الحلقة المفقودة من تاريخ موريتانيا / الشيخ بحيد بن الشيخ يربان

بسم الله والحمد لله ، والصلاةُ والسلامُ على نبيّنا محمد وآله وصحبهِ أجمعين
أما بعدُ:
فإنّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأَنبِياءِ، وَهُم حُرَّاسُ العَقِيدَةِ وَأُمَناءُ الشَّريعَةِ بَعدَ النّبِي صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم.
 وَقَد رَفَعَ اللهُ تعالى مَراتِبَ العُلَماءِ وَضاعَفَ لَهُم الأَجرَ لِقَولِهِ سُبحانَه:( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ  ) [الزمر:9]
وَلِقولهِ تَعالى:( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )[المجادلة:11].
وَلِأَجلِ ذلكَ وَجَبَ تَوقِيرُ العُلَمَاءِ، وَمعرِفَةُ مَزِيَّتِهِم، وَتَقدِيمُهُم على مَن سِواهُم.
وَقالَ الإمامُ أحمد رحمهُ اللّهُ تعالى مُحَذِّراً مِنَ الاِستِخفافِ بِشَأنِ العُلَماءِ :(لُحومُ العُلَماءِ مَسمُومَةٌ ، مَن شَمَّها مَرِضَ، وَمَن أَكَلَها مَات).
وَقالَ بعضُ السَّلَف رَحِمَهُم اللّهُ تعالى: (مَن أَطلَقَ لِسَانَهُ في أعراضِ المُسلِمِين أَمسَكَ اللّهُ لِسانَهُ عِندَ المَوتِ عَنِ الشَّهادَتَين ).
وَيُعَدُّ عِلمُ التَّراجِمِ فَرعاً مِن عِلمِ التّارِيخِ ، وَيَهتَمُّ بِسِيَرِ حَياةِ الأَعلامِ مِنَ النّاسِ الذِينَ تَرَكوا آثاراً نافِعَةً في مُجتَمَعاتِهِم وَأُمَمِهِم.
وَقَد اِهتَمَّ العُلَماءُ بالتَّرَاجِمِ لِتَوَقُّفِ كَثِيرٍ مِن أَبوابِ العِلمِ الشَّرعِيِّ عَليهَا كَالرِّوايَةِ وَالإِسنادِ وَالجَرحِ والتَّعديلِ وَالسُّلوكِ والمَناقِبِ وَغَيرِها.
 وقد صنفوا في سِيرَةِ النّبيِّ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ وَتَرَاجِمِ الصَّحابَةِ رَضيَ اللّهُ عَنهُم، والتّابِعِينَ والقُرَّاءِ ، والمُحَدِّثِينَ وَالفُقَهاءِ ، والزُّهَادِ وغَيرِهِم.
وتُعَدُّ بلادُ شِنقيطَ قلعةً لِلعُلماءِ والمَحاضِرِ ، ومَركَزاً لِلمَكتَباتِ العتيقة والمَخطوطَاتِ النَّفِيسَة.
وقَد سَاهَمَ عُلَماؤُها فِي النّهضَةِ العِلمِيَّةِ والأَدَبِيَّةِ فِي المَشرِقِ والمَغرِبِ ، وما حلُّوا بِأرضٍ إلا خَلَّفُوا فِيها عِلماً وأدباً وذِكراً حَسَناً.
كما ألَّفَ عُلماءُ الشَّناقِطَةِ وَمُؤَرِّخُوهَا عَن تاريخِ بِلادِهِم وَإشعَاعِهَا العِلمِيِّ والثَّقافِيِّ قدِيماً وحَدِيثاً ، وأفادوا وأجادوا.
ويُعَدُّ كِتابي (أعلامِ الشَّناقِطَةِ في الحِجازِ والمَشرِقِ)
الحَلقَة المَفقُودة مِن تارِيخِ الشَّناقِطَةِ في هَذِهِ الجِهَةِ المَركَزِيَّةِ مِن العَالَمِ الإِسلَامِي.
وهُوَ أوَّلُ مُؤَلَّفٍ اهتَمَّ بِإحصَاءِ فُقَهاءِ الشَّناقِطَةِ في الحِجازِ والمَشرِقِ على مَدَى عَشرَةِ قُرونٍ خَلَت حتّى الآن.
وقَد تَحدَّثت فيه عَن جُهُودِ الشَّناقِطَةِ العِلمِيَّةِ في التَّعليمِ والتَّصنيفِ ، وقَضَايَاهُم الاِجتِماعِيَّةِ العَامَّةِ في التَّنمِيَةِ والِإصلاحِ.
-وَقد ألفت الكِتابُ مُساهَمَةً في إحياءِ التُّراثِ الإسلامِيِّ وَحِفظِهِ ، وَصِيانَةً لِمُستَقبَلِ الثّقافَةِ العَرَبِيَّةِ الإسلامِيَّةِ ، ولِيَكونَ عِبرَةً وَنِبراساً لِلأجيالِ يُحيِي فِيهُم الآمالَ، وَيُضِيءُ لَهُم الآفاقَ.
وقَد تَمَّ الفَراغُ مِن تَألِيفِهِ عام1423 لِلهِجرَة المُوافِق
لعام2002 لِلميلاد، ولَم يُطبَع إلّا مُتَأَخِراً عام 1430 لِلهِجرَة المُوافِق 2009 لِلميلاد.
وقَد ذُكِرَ فِي الكِتابِ مِئاتُ الأعلامِ، وَتَوَسَّعَ في تَرجَمَةِ مائةٍ وثلاثينَ مِنهُم.
ويُعَدُّ كِتابُ أعلامِ الشَّناقِطَةِ في الحِجازِ والمَشرِقِ أيضاً مَصدراً هَاماً لِلباحِثينَ في تاربخ العَلاقاتِ المُوريتانِيّةِ المَشرِقِيّةِ مِن جِهَة، وَالعلاقَاتِ المَشرِقِيَّةِ المَغارِبِيَّةِ من جِهَةٍ أُخرى.
وهُوَ يَهدِفُ إلى التَّواصُلِ العِلمِيِّ والثَّقافِيِّ بينَ المَشارِقَةِ والمَغارِبَةِ مِن أجلِ قِيامِ الوَحدَةِ الفِكرِيَّةِ بَينَ أبناءِ الأُمَّةِ.
وجاءَ الكِتابُ استِجابَةً لِمَطلَبٍ بَاتَ مُلِحًّا طِيلَةَ سنين عَدِيدَه ، فَمَلَأَ فَراغاً في المَكتَبَتَينِ العَرَبِيَّةِ الإِسلامِيّةِ والغَربِيَّةِ أيضاً.
ونَذكُرُ مِن فَوائِدِ الكِتابِ على وَجهِ الإِجمالِ ما يأتي:
أولا- إنَّ الصِّلَةَ بَينَ بلادِ شِنقيطَ وَبينَ بِلادِ الحِجازِ والمَشرِقِ لَم تَنقَطِع مُنذُ فَجرِ الإِسلامِ لِوُجودِ قَوافِلِ الحَجِّ المَوسِمِيَّةِ ، والرَّحَلاتِ العِلميَّةِ المُختَلِفَةِ.
ثانيا- وقَد جَاوَرَ بَعضُ الشَّناقِطَةِ في الحَرَمَينِ الشَّريفَينِ مُنذُ قُرُونٍ سَحيقَةٍ إلا أنّنا لَم نَستَطِع تحدِيدَ بِداية تارِيخِ جِوارِهِم ، ورَغمَ ذلكَ فَقَد ذَكَرَت كُتُبُ التّارِيخِ أنّ أُمَراءَ المرابطينَ حَجُّوا خِلالَ القَرنِ الخَامِسِ الهِجرِيِّ ، وَجاوَرَ الحَسن المسُّوفِي بِالحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ في القَرنِ الثَّامِنِ الهِجرِيِّ.
وَيَرجِعُ تَارِيخُ أقدَمِ صَكٍ لِأَوقافِ الشَّناقِطَةِ في المَدينَةِ المُنوَّرَةِ إلى شَهرِ شَعبانَ مِن سَنَةِ 1135 لِلهجرة.
ثالثا - وكانَ لِتَوَطُّنِ الشناقطة في الحِجازِ والمَشرِقِ آثاراً إيجابِيَةً ومُثمِرَةً.
حَيثُ كانُوا فِي مَواقِعِ التَّأثِيرِ دائِماً ، وَأفَادُوا كَثيراً في المَجالاتِ التَّعليمِيَّةِ والقَضائِيَّةِ ، والسِّياسِيَّةِ والاِقتِصادِيَّةِ وغيرِها.
فكانَ مِنهُم الأَئِمّةُ والقُضاةُ ، والوُزَرَاءُ والسُّفَراء، والبَرلَمانِيُّونَ والمُستَشارُونَ وغَيرُهُم.
لذا كانت بَصماتُهُم ظاهِرَةً في النَّهضَةِ التِي عَرِفَتهَا المَنطِقَةُ.
رابعا- وكَانَت عَلاقَةُ  الشَّناقِطَةِ بِأشِقَّائِهِم في الحِجازِ وَالمشرِقِ مثالاً صَادِقاً  لِأُخُوَّةِ الإسلامِ في أنقَى صُوَرِهَا وأَبهَى مَظاهِرِهَا حَيثُ كانوا يَتَمَتَّعُونَ بِرعايَةٍ خَاصَّةٍ مِن لَدُن حُكّامِ المَنطِقَةِ وشعوبها ، وَيَحظَونَ بِمُعَامَلَةٍ إِدارِيَّةٍ مُتَمَيِّزَةٍ.
خامسا- وقَد لاحَظَ المُراقِبونَ بِغِبطَةٍ واستِغرابٍ الحُضورَ المُتَمَيِّزَ لِلشناقِطَة في المَحافِلِ الإسلامِيَّةِ في الثَّمانِينات والتِّسعِيناتِ مِنَ القَرنِ الرَّابِع عَشَر الهِجرِي، وتَمثيلَهُم فيها لِدُوَلٍ شَتَّى كَما حَدَثَ إبَّانَ الِاجتِماعِ التَّأسِيسِيِّ الثّاني
لِمُنَظَّمَةِ المُؤتَمَرِ الإِسلامِيِّ في جِدّة سَنَة 1390 لِلهجرة المُوافق 1970 لِلميلاد
حَيثُ حَضَرَهُ سِتَّةُ رِجالٍ مِنَ الشَّناقِطَةِ يُمَثِّلونَ سِتَّ دُوَلٍ مِن دُولِ المُنَظَّمَةِ.
سادسا-  مِنَ المَعروفِ أنَّ شَرطَ العِلمِ الاِستِقرارُ والتَّحَضُّرُ ولكِنّ الشّناقِطَةَ خَرَجُوا عَنِ المَألُوفِ، وَتَمَكَّنَت مَحاضِرُهُم بِفَضلِ اللهِ تعالى مِن تَحقِيقِ نَهضَةٍ عِلمِيَّةٍ رَائِدَةٍ في حِلِّهِم وتَرحالِهِم تَجاوَزَت شُهرَتُها العالَمَ الإسلامِيَّ كُلَّهُ.
سابعا- لم يَجِد أشِقَّاؤُنا فِي المَشرِقِ لَقَباً يُطلِقُونَهُ على عُلَماءِ الشَّناقِطَةِ أنسَبَ لِحالِهِم ، وأَصدَقَ عِندَهُم من وَصفِهِم بالمَكتَبَاتِ المُتَنَقِّلَةِ أو القَوامِيسِ المُتَجَوِّلينَ ، وقَد أصابُوا في وَصفِهِم حَيثُ يقول الشيخ محمد المأمون ابن الشيخ محمد فاضل الشنقيطي لِأخيهِ الشيخ سعدُ ابيهِ الشنقيطيّ عِندما ناظَرا بعضَ العُلَماءِ وهُما في رَيعانِ شبابِهِما: (بِحَقِّ الذي انزَلَ القُرآنَ و دَوَّنَ الأديانَ لو جَمَعوا علينا خَزائِنَ مِصرَ والعِراقَ والشامَ وسائِرَ الآفاقِ لَوَجَدوا ذلِك كُلَّهُ في صَدرِي مَجموعاً ومَعناهُ في صَحيفَةِ سِرِّي مَطبوعاً).
  ويقولُ العلامةُ سيدي محمد بن الشيخ سيدي عبد الله الشنقيطي:
( إنّ علُومَ المَذاهِبِ الأربعَةِ لو رُمِيَ بجَميعِ مراجِعِها في البَحرِ لَتَمَكَّنتُ أنا وتِلميذي من إعادَتِها دونَ زَيدٍ أو نَقصٍ ، هوَ يَحمِلُ المُتونَ وانا أُُمسِكُ الشُّروحَ).
وهذا نَادِرٌ وغَرِيبٌ اذا عَلِمنا أنَّ القَومَ أهلُ نَجعَةٍ وبادِيَةٍ!!.
وقد أشاد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية الأسبق بهذا العلم والحفظ حين وصف الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي صاحب أضواء البيان في التفسير، حيث قال:
(إنه ملىء علما من رأسه إلى أخمص قدميه.. وهو آية في العلم والقرآن واللغة وأشعار العرب) ، وقس على ذلك بقية علمائهم الأجلاء.
ثامنا- وكانَ بَعضُ حُكَّامِ المشارقة يختارُونَ بعضَ عُلماءِ الشّناقِطَةِ لِلقِيامِ بالمَهامِّ الكُبرَى التي تَحتاجُ إلى عِلمٍ وحِكمَةٍ.
ونَذكُرُ مِن ذلكَ أنّ السُّلطانَ عبدُ الحَميد الثّاني خَليفَةُ الدَّولَةِ العُثمانِيةَ كَلَّفَ  الشيخَ محمد محمود بن التلاميد الشنقيطي  بالاطّلاعِ على مَكتَبَةِ القُسطنطينيّةِ ثمّ زيارَةُ مَكتَباتِ أوروبا، وتَقيِيدِ الكُتُبِ التي لا توجد في مَكتَبَةِ القُسطنطينيّةِ.
فَزارَ مَكتَبَةَ باريس ولندن ومَكتباتِ الأندَلُس سنة 1304 للهجرة.
وكانَ يُستقبَلُ في تِلكَ البُلدانِ استقبالَ السُّفَراءِ.
فأنجَزَ المُهِمَّةَ ، وجاءَ بِالفِهرِسِ المَطلوب.
- وقَد انتَدَبَهُ ايضاً  لِحُضورِ مُؤتَمرِ المُستَشرِقينَ الثامِنِ
المُنعَقِدِ  في مدينةِ استُكهُولم سنة 1306 للهجرة تَلبِيَةً لِرَغبَةِ مَلِكِ السُّوَيد والنّرويج (أوسكار الثاني) في مُقابَلةِ الشيخِ محمد محمود الشنقيطي حَيثُ يُريدُ منهُ أن يحاضر لهم عن الإسلامِ واللغة العربيةَ.
تاسعا- وقَد خصّصَت وزارةُ الأوقافِ العِراقيّةِ كتاباً عنِ العلّامةِ محمد الأمين فال الخير الشنقيطي وجمعيّةِ النَّجاةِ ومَدرَسَتِها النَّموذَجِيّةِ التي أنشأَها وتَوَلّى إدارَتَها في مَدينةِ الزُّبَيرِ.
عاشرا- وتَحَدَّثَت كُتُب التَّاريخِ أيضاً عن حَجِّ لالّا خِناثَة بنت الأمير بكار الشّنقِيطِيّة ، زوج سلطان المغرب  المولى إسماعيل ووالدة السلطان عبد الله ، وَأشادوا بعلمها وِسَخَائِها ، وَإنفاقِها على طَلَبَةِ العِلمِ والعُلماءِ والمُجاوِرِينَ بالحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ والمَسجدِ الأقصَى، وَقَد حَبَّسَت عَليهِم أوقافاً كانَت مَحِلَّ تَقدِيرٍ كَبِيرٍ.
وأما بالنِّسبةِ لِمُؤَلّفاتِ عُلَماءِ الشّناقطةِ:
- فيُقَدِّرُ أحَدُ التَّقارِيرِ الصَّادِرَةِ عَنِ المَعهَدِ المُورِيتانِيّ لِلبَحثِ العِلمِيِّ سَنَة 1417 للهِجرَةِ الموافِق 1997 لِلميلاد مَجموعَ الكُتُبِ التِي ألَّفَها الشَّناقِطَةُ بأكثَرَ مِن أربعينَ ألفَ مخطُوطَةٍ.
وهذا قَلِيلٌ مِن كَثيرٍ ما زالَ مَجهُولاً شَأنُهُ في ذلِكَ شَأنُ تُراثِ الأُمَّةِ عامَّةً.. حيَثُ وَرَدَ في أحَدِ التَّقارِيرِ عَنِ النَّدوَةِ العالَمِيَّةِ لِلمَخطوطاتِ سنة 1417 لِلهجرةِ المُوافِقُ 1997 للميلاد ، أنَّهُ يوجَدُ أربَعَةُ ملايينَ وثَمانُمائةِ ألف مَخطوطَةٍ تَنتَظِرُ من يُحَقِّقُها وَيَنشُرُها.
ولِلمزيدِ مِنَ المَعلوماتِ أُحِيلُ السّادةَ الفُضَلاءِ إلى قِراءَةِ الكِتابِ.

وصلّ اللهُمّ وسلّم على نبيّنا محمدٍ وآلهِ وصحبهِ أجمعين.

 

 

2. أبريل 2019 - 17:19

كتاب موريتانيا

ذات صلة