رصاصات الغدر... والحقيقة المفقودة؟ / أحمد سالم ولد يب خوي

altيقف الرأي العام الوطني حائرا إزاء عملية إطلاق النار على الرئيس، لكن المحير أكثر، من عملية إطلاق النار، على رئيس، أو زعيم سياسي، أو قائد عسكري، أو مفكر.. ليس عملية إطلاق النار ذاتها بقدر ما يندهش المتتبع لمثل هذه الحوادث من عمليات التعتيم التي تصاحب إطلاق النار،

 فكثيرا ما قضى رؤساء ،وزعماء، وسياسيون، وحقوقيون، في عمليات غدر والمعروف أن هذه العمليات تكون عادة مدبرة ومتعمدة ومخططة، قد يكون ذلك التخطيط، محكما، وقد لا يكون، وقد يكون الدافع وراء عملية الاستهداف، للشخص المستهدف، دافعا، فكريا، أو سياسيا، أو اقتصاديا، وقد يكون المنفذ لعملية الاغتيال، نظاما، أو جماعة، أو فردا، لكن عملية إطلاق النار التي تعرض لها الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز إذا ما صدقنا الرواية الرسمية التي ظهرت حتى الآن تبدو فريدة من نوعها حسب علمي.

أن تطلق النار على رئيس دولة من قبل وحدة تفتيش في إحدى البوابات التي تؤدي إلى عاصمة بلاده السياسية ويقدم ذلك على أنه حدث عن طريق الخطأ فذك أمر جلل، ومما يزيد من استحالة هذه الرواية وعدم صحتها أن تكون الوحدة التي نفذت العملية وحدة عسكرية غير مكلفة بالمتابعة والتفتيش بقدر ما ينحصر دورها في حماية الحدود من الأعداء المحتملين والآتين في أغلب الأحيان من الخارج، حتى ورغم تأكيد الرئيس للرواية لا يمكن أن نقتنع بها بل يمكننا القول، أنهم أقنعوه بما قالوا فقبل تحت هول الصدمة، وهو الشاهد الوحيد ربما على ما فعل به، ولو افترضنا جدلا أن النار أطلقت على الرئيس من قبل وحدة عسكرية عن طريق الخطأ فهل من الحكمة إذاعة ذلك، لأنه يشكل ضربة في الصميم ويضع نقاط استفهام حول طبيعة تصرف قواتنا العسكرية مع المشتبه بهم، والمشتبه فيه لا تطلق عليه النار مباشرة بل ينبغي تعطيله قبل قتله، وإذا ما رفضنا هذه الفرضية، تبقى فرضيات أخرى ومعطيات يمكن التوقف عندها لعلها تستجلي بعضا من الحقيقة المفقودة.

أولا: ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا أن الرئيس ألغى بعض الزيارات التي كان من المقرر أن يقوم بها في بداية هذا الأسبوع إلى كل من كنشاسا وابروكسل وباريس، فعندما يلغي الرئيس زيارة لفرنسا ويصاحب ذلك حسب وسائل الإعلام الوطنية تحرك غير طبيعي تقوم به بعض الوحدات الأمنية والعسكرية ثم يتعرض الرئيس لإطلاق نار بعد أربع وعشرون ساعة من وقت إلغاء الزيارة ويحمل إلى فرنسا على سرير طبي فذلك أمر يستدعي التوقف عنده بالفحص والتمحيص.

ثانيا: أن يتعرض الرئيس لإطلاق النار في نهاية عطلة الأسبوع وقرب المكان الذي خصصه للراحة والاستجمام إن لم نقل داخله فتلك عملية محكمة ومدبرة حسب أغلب المعطيات عندما تعلم أن عملية إطلاق النار حدثت تقريبا الثامنة مساء يعني ذلك أنها حدثت في وقت تكثر فيه حركة السيارات ولم تحدث في وقت متأخر هذا في حالما إذا كان الرئيس استهدف وهو يستغل سيارة شخصية، فلما ذا سيارة الرئيس بالتحديد، أمر غريب!!!

ثالثا: إذا كان الرئيس استهدف في سيارته الشخصية من الذي يعرف أن هذه سيارة الرئيس وليست سواها هنا يمكن القول أن سيارة الرئيس لا يعرفها في أغلب الأحوال إلا دائرة ضيقة وضيقة جدا...

رابعا:إذا ما ثبت أن الرئيس وصل إل المستشفى دون مرافقة عسكرية فذلك أمر يؤكد أن الرجل فقد الثقة ولو للحظات في من يحيطون به وخشي إبلاغهم عن نبإ نجاته من حادث إطلاق النار ففضل أن ينقل إلى المستشفى من قبل شخص مدني يثق فيه ليضع الجميع أمام الأمر الواقع أنه أصيب لكنه على قيد الحياة ويعول على سرعة انتشار المعلومة التي ستكون في صالحه ولن تكون لصالح غيره.

خامسا: إذا ما استثنينا التدبير الداخلي للعملية سواء كان ذلك التدبير من قبل جهات سياسية ساندتها جهات عسكرية قريبة من الرئيس، أومن قبل جهات عسكرية متذمرة، أو كان من جهات سيطرت على موارد الدولة وأقصاها الرئيس مما اعتبرته في يوم من الأيام ملكا لها ولأبنائها من بعدها، أو كان المنفذ فردا له مبرراته الخاصة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو إديولوجية أو حتى نفسية، تبقى فرضية واحدة تتمثل في عملية قامت بها جهات خارجية.

سادسا: يقف الكثير من المراقبين والمحللين عند محاولة تشخيص فرضية العمل الخارجي عند تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لكن الجميع يجمع على أن هذا التنظيم لا يمكن التستر على عملياته وكثيرا ما يضع بصمة خاصة على العمليات التي يقوم بها، فاستهدافه لمن يعتبرهم أعداء له يتم بتفجير سيارة مفخخة أو بقذيفة آربيجي ونادرا ما يستعمل الأسلحة الخفيفة في عملياته الكبيرة خاصة في استهداف القادة الذين يرى فيهم خصوما له، لكن الغائب دائما في التحليلات هو فرضية عمليات استخباراتية دولية تقوم بها بعض الدول ضد الرؤساء الذين تعتبرهم يشكلون خطرا على سياساتها التقليدية في المنطقة وهذه هي الأخرى كثيرا ما يجند فيها من هم في حاشية الرئيس والأقربون.

سابعا: وهذه فرضية، قد لا تخطر على البال لكنها منطقية إلى أبعد الحدود وهي أن يكون الرئيس أصيب عن طرق الخطأ لكن بسلاحه الشخصي وكثيرا ما تحدث هكذا أخطاء فسلاح الرجل قد يقتله ويكون ذلك خطأ بالفعل وإذا صحت هذه الفرضية يمكن القول أن الحكماء فكروا وقدروا ونظروا وقرروا أن تكون النيران صديقة وهي بالفعل كذلك لكنهم ألصق التهمة بوحدة عسكرية حينها سأقول أن تفكيرهم وتنظيرهم وتقديرهم وما قرره خاطئ فالأفضل أن تقال الحقيقة ولا تلطخ سمعة الجيش الموريتاني.

وإلى أن تتضح الصورة فمن نافلة القول أن استهداف الرئيس محمد ولد عبد العزيز أمر خطير يستدعي من الجميع معارضة وموالاة إدانته واستنكاره، لكن الأمر الأخطر من وجهة نظري ذلك الهوس والجنون الذي يسكن في نفوس الكثيرين والذي ترجمه على أرض الواقع عشرات الأشخاص الذين قتلوا أنفسهم حرقا أو شنقا... لا لشيء سوى أنهم شاهدوا أو سمعوا أن البوعزيزي أحرق نفسه فقاموا بتقليده عن طيبة نفس في بلاد أجمع جل أهلها على التقليد الأعماء فالاستقصاء والتأمل غائبين في بلاد صارت تقلد في الملبس، والمأكل، والمشرب، والنطق، والهيئة... بلاد صار أهلها يتفرجون على عالم موبوء ومسموم ويقلدون ما يتفرجون عليه.

15. أكتوبر 2012 - 12:40

كتاب موريتانيا

ذات صلة