سفارة الأرز في إفريقيا الغربية (9) / محمدٌ ولد إشدو

بكائية في تأبين فارسي المهجر سعيد فخري وأحمد مخدر

الفصل الثالث: من شاهد على القهر إلى شاهد على النصر!

... وثارت موريتانيـــا!

وثارت موريتانيا، وهبت من كبوتها شامخة الرأس بعد تيه دام ثلاثين سنة! وكان ذلك نصرا جديدا آخر، تلا نصر لبنان، كنت شاهدا عليه، وكنت فاعلا فيه أيضا! نصرٌ كم حلمت به في دياجير العسف، وحَدَوْتُه، واستشرفته، وآمنت بحتميته مهما طال ليل البغي والطغيان والإذلال!

أولم أقل من قصيدة لي بعنوان "إلى طاغية":

فاغرب إلى الخزي عن أوطاننا فهنا ** لا يســــتقيم به منغستو مرياما  

تاريخنــا - أيهـا المعتوه- شـــاهـــدة ** آيــــاته أننــا لا نخضــع الهاما

إنا كبونا، وتكبو الخيل عن كـــــرم ** يوما.. وتنهض للثارات أعواما.

ومن أخرى مثلها عنوانها "تِلِمْسِ":

يا بلادي آمنت فيك بزحف ** سوف يهوي على الجذوع بفأس.

        وبدأ هذا الزحف بعد أن بلغ السيل الزبى، فجر الثالث أغسطس 2005 المجيد، فدكت متلازمة الشعب والجيش حصون وقلاع الهيمنة الاستعمارية الصهيونية وأعوانها، وانكسر القيد في أضعف حلقاته (موريتانيا) وانتصرت إرادة الشعب، رغم محاولات المبطلين والانتهازيين التشكيك في ذلك النصر (مثلما يشككون اليوم في التحولات الهائلة التي عرفتها البلاد في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز،  وفي عرس التداول السلمي الديمقراطي للسلطة الذي عشناه في موريتانيا على مرأى ومسمع من العالم منذ أيام، وفي كفاءة وقدرات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على قيادة وبناء موريتانيا حرة ومزدهرة) واعتبارهم إياه مجرد حلقة عبثية في سلسلة انقلاباتنا العسكرية المأثورة!

        أما أنا، فقد كتبت إلى فجر ذلك اليوم الأغر رسالة مفتوحة هذا نصها:

        سلام عليك يا أجمل صباح باكر عيوننا البائسة، بعد عقود عشش فيها الذل والهوان والإحباط في نفوسنا، ونخر قلوبنا وعقولنا سوس البغي والفساد والجهل والفقر والمرض.

        جئت متأخرا جدا.. ولكنك، أتيت!

        ثلاثون سنة ضاعت من عمرنا، هلك فيها الحرث والنسل!

        ليتك كنت أتيت قبل انهيار الدولة، وخراب الاقتصاد والتعليم والصحة، وفساد القضاء والإدارة والمجتمع!

        قيل في حياة عرب العولمة: ... وحده الموت يصنع  التاريخ ويحدث "التغيير" ويخلق "التناوب" ... وفي غيابه يغيب الأمل! وها هو، بحضوره في غياب الملك فهد، يحمل أملين: تتويج عبد الله ملكا في السعودية.. فلعل وعسى! ورحيل معاوية، دون إراقة دم، عن شعب جثم عاتيا على صدره واحدا وعشرين عاما!

         جئت متأخرا جدا.. ولكن كيف أتيت؟

        "انقلاب عسكري" و"مجلس عسكري"؟!

        ما أبغضها كلمات عند الله! وأبعدها عن "الديمقراطية" و"الشرعية الدستورية" التي يتباكون عليها اليوم.. كأننا نعيش في كوكب آخر! وكأن الموريتانيين عرفوا في حياتهم الدنيا طعم ثمرة لم تجد بذرتها طريقها قط إلى تربتهم الطيبة المعطاء! من لم يصْلَ جحيم الهوان الذي هبطنا إلى دركه الأسفل، ليس له الحق في الكلام.

        فجر الثالث من أغسطس الوضاء البهي؛

        أمن العدل، أو العقل، أن لا نبالي بمقدمك الميمون؟ أو أن نعرض عنك، بردا وسلاما عصف بالطاغوت وشرع بابا - أوصد عقودا- عجزت كل القوى والوسائل والأساليب السلمية وغير السلمية عن فتحه، وقد قطع الطغيان السبل واستنفد الأسباب وجيَّش آفات الداخل والخارج كي يستمر حكمه، وينفذ أمره!

        أيها الفجر الجديد:

        من تعاليم الحياة أن الانقلابات شتى؛ منها انقلاب موبوتو في الكونغو، وبوكاسا في وسط إفريقيا، وولد محمد السالك ومعاوية في موريتانيا.. ومنها انقلاب عبد الناصر في مصر، وكايتانو في البرتغال، وسوار الذهب في السودان، وتوماني توري في مالي.. الصنف الأول كان نقمة ووبالا على الشعوب ودمارا وخرابا لما بنته البلدان، والنوع الثاني حقق بعضه التحرر من الدكتاتورية، وجلاء القواعد الأجنبية، وآلَ البعض إلى إرساء الديمقراطية والتناوب السلمي وعودة الجيش إلى ثكناته!

        فكن أنت:

        - بشير خروجنا من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الإسلام؛ حلفا وجيوشا وقوانين، وأمل انعتاق الشيوخ والأئمة والعلماء والضباط الأحرار من محنتهم.

- جهادا ضد الفساد المستشري والنفاق السائد.. والمنافقين الأراذل.

- انتصارا للديمقراطية الصحيحة وعودة الجيش إلى ثكناته.         

        أنت عيدي إن كان هذا وإلا ** لست عيدي، ولست عيد لداتي.

        وإني لأستطيع أن أقولها اليوم بملء فمي: "نعم"! لقد كان كما تمنيته، وتحقق ذلك كله، وصار ذلك اليوم الأغر عيدي، وعيد كل أحرار موريتانيا، وعيد شعب موريتانيا الأبي، مهما كابر المرجفون الرجعيون!

        ... وبدأت موريتانيا يومئذ تتلمس طريقها إلى الحرية والمجد عبر الحوارات والمنتديات الوطنية التي جمعت مختلف مكونات وأطياف مجتمعها، وعبر حركة التصحيح في 6 أغسطس التي وضعت حدا نهائيا للنكوص، فوضعت خارطة للانتقال إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحكامة الرشيدة، وحاربت الفساد، ونهضت بالاقتصاد الوطني، وحمت الحوزة الترابية التي كانت سدى، وأصلحت وضبطت الحالة المدنية، وهزمت الإرهاب، وأرست المؤسسات، وصانت هيبة الدولة، وطردت إسرائيل صاغرة، وخلقت لنفسها حضورا فعالا ومكانة مرموقة بين الأمم!

وفي هذا العهد المشرق تجددت وتوطدت صِلاتنا بسفارة الأرز! وبدأت تولد أمة عربية جديدة رغم آلام المخاض، وعسر الولادة!

يتبع

 

26. أغسطس 2019 - 9:08

كتاب موريتانيا

ذات صلة