رصيد الخواطر (2) / د.محمد محمود سيدينا

خلال أيام معدودات سيتم تنصيب رئيس جديد للبلد... و ستنتهي فترة حكم الرئيس المنصرف التي يختلف الناس في تقييمها الى درجة التضاد  كعادتهم في الإختلاف على كل شيء...بعضهم يراها فترة نعيم مقيم نفذت فيها المشاريع العملاقة و أصبح البلد فيها مثالا و نموذجا يحتذى به بين العالمين... بينما البعض الآخر يراها جحيما لا يطاق تم القضاء فيها على البقية المتبقية من أسس و معالم الدلة الجامعة و تم فيها تشتيت المجتمع قبائل و أعراقا و نهبت فيها موارد البلد بلا أثر و  فيها شاعت ثقافة "الكومسة" و أخيرا تم فيها وضع الثروة في أيد تعد على رؤوس الأصابع بينما الغالبية من الشعب تقبع في فقر مدقع....

و الذي يبدو لي -بحكم قانون النسبية الذي يفعل فعله في الحياة و الأحياء- هو أن الفترة المذكورة لم تكن نعيما مقيما بالدرجة التي لم تكن فيها جحيما لا يطاق... مع تفهمي لوصفها بالنعيم المقيم من طرف الذين استحوذوا على الفرص المدرة للثراء خلال الفترة تماما كتفهمي لوصفها بالجحيم من طرف الذين حرموا من ذلك و عاشوا الفقر و البطالة و الضياع بينما يرون بعضا من مواطنيهم يستحوذون على الفرص و المناصب بلا حساب...

بعض أصدقائي يراهن على أن شيئا لن يتغير مع الرئيس الجديد بحكم العلاقة و الشراكة التي جمعت الرئيس القادم و المنصرف خلال الفترة الماضية...

و الذي أزعمه-و أرجو أن لا يخيب لي و لا لكم رجاء- هو أن الكثير سيتغير بإذن الله و اعتمادي في ذلك الزعم على تعهدات الرئيس المكتوبة و المنشورة بين أيدنا... فقد وضع الرجل بين أيدينا رؤية طموحة لما يريد أن يفعله خلال السنوات الخمس المقبلة...هذه الرؤية مليئة بالأهداف المحددة و بالأرقام التي يمكن لأي مواطن أن يتأكد من تحققها دون اللجوء الى عصابات السياسيين التي عودته على تحريف "الأرقام" عن مواضعها تطبيلا و تلمسا لرضى الحاكم بما ترى أنه يعجبه من ذكر لإنجازات وهمية و مشاريع -بزعمهم- لا تمكن رؤيتها بالعين المجردة...

أعتقد أن الطاقة التي نبذلها في إقناع الناس أن شيئا لن يتغير في هذا البلد مع الرئيس الجديد ستكون مفيدة إذا ما أنفقت في دعم الرجل و تشجيعه على أن يكون مختلفا و على أن يلتزم بتعهداته التي بها نال ثقة شعبه... و على كل حال لن نخسر الكثير إذا ما أحسنا الظن و تفاءلنا خيرا.... فالأيام المقبلة عندها الخبر اليقين ... و من تفاءل خيرا وجده.

هل معنى هذا أننا في صباح اليوم التالي لتنصيب الرئيس سنستيقظ على حال جديد غير الذي تعودنا عليه؟... ربما يعتقد ذلك بعض الحالمين ممن هم خارج حلبة الفعل و ميدان التدافع...الأمر سيحتاج جهدا و وقتا و لكن سيكون كافيا في ذلك اليوم و الأيام المائة التي بعده أن نرى خطوات صادقة للتوجه بالبلد الوجهة الصحيحة... علينا إذن أن نتوقع خيرا و الأهم هو أن تتكاتف جهودنا جميعا في سبيل أن نتحرك خطوة و لو صغيرة الى الأمام... لقد تعبنا من حالة مراوحة المكان نفسه.

يستطيع الوطنيون الثقاة من نشطاء المجتمع المدني أخذ المبادرة في هذا المجال من خلال رقابة حقيقية و نزيهة لتلك التعهدات و تقديم حالة تقدم لها للرأي العام و للرئيس نفسة... بذلك يقدمون تقييما محايدا للرئيس و يقطعون الطريق على جيوش المتملقين المدربة و به أيضا ينورون مجتمعهم حول أداء رئيسه.

 و يمكن للفريق الذي سيعمل مع الرئيس مساعدته أيضا من خلال خلق هيئة تعنى بالتعهدات ... تعمل على صياغتها في مشاريع تشغيلية قابلة للمتابعة والقياس والتقييم ثم تقترح توزيها على السنوات الخمس حسب درجة الأهمية و الإستعجال و بعد ذلك توزيعها على القطاعات المعنية بتنفيذها و أخيرا مباشرة المتابعة و التقييم...

أعتقد أن الرئيس المنصّب سيكون ناجحا في تنفيذ تعهداته من خلال محددات ثلاثة:

أولها إرساء تعليم جمهوري يقدم للمواطن تنشئة عالية الجودة دون تمييز بين غني أو فقير و لا بين  أبيض و أسود... و هذا ما تعهد به الرئيس  ... و لتنفيذه سنحتاج - بعد خلق البديل -الى القضاء على المدارس غير الرسمية و تلك الأجنبية التي انتشرت في في السنوات الأخيرة لتبقى مدرسة واحدة تدرس برنامجا موحّدا و موحّدا (بفتح الحاء في الأولى و كسرها في الثانية).

و ثانيها هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب... الرجل الذي يمتك المعرفة و التجربة التي تضمن إنجاز المهمة على أكمل وجه... و هذا أيضا تعهد مثبّت في رزمة تعهداته.

أما ثالثها فهو بناء مؤسسات تؤدي دورها باستقلالية تامة...لا شأن لها برئيس منصرف و لا برئيس سينصب... و هو ما تمت الإشارة إليه في تعهدات الرئيس عندما قال إنه سيعتمد في نهضة كل قطاع على العاملين فيه و ستمنح لهم كل الصلاحيات و الوسائل لذلك.

"مشاكل الدول لا تنتهي و لكن حلها كلها يبدأ بالتعليم" ... فبدون تعليم موحّد وجيد للجميع لن نحصل على مواطن صالح نافع يلعب دور "الرجل المناسب" ... و بدون الرجل المناسب "القوي الأمين"  لن ننجح في بناء مؤسسات خادمة... و بدون مؤسسات حقيقة لن تكون لنا دولة جامعة و خادمة...

إذا ما نجح الرئيس المنصب في تحقيق تلك الثلاثة خلال مأموريته فستتكفل هي بالبقية... سيستقيم حال الناس و حال البلد بإذن الله... و خير الكلام ما قلّ و دلّ.

 

 

25. يوليو 2019 - 17:55

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة