كشكول الحياة (5).. روح القطيع! / محمد ولد إمام

هناك نظرية في الإعلام مفادها أن الناس يحبون دائما أن يكونوا موافقين للآخرين، في آرائهم وتصرفاتهم، لكي يكونوا مقبولين اجتماعيا، وهي حاجة يقول أصحاب علم النفس إنها متجذرة في البشر، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ويحب أن يكون مقبولا في مجموعته، ولكن هذه الحاجة البدائية قد تدفعنا من حيث لا ندري إلى أن نكون تابعين للقطيع، فتختفي شخصياتنا وآراؤنا الخاصة، ونصبح نسخا مكررة، وقد قام أحد العلماء بتجربة بسيطة، حيث رسم ثلاثةَ خطوط متفاوتةِ الطول، وطلب من مجموعة متطوعين أن يختاروا الخط الأطول، وأخبرهم أنه سيضع نقطة أمام كل خط اختاره شخص ما، من مجموعة ثانية من المتطوعين، وأعطاهم الورق فيه نقاط كثيرة أمام خط معين، وليس هو الأطول.. ولكن المتطوعين كلما رأوا أن أغلب الناس اختاروا هذا الخط اعتقدوا بدورهم أنه هو الأطول ومضوا معهم واختاروه أيضا.

وقضية موافقة الأكثرية هذه تلعب عليها وسائل الإعلام وخصوصا وسائل التواصل الحديثة لأنها توهمنا أن الأغلبية مع هذا الرأي مثلا، وحتى في السياسة، تعطي بعض الجهات على هذه الوسائل في جميع استقصاءاتها بإعطاء نسبة أعلى لمرشح معين، عبر ما يعرف بجيوش "الذباب الإلكتروني" لإيهام الناس أن هذه هي الأغلبية وبالتالي التأثير عليهم.. 

والمتأمل لهذه الوسائل يرى كيف تؤثر بهذه التقنيات على الناس على مستوى اللاوعي، Subconscience .

ومن النظريات المعروفة في الإعلام أيضا والمطبقة بكثرة للتأثير على المتلقين، هي نظرية "confirmation bias" أو الانحياز التأكيدي، ويعني أن الإنسان يميل إلى تصديق واستقبال ما يتناسب مع معتقداته وآرائه وخبراته السابقة ويعضدها، فنرى المحافظين يتابعون القنوات المحافظة والجرائد والمواقع المحافظة وكذلك الليبراليون والتقدميون كل يتابع في الأغلب الأعم ما يناسب معتقداته السابقة ويعضدها، فإذا أردنا أن نؤثر عليه راعينا ما يعتقده حتى لا يكون هناك تعارض بين رسالتنا وبين معتقداته.

وهذا التعارض يسمى cognitive dissonance أو التنافر المعرفي.

وفي إطار تأثير الرسائل الإعلامية علينا أيضا عبر وسائل التواصل يقومون بزيادة غير حقيقية في عدد متابعي شخصية معينة، فيظن المتلقي أنها لا شك تستحق الاستماع لها لأن كل هؤلاء الناس يتابعونها، ويتفاعلون معها، ومن هنا جاءت مسألة شراء الروبوتات الرقمية لزيادة المتابعين والمتفاعلين، وحديثا قامت هذه المواقع بمحاولة للتصدي لهذه الممارسات عبر إخفاء عدد المتابعين أو عدد من شاهدوا مقطعا معينا على يوتيوب مثلا حتى لا تستخدمه شركات الدعاية في التأثير على الناس.

 

22. سبتمبر 2019 - 13:27

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة