صعود الفولان إلي السلطة بغرب إفريقيا..التفسير و الخلفيات / سيدي ولد عبد المالك

يشكل نجاح عمر المختار سيسوكو امبالو ، الذي ينتمي لقومية الفلان، في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية بغينيا بيساو خطوة جديدة في مسار الصعود السياسي للمنتمين لقومية الفولان إلي السلطة بغرب إفريقيا. فامبالو يعتبر الآن رابع  رئيس في غرب إفريقيا يصل السلطة عن طريق صناديق الاقتراع من الفولان بعد الرئيس الغامبي آداما بارو و الرئيس السنغالي ماكي صال و رئيس نيجيريا محمد بخاري.

و يلحظ المتابع لتطورات الحالة السياسية في منطقة غرب إفريقيا صعودا متزايدا للنخب السياسية لقومية الفولان في المشهد السياسي على مدار السنوات الأخيرة، و تقف وراء هذا الصعود الذي أوصل بعض القادة السياسيين للفولان إلي سدة الحكم، و هيأ بعضهم لتصدر المشهد السياسي في صفوف المعارضة في غينيا كوناكري و بركينا فاسو و مالى عدة عوامل بنيوية  و متغيرات اجتماعية و سياسية من أهمها:

التحرر من عقدة تصدر الفولان

ساهمت التجاذبات و الإستقطابات القومية بالعديد من الدول الإفريقية في الآونة الأخيرة من التحرر التدريجي من عقدة تصدر قومية الفولان في المشهد السياسي و هرم السلطة، فقد دفع الفولان ضريبة خلافاتهم الثقافية مع المستعمر الفرنسي مما جعلهم في مؤخرة القوي التي يري الاستعمار الفرنسي فيها قابلية حراسة مصالحه و ثقافته في المنطقة، و قد تم توريث هذه العقدة للقوميات الأفريقية الأخرى القريبة ثقافيا من المستعمر مما جعلها تنظر إلي الفولان كخطر على الدول الناشئة بفعل ميولهم القومية الطاعية و طموحهم الساعي لإرساء مشروع دولة الفولان الكبيرة. إلا أن خلاف القوميات الرئيسية في بعض الدول التي ينتمي لها الفولان على السلطة في السنوات الأخيرة بعد عقود من الحكم و تنامي عقد و حساسيات بعض هذه القوميان من بعضها بخصوص قضايا السلطة و الحكم، فتح الباب أمام طموح النخب السياسية الفولانية كخيار يخفف من الاستقطاب العرقي بين قوميات الصدارة في النسيج الاجتماعي.

ففي غينيا بيساو مثلا، أصبحت شدة الاستقطاب السياسي بين قوميتي "بيبل" و "بالانتي" مناسبة لتصدر شخصية سياسية تنتمي لفصيل قومي آخر لم يُجرب في الحكم، و هو ما أّهل الفولاني عمر سيسيكو امبالو للفوز،مع أن الفولان يمثلون مكونة ديمغرافية مهمة في البلد تري أن الوقت قد حان لتأخذ مكانتها السياسية في السلطة و السياسية، هذا بالإضافة إلي تنامي زيادة أعداد المسلمين في غينيا بيساو بشكل كبير على مدار الأعوام الأخير.

و تشبه الطريقة التي وصل بها الرئيس الغامبي آداما بارو الي السلطة، الذي ينتمي إلي الفولان نفس السيناريو، فقد اشتد الصراع في البلاد في العقدين الأخيرين بين قوميتي "الماندينغ" و "اديولا"، فنجحت المعارضة بذكاء بترشيح "بارو" حتي لا يتحول السجال السياسي إلي سجال قومي، مع   "بارو" كان محسوبا سياسيا على قومية "الماندينغ".

الرافعات السياسية و المالية:

استفاد العديد من القادة السياسيين الفولان من رافعة العصبية، فالرئيس السنغالي ماكي صال كان له دور رئيسي في تثبيت حكم الرئيس آداما بارو، بعد رفض الرئيس السابق الديكتاتور يحي جامي تسليم السلطة لبارو في البداية، حيث لعبت السنغال أدوارا دبلوماسية و عسكرية و أمنية لإجبار جامي على تسليم السلطة، و يُنظر اليوم إلي علاقات "بارو" بالرئيس ماكي صال كعلاقات تابعة، خلافا للحال الذي كان عليه الوضع في عهد الديكتاتور جامي.

و كان الرئيس صال من كبار داعمي الرئيس الجديد لغينيا بيساو،عمارو سيسوكو امبالو، و لعل أكبر مؤشر على هذا الدعم احتضان داكار لتوقيع اتفاق دعم بين أمبالو و المرشح نينو كوميس نابيام ، الذي حل في الترتيب الثالث في الجولة الأولي من الانتخابات.

و لا يخفي الرئيس السنغالي ماكي  صال مواقفه الداعمة للفلاني سيلو دالن جالو زعيم المعارضة بغينيا كوناكري، الذي يتخذ من داكار إحدى إقاماته المفضلة و يحضر جالو جميع الأنشطة الرسمية الكبيرة لحزب التحالف من أجل الجمهورية، الحزب الحاكم بالسنغال.

و يستفيد بعض مرشحي الفولان من الدعم المالي  السخي لأبناء قوميتهم، فزعيم معارضة غينيا كوناكري سيلو دالن جالو لا يتحمل شخصيا سوي القليل من تمويل أنشطته السياسية، و السبب هو أن تجار الفولان، الذين  يمثلون ما بين 80% و 90%  من تجار البلد،يلعبون الدور الرئيسي في تمويل الأنشطة السياسية لحزب الرجل. كما اشتهر رجل الأعمال الفلاني هارونا جا بتمويل حزب الرئيس ماكي صال قبل و بعد وصول الرئيس صال  للسلطة.

شعور قومي عابر للحدود

تتعزز لحمة شعب الفولان بطريقة عابرة للحدود الجغرافية لبلدانهم، و قد ساهم انتشار وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة و تعرضهم للمظالم السياسية و الاجتماعية في بعض بلدان غرب إفريقيا في تنامي شعور الجسد الواحد لدي هذه القومية.

و تعتبر رابطة " تابيتال بولاكو" التي تم إنشاؤها سنة 2002 بالعاصمة المالية باماكو ابرز تجمع خاص بالفولان، و تنظم الرابطة أنشطة سنوية تطرح خلالها مشاكل و تحديات مجتمع الفولان على المستويات الثقافية و السياسية، و يحضر أنشطتها ممثلون عن القومية من مختلف البلدان التي يوجد فيها حضور للفولان بالإضافة للفولان المقيمين في المهجر. و تسعي الرابطة للدفاع عن ثقافة الفولان و لغتهم و التوسط في الصراعات التي يدخلها  الفولان و الضغط على الحكومات التي تضايق الفولان.

و ينتشر الفولان في العديد من الدول الإفريقية كموريتانيا و مالي و السنغال و غينيا كوناكري و غينيا بيساو، و الكاميرون ، و نيجيريا التي يصل فيها تعدادهم إلي حوالي 20 مليون نسمة.

2. يناير 2020 - 1:04

كتاب موريتانيا

ذات صلة