في ظلال " التراويح " ( 1) / محمدالمصطفى الولي

كان الورد التراويحي الليلة سورة " الأنعام " ، وهي من سور القرآن المكي الذي يشكل المادة الأساسية لماورد في السورة من الأمر بالقول أكثر من أربعين مرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، على وجه التلقين والمحاججة . ويبلغ عدد آي السورة حوالي 167 ءاية مكية ، نزلت دفعة واحدة معها موكب من الملائكة سد مابين الخافقين ، لهم زجل بالتسبيح ، والأرض لهم ترتج ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سبحان ربي العظيم " ثلاث مرات ، كماهو مروي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .فالمتدبر لآي السورة ومحطاتها الخصوصية يجد أنها روضة غناء وواحة من الإعجاز العلمي الغريب ، حيث البدء بالتوحيد وتصحيح الجانب العقدي بالأدلة والبراهين المحسوسة والمعقولة ، وإرسال المرسلين مبشرين ومنذرين ، لتستطرد السورة حوار نبي الله إبراهيم عليه السلام مع والده آزر قبل أن يحاجه قومه في عقيدته ويوتيه الله حجته ويهب له إسحاق ويعقوب .

ثم تأتي مرحلة إفلاق الحب والنوى وإخراج الحي من الميت والتوزيع الإلهي لمخلوقاته الكونية من جعله اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ، والنجوم ليهتدى بها في ظلمات البر والبحر ...كل ذلك بأسلوب الحجة والتفصيل لآيات لقوم يعلمون .

 

تحدثت السورة أيضا عن الزراعة وعن إخراج الباري عز وجل من الأرض بعد إنزاله الماء نبات كل شيء ....منه خضرا يخرج منه الحب المتراكب ، ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنت من أعنب والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه ...ثم تصل السورة إلى شركية اليهود وعناد المشركين ، لتخلص في بديع بيان ومحكم سبك إلى موضوعها الرئيسي الذي استمدت منه اسمها وهو موضوع الأنعام ( ومن الأنعام حمولة وفرشا ...) . ليكون ختام السورة " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين .." .

وهنا نستطرد قول العلامة أحمدو بن أحمذي في مراقي الأواه :

طوبى لمن بربه لم يشرك *** إن صلاتي أبدا ونسكي

وكل ما آتيه ماحييت *** وماعليه بعد ذا أموت

من عمل الطاعات والإيمان *** لله ذي العزة والسلطان

ونسكي حجي أو الذبح بحج *** وإن تقل عبادتي فلاحرج

وبعضهم قال : حياتي وممات *** بخلق من له الممات والحياة .

 

الوقفة الثانية من الظلال كانت الجزء الأول من سورة الأعراف ، حيث مثل افتتاح السورة بالأحرف المقطعة مالايمكن للعقل البشري أن يحوم حول خزائن المعاني التي اكتنفتها في حروف وجدنا أكثر المفسرين والمفكرين والمتدربين لكلام الله عز وجل وجدوا فيها مجالا خصبا من ظواهر البلاغة والإعجاز في جمال القرءان الكريم .

بدأت السورة المكية في أغلب آياتها ، بالحديث عن انزال الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم ، للإنذار والتذكير به ، والمنتفع بالذكرى هم المؤمنون ، وليواجه به نظم الوثنية وأوضاع المجتمع المشرك ، ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات ...لم تقتصر مواقفها على الجزيرة العربية فحسب ، بل دنست المعمورة كلها في واحدة من انتكاسات البشرية التي كرستها عملية الإرتداد " الرجعية " البائسة ، حتى جاء الإسلام لاعبا دوره في انتشال من كانوا في ظلام التصورات — وإن اقتضى ذلك — تعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأولى — صلى الله عليه وسلم — وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من التخلف والإرتهان في وحل الجاهلية العمياء . ثم تلمح السورة إلى ثلاثية المرسل والمرسل والمرسل إليه ، في تراتبية حسب العظمة والمكانة ، إذ المرسل هو الله سبحانه وتعالى ، والمرسل الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمرسل إليه هو الأمة المأمورة بالاتباع : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) .

لتأتي مرحلة سؤال الأمم عما فعلوه من عصيان رسلهم ، وسؤال المرسلين عما أجيبوا به ومالاقوه من عنت وتكذيب ، والوزن للأعمال الحسنة والسيئة ، والتمكين في الأرض التي جعل الله فيها أسباب المعيشة وضروريات الحياة من مطعم ومشرب وملبس ...كل ذلك من محض تفضله سبحانه وتعالى ، ثم تتطرق السورة لحقيقة الخلق والتصوير وأمر الملائكة بالسجود لآدم ، وإعراض ابليس عن ذلك ، ومحاججته لرب العالمين (... أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ظنا منه أن النار جسم نوراني جشاف ، وأن الطين جسم ظلماني كثيف ، وهو القائل بالقياس ، والغائب عن علمه أن القياس لايجوز مع صريح النص ، إذ الله أمره بالسجود وهو عالم أنه مخلوق من نار ، وأن ءادم مخلوق من تراب ، والله سبحانه وتعالى ( يخلق ما يشاء ويختار ) .

إلى أن يصل الورد إلى تمام نعمته تعالى على عباده المؤمنين ، بنزع العداوة والحقد عن صدورهم وقولهم بعد عملهم الصالح ( الحمدلله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) ، والهداية هي الدلالة على الطريق الموصل للغاية ، إذ لابد أن يعرف الإنسان الغاية أولا ، ثم يضع يضع الطريق الموصل لها ، بحيث لايكون معوجا ولايعترض صاحبه طول المسافة .

فالحمدلله على نعمة الإيمان والإسلام ، والقرءان وبعثة خير الأنام صلى الله عليه وسلم

21. مايو 2019 - 15:13

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة