عودة الرئيس/ المهدي ولد لمرابط

altيروي ابن الزيات في كتاب "التشوف" قصة ولي من سلا اسمه أبو العباس أحمد، "كان ذا مال فتصدق بجميعه وعزفت نفسه عن الدنيا وأهلهـا وأقبـل على الله تعـالى". إلا أن ما يلفت الانتباه أن أبا العباس أحمد لم يكتف بقطع صلاته بالناس  بل تخلى أيضا عن "ابنة صغيرة اسمهـا مريم"… طلب من صديق له أن يكفلها ثم غادر سلا وغاب نحوا من ثمانية عشر عاما.

لكن ابو العباس احمد لم ينس ابنته تماما وأن ذكراها ألحت عليه يوما فلم يستطع الصبر وعاد إلى مسقط رأسه. وكان يتوقع منها ان تفرح بمقدمه وترحب به،  إلا أن الذي حـدث أن مريم "أبت أن تجيء إليه". ثم إنه غاب ثانية وعند عودته وجدها قد تزوجت "فسلم عليها" فلم ترد عليه السلام. بعد ذلك غاب ثالثة ثم عاد إليها وقد رأى في المنام أن أجله قـد دنا وأنه لاحق بربه، فأعد قبرا، ثم "جاء إليها وقال لـها : أردت أن أبيـت عندك في بيت خـال وأن لا تأتيني إلا وقت طلوع الفجر. فدخل البيت. فلما طلع الفجر دخلت عليه ابنته فوجدته ميتا مستقبل القبلة. فحملته ودفنته في القبر الذي حفر لنفسه".

لقد تذكرت هذه القصة وأنا استحضر الفراغ الذي تعيشه موريتانيا منذ محاولة اغتيال رئيسها، وردود الأفعال المتباينة حول عودته، فمن موالاة تضم مجموعة من فلول المفسدين ومنهم من دون ذلك، ومعارضة عاجزة حائرة في شأنها. المهم ان الطرفين علي وجه نقيض من عودة الرئيس، إلا ان الحقيقة تنبؤنا باستحالة عودته، بالرغم من حب الموالاة وكره المعارضة.

لا شك ان الرئيس في منفاه الإجباري عاش أصعب لحظاته، التي لم تكن بسبب إصابته، وإنما نتيجة تخلي "طبالوه" بالأمس عنه، بعد سماعهم بحصول انقلاب عسكري مساء لسبت الفارط، ولم يستطع أي من المدافعين ولا فدائيي عزيز التفوه ببنت شفة عن رفض هذا التغيير الذي جرموه في قوانينهم مع العلم انه لم يكن مشرعا قبل ذلك.

صحيح انه بعد انكشاف الغيمة علي ما يعتقد "المطبلون"، خرجت أصوات مبحوحة من هنا وهناك، إلا أنها لم تكن موفقة، لأنها حاولت الدفاع عن أمر لا يعنيها، وتفسير أشياء لا تدركها، انه فقه النفاق.

لاشك ان الرئيس الموريتاني في الترتيبات الجديدة التي تفرضها سنة الحياة، يجد نفسه خارج دائرة الصراع السياسي الموريتاني الجديد، حتى يتمكن من قضاء بقية أيام حياته الي جانب أسرته الكريمة التي كادت رصاصة ان تخطفه منها. ولا شك –ايضا- انه أدرك ان "المطبلين" يستطيعون التأقلم مع أي طارئ جديد، ولملا، فهم نفس الأشخاص الذين استماتوا في الدفاع عن الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، وهم أول من خرج ضده بعد تأكدهم من زوال حكمه، إنهم بحق تجار بشر لا ضمير لهم، يحتقرون أنفسهم قبل ان يحتقروا الشعب الموريتاني الذي مازال خارجا عن نفسه.

ان كل المؤشرات والشواهد تدل علي ان عودة الرئيس بعيدة، حيث ان المعلومات الواردة من عاصمة الأنوار باريس تؤكد علي عجزه عن ممارسة مهامه حتى ولو لم يكن ذلك حركيا فمعنويا علي الأقل.

ان الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي أرجو الله الشفاء له ودوام العافية، قد حصلت لديه قناعة علي ان غالبية الشعب الموريتاني مرتاحة لرحيله –مع عمر مديد له- وخاصة الفقراء الذين قضا علي أحلامهم بتوفير رغيف العيش، وأثقل كاهلهم بارتفاعات صاروخية لأسعار المواد الاستهلاكية، إضافة الي نهب ثرواتهم من قبل ثلة مقربة منه. ان العودة المرتقبة للرئيس التي يروج لها الطامحون الي مزيد من الدمار للإنسان والاقتصاد الموريتانيين لن يجني البلد من ورائها إلا خرابا. ولذا يجب علي القوي الحية المخلصة العمل علي منع ذلك من خلال ممارستها لحقوقها الشرعية، بعيدا عن امتصاص المولاة وإفراغ المعارضة لطاقتها في حروب خسرتها قبل ان تبدأ. فعلي الرئيس ان يدرك ان موريتانيا ليست بحاجة الي إعادة اجترار تجربة أربعة سنوات من حكمه، والتي قضت علي الأخضر واليابس، فرحم الله من زار وخفف، وان يأخذ العبرة من قصة صاحبانا أبو العباس احمد وابنته. [email protected]  

31. أكتوبر 2012 - 14:13

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة