حلية أبي إسحاق الكنتي (رد) / إزيدبيه ولد محمدنَ

 

"هذه حلية وشنوف أهديها للشيخ أبي إسحاق الكنتي قدس الله سره، ونشر مطوي فضائله للناس وسهل له شيئا مما يعتاش به الناس ويغني الحرة عن أن تأكل بثديها والدكتور أن يؤجر لسانه".

كان الدكتور أبو إسحاق الكنتي منذ زمن رجلا قد ضخم في عينه إهابه، وكبرت في نفسه نفسه، فما يصدر إلا عنها ولا يؤوب إلا إليها، نظر إليها مرة في المرآة، فردت عليه المرآة صارخة : عذ بورمها من شحمك، ثم هز عطفيه 

أمامها فتضاحكت : كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد. وقد ترامت الرجل فجاج الفقر وشعاب البؤس، فلما قذفته منها موجة في المدرسة العليا للتعليم صرخ في وجه إدارتها : أترفعون علي شخصا كنت عميده في دار آل القذافي ... ألا بئسا لزمن لا أكون فيه رأسا ..فتجيبه الجدران : الذنَب لا يكون رأسا ..لن تعدو قدرك ولقد كان لأبي إسحاق سيف كهام به فلول من قراع الكتائب، ورثه من أيام يوم الكنيف، يوم أخرج ملك الملوك من ماسورته، وقد نفش الشعر وزالت نضرة النعيم. وقد تعشق الرجل سيفه وجعل له من الكيمخت غمدا يلثمه الصباح إثر المساء لثم الثنايا المفلجات فما زال يصارع طواحين الهواء ويرنو للمزن بعين حولاء، وتسيل به أودية الزبد، فينادي : أيها الذي في المزنة العليا أدن أقاتلك أو ابتعد تنج، فإني لي ملك الأرض وفجاجها والسماء وأبراجها، فأنا رب الخورنق والسدير، فيجيبه صدى: بل رب الشويهة والبعير ولما فل ذلك السيف الكهامي وعرد سنانه ، ولم يبق للرجل إلا أسنانه ولسانه، وقد ذهب نصف الفؤاد هؤاء، ولم يبق إلا صورة اللحم والدم، وقد كان دما خاثرا ولحما على وضم نبت من لحوم البشر فقد كان الرجل من يتشهى أكل لحم أخيه حيا وميتا، وهو إليه ميت أحب، فقد كان للرجل "بالدافة"ولوع كبير.. يحسبها من ذكي العطر وجني الشهد. وبقى يعزف مع الريح ويترنم مع نائح الجن فما جلبت تلك الترنيمات نفعا ولا هدأت روعا .. ويرمي في البحر بشباك مقعرة ويرنو للشمس بغربال وينادي "أهذا السها" .. لقد مد في بصري ..فالحمد لربات الودع، فما عادت شباكه إلا بشئ من الخزف والثرى والودع " فنبذناه بالعراء وهم سقيم" .. ولم لسقمه غير شجرة الزقوم وماء حميم فهو يتجرعه ولا يكاد يسيغه. فما كان سحرة ملك ملوك إفريقيا ولا النفاثات في العقد ولا "النفاضات" ليعدن للبلد شبابه، وقد عسر على أبي إٍسحاق التيممي غير الكنتي إيجاد زاد في زمن المحل وقديما كان يجد في الزاد والشيئ الملفف في البجاد، ترياق السقم وناشر الرمة، على نحو ما ردده السالف

إذا ما مات ميت من تميم  وسرك أن يقوم فجئ بزاد

بخبر أو بتمر أو شعير  أو الشيئ الملفف في البجاد

تراه يصول في الآفاق طرا ليأكل رأس لقمان بن عاد

وليس تميمية الكنتي مما تخشى غضبته، فهو من رهط السلحفاة، وجند بناة أوبرى ولقد تفاقه الرجل وتعالم أزمنة معدودة، وكان يظن أن العالم سيتغير بمجرد أن ينطق وأن الكون سيعيد تشكيل ذاته عندما يتثاءب أبو إسحاق، فدبج في كل المطولات السائبة، والعنتريات الذاهبة مذهب الريح الجارية مجرى حديث النائم، أو هرطقات الهائم، ومد لذلك مخلاة تحت ذقنه فقد كبرت على الرجل مخلاته، لما كانت " بغير شعير" فخلى الرجل بينه وبين نفسه التي بين جنبيه وقد عرتها شمس الظهيرة من ثلجها الذي راكمه الصلف واساقط عنها ريش الاستئساد القديم، ورأى نفسه حق نفسها "هرا يموء" طفق يخصف عليه من ذلك الودع ويحثو من ذلك الثرى، حتى عاد كما كان أول وهلة، "رجلا يقعقع خلف رجيله بشن" .. ليعيد تجريب ذاكرته القديمة، ودوره المسرحي، فكل شيئ يدور ثم يعود إلى أصله، فأوحت إليه سجاح بكلمات غير مرتلات ولا مرتبات فكتب عن "جميل في العراء". ولجميل في قلب الدكتور أبي إسحاق وشلته وقع شديد، يتربصون به الدوائر ويحسبون لكلماته ألف حساب، وقد كان من هلوسات أبي إسحاق أن ظن نفسه رجلا مفكرا إذا لاك لسانه يمنة ويسرة، ونفض أبطيه، مرة أو اثنتين سامى جميلا، وشغل الناس عنه، فما كان أكثر من زبد راب ذهب جفاء وبقي الذي ينفع الناس،وكانت أذن أبي إسحاق قد طارت أو نفضت قول الصعلوك السابق إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يراد الفتى كيما يضر وينفعا فجعل يرددها ويتراقص على نغمات شيخه المقبور أبي حنبعل ..حلوة .." كيما" هذه... وقد كان له في تلك الرقصات غناء من نفع غير حاصل وضرر لا يجاوز ترقوته، وقد جعل الله للرجل في ترقوته بوقا ينتفخ وينكمش كما ترى ترقوة الضفدع، أو أردان الحرباء. ولستَ أول من قتلته – مواهب الله لجميل – حسدا، ولا أول من مد بصره إلى النيل منه فعاد البصر بعد كرتين حسيرا كسيرا، وكأن الرجل قد عني بقول السابق وعلى عدوك يابن عم محمد رصدان ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا غفا سلت عليه سيوفك الأحلام. وقد كانت أحلام أبي إٍسحاق سابقا قد وخد وفلس، فقد موت أبي حنبعل قميص حلمه من قبل ودبر، وخدد دمع الهديل وجنتيه، فأفلس المشروع قبل الشروع، وعاد الجوع إلى سطوته، فلم يبق إلا الهجيري القديمة، أن يغرس اللثة في جسد الحي والميت. ها أنت يا أبا أسحاق تطفو على السطح، رابيا كزبد البحر لما غاص جميل في العمق فاستخرج منه لآلئ كانت راسبة، لا كرسوبك في امتحانات المدرسة العليا للتعليم، فعد إلى "نفاثاتك أو نفاضاتك يمخضن لك شرابا يعيد إليك عازب العقل وشارد اللب. وأما الجزيرة فلو دعتك مفكرا ومحللا لكلت لها المديح ودبجت لها المطربات المرقصات بل لرقصت لها، فكيف وفيها عنك نفور، وفيك بقية من ترانيم القذافي .. عن أخوتنا في قطر .. هذي آخرتها.. ال بيتها من زجاج .. وبقايا تهويمات زمن الزنقة والبيت والشبر. أما سخريتك من قادة منسقية المعارضة، فليس في ذلك جديد عليك، فكيف ومن ذلك زيتك ورغيفك ومنه وشعارك وإزارك، وهو بعد ذلك وبند من ميثاق الاسترزاق الذي أوكل إليكم العزيز، يوم رآكم يتامى بعد ولي نعمتكم ونعمته، وقد علم أن أثقل الأمر عليه صوت جميل وقلمه، وأشد الوقع في جسد حكمه المهترئ ما يسدده إليه جميل وإخوانه، ولئن مددوتموه في الغي مقابل دريهمات فلتعودن عليه بالخسار، وسينفقها ثم تكون عليه حسرة، فما أنتم بمنقذيه من مصيره الذي يحفره بأظلافه، ولربما زففتم إليه عاجل الانتكاسة قبل آجلها، وكنتم له كمدية الشاة لما بحثت عن حتفها بظلفها. أيا أسحاق إنك أمرؤ قد سيق لك جماع القول التافه وسلاسل الكلم غير الطيب فأنت تنفق منه بسخاء من لا يخشى من غيه الفقر ولا من خلقه الازورار عن منقصة، ولست بغضن يافع فيقوم "وهل تقوم الخشب" وأغلب الناهقين اليوم خشب مسندة، تحسبهم جميعا وقلوبهم، جرت بها المطامع أي مجرى وقد علمت أن الولوغ في "تواصل" والتطاول إلى "جميل" أربحها في سوق بيع الضمير وأدناها لربح أخرجكم من دياركم أول مرة، وأعادكم إليها زغب الحواصل لا ماء ولا شجر. فذلك شأنك وقديما قال الخالد: فإن نك نربح إثارة فتنة ولم نجن فيها طيب الثمرات فما نعموا في ندوة جمعوا لها بترتيل آيات ولا بعظات فأعطوا وأعطينا وكل وبذله على حسب الإمكان والقدرات وكل إناء بالذي فيه يرشح، فكيف إذا اتسع رقع الخرق فيه على الراتق، وأعطي الولوال قلم رصاص يكتب به ويمحو ثم يطاوله فيطوله القلم الرصاصي، فما كان للقزم إلا أن يساقط، ولأنت من ثلة سنت لهم آباؤهم الولوغ ورأوه أعلى ميزات الشرف، فأن يلغ أحدهم في عرض فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ولكم قوم سنة وإمامها. ولعل في سخريتك من المعتمرين انسجام تام مع شيخك المقبور وشيخك ذي الحلق المثقوب يوم قال إن ردغة الخبال التي آوت القذافي زمنا أحب إليه من مكة، وقد صدق فإلى مكة تهفو القلوب الطيبة والنفوس الزكية، ومكة والمدينة تنفيان خبثهما وإليهما يأزر الإيمان، كما تأرز حياتكم إلى حجورها ..فعودوا إلى جحر ضب خرب. وأنت في السخرية هابط في دركات تترنح فيها ترنح السكران، فما كان الصحابي الجليل أبو سفيان بن حرب لينجو من سهام يتامى القذافي وقد سن لهم أبوهم قبل خروجه من الكنيف أن يجعلوا الصحابة الكرام غرضا لسهامهم، فلن يضر أبا سفيان أن يكون ردفا لأبي هريرة رضي الله عنهما فيكونان غرضا لنبالكم، فأضمن الحروب للنصر الحرب مع لا يسمعك ولا يضره نباحك. وخاتمة هذه الحوارية معك وقد طال جريك في القاع منفردا وخلت لك الأرض وطلبت النزال : أن لك في جنونك عذرا فأنت يتيم من يتامى القذافي، تتهاوى ملكه أمام عنيك ولما تحصل من الدنيا لعاعة تسد بها فاك المغفور وسعيك المثبور، فإن تعد ألقمناك حجرا .. ولقد غلت الحجارة اليوم ..حتى كاد أن يكون مثقال الرمل بدينار. نم ياصريع المحبس القذافي أو عد إلى أشياعك واخصف عليك بعض الورق فقد غاضت عين الحياة التي كنت تستقي منها وجنرالك الأرعن يخلق ولا يفري ويقول ولا يفعل وقد يؤرقك بطلب النيل مما لا يصل عينك شعاعه، فتؤوب كما بدأت حسيرا كسيرا لا ورق ولا وَرِق.

8. سبتمبر 2012 - 13:46

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة