَذِباً إلا افتِضِحَ أمرُهُ ولو بعدَ حِينٍ لأنّ الأُمّةَ لهُ بالمِرصَادِ ، وهِيَ لا تجتمِعُ على ضلالةٍ.
وقد جرب أنه يحدث له من البلايا ما لا يخطر على بال حماية من الله سبحانه للنسب النبوي الشريف ، وتحقيقا لسنة الله تعالى فيمن طلب عزا بباطل أن يورثه ذلا بحق.
وهكذا تبيَّنَ لنا أنَّ حِفظَ النّسَبِ من صَمِيمِ الدِّينِ و واجِباتِهِ مثلَ الصَّلاةِ والصّيامِ والحَجِّ وغيرِهِ.
وللمُحافِظِ على النَّسَبِ الأَجرُ العَظِيمُ منَ اللهِ تعالى، ومن ضيَّعَ نسَبَهُ فقد ضيَّعَ إحدى كُلّيَّاتِ الدِّينِ وضرُوريَّاتِ الشَّريعَةِ ، واللهُ حسِيبُهُ. وأمّا من جهِلَ نسَبَ النّبيِّ صلى اللّهُ عليهِ وآله وسلّمَ ولم يَحفَظهُ فقد ضيّعَ دِينَهُ والعياذُ باللّهِ تعالى.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾[الأحزاب:5].
وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم:(من ادَّعَى إلى غيرِ أبيهِ أوِ انتَمَى إلى غيرِ موالِيهِ فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ ، لا يَقبلُ اللَّهُ منهُ يومَ القيامةِ صَرفاً ولا عَدلاً)
[ متفق عليه ].
وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم:(إنّ كذباً عليَّ ليسَ كَكَذِبٍ على أحدٍ من كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليتبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ)[ رواه البخاري ومسلم ].
وصلِّ اللهُم وسلِّم على سيِّدنا محمّدٍ وعلى آله و أصحابهِ ومن تبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

28. مارس 2019 - 9:28

كتاب موريتانيا

ذات صلة