كشكول الحياة (9).. بين الكُتُب (جـ) / محمد ولد إمام

النّجيب (ب):

رواية الشحاذ:

بحثٌ عن السلام الداخلي! هل هو في العائلة، في الأصدقاء، في الوظيفة، في الثروة! لماذا يميل الناس إلى البحث عن الأشياء التي ليست لديهم، بينما لديهم كل شيء آخر تقريبًا!

عندما يكون لدى شخص ما عائلة، أو أصدقاء مقربين، أو وظيفة جيدة، أو ثروات، لكنه ما يزال غير سعيد، ما يزال يتعذر عليه أن يجد قيمة خاصة به، وهدفا في الحياة، ولذلك يعيش في بؤس، تخيل أن رجلاً ناجحًا يقرر فجأة أن يدمر حياته ببطء، ويفككها، ربما بسبب شهوة أو حسد.

وجد السيد عمر نفسه في أرض قاحلة مهجورة مليئة بالألوان، أصبحت الآن قاتمة، بلا حياة، وذلك بفعل قلقه الوجودي. بفعل السؤال الذي غزا منذ فترة طويلة العديد من النفوس على مر السنين، وأرسلهم إلى طريق القلق الوجودي المزمن، والاكتئاب المزمن. السؤال الذي لا مثيل له؛ في الواقع، إنه سؤال كل الأسئلة. وهو هل هناك معنى للحياة؟ سؤال مدمر يصيب هذا الشاعر السابق، ليجعله يغادر مكتبَ المحاماة، وابنتيه، وأقربَ أصدقائه، والحياةَ في نهاية المطاف، للذهاب إلى الله. في انتظار اللحظة الذهبية لرؤية الحقيقة تظهر من الفراغ.

السيد عمر يسعى لإيجاد علاج للقلق الوجودي، وفشل فشلاً ذريعًا في العثور على الأشخاص الذين يعتز بهم أكثر من غيرهم وإذا بهم يجدون أنفسهم في بؤس سخيف جدا وغير ذي صلة بكل ما تدور حوله الحياة حقا.

الرواية من الروايات الفلسفية التأملية حسب رأيي وسأورد اقتباسات بقيت معي منها:

 ألا تخاف الوحشة في الخلاء؟   -أرهقتني الوحشة في الزحام.

الدواء الحقيقي بيدك أنت وحدك. لعل سر شقائي أنني أبحث عن معادلة بلا تأهيل علمي.

ولأنه لا يوجد وحي في عصرنا فلم يبق لأمثالك إلا التسول، التسول! في الليل والنهار... في القراءة المجدبة والشعر العقيم.. في الصلوات الوثنية في باحات الملاهي الليلية. في تحريك القلب الأصم بأشواك المغامرات الجهنمية.

 

قلب الليل:

الرواية هي مثل سابقتها عمل فلسفي رائع عن حياة الإنسان، من الصِغر حتى الكِبر، مراحل حياة جعفر الراوي، تبدأ من النشأة الدينية صغيرًا، ثم مرحلة الجنون والسعي وراء القلب والشهوة، ثم مرحلة النضج والإيمان الكامل بالعقل، ثم مرحلة الحقيقة أو كما دعاها المأساة.

يتخبط جعفر في هذه المراحل سعيًا وراء المجهول..

أفضلها من حيث الفكر مرحلة ما بعد الزواج والنضج، وفي هذه المرحلة آمن جعفر بأن العقل فقط هو المتحكم في الإنسان وألّا مجال للقلب للتحكم به، هذه الفترة التي يسعى فيها لفهم الإله، حيث لا يهديه عقله ولكنه بعد الكثير من البحث والتفكير وحين يسأل عمّا توصل له بعد عمر طويل، يتنهد ويقول: "إني عاجز عن الكفر بالله".

وحينما أراد أن يعرف أكثر عن السياسة وعن كل هذه المذاهب، لم ينل أيٌ منها إعجابَه، لكنه توصل لمذهب مختلف، مذهبٍ كتبه متحديًا اليسارَ واليمين معًا.. لكن المأساة تحدث عندها، أو هي الحقيقة، في أن المشاعر هي المسيطرة بشكل كبير على الإنسان، حتى لو وصل لأقصى درجة من النضج فلن يستطيع الاعتماد على عقله فقط، العقل وحده ليس بقادر على إدراك الإله، العقل وحده يجعل الإنسان باردًا.. الحقيقة في أن الإنسان لن يصل للكمال مهما كان عقله فذًا.

وسأورد منها اقتباسات مثل: حقاً كانت توجد لحظات خائنة حتى في أيام السعادة الخالصة... ولكن ما هي اللحظات الخائنة؟ هي اللحظة التي تنفصل فيها عن تيار حياتك فتقف على ربوة فوق الشاطئ لتراقبه بدهشة. في تلك اللحظة كنت أشعر بأن ثمة شخصاً قد ضحك علي، قد جرعني مقلباً.. وأسألُ نفسي عما حدث.

نحن نتكلم عن القلب كنبع للإيمان، ولكن تذكر أن الله لم يعبده إلا الإنسان العاقل، فالواقع هو أساس الإيمان، ولكن عجزه النسبي عن إدراكه - مع حرصه عليه - جعله يرجع الإيمان به إلى عضو آخر هروبا من التناقض.

ماذا حدث يا جعفر؟ - فالتفت نحوي قائلا: -إني أتساءل أيضا عما حدث!

 

15. أكتوبر 2019 - 20:11

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة