وسم الافتراء على الإسلاميين / محمد الهادي ولد حمادي

محمد الهادي ولد حمادي تشهد الساحة هذه الأيام حراكا إعلاميا مثيرا، تزاحمت فيه المقالات الكثيرة،قليلها نافع وأكثرها ضار، وجلها غث وبعضها سمين،وبين هذه المتناقضات ،اختفت الحقيقة في تيه الأهواء والتضليل.

وقد ظهرت كتابات كثيرة بأسماء مستعارة حينا ، وأخرى مستأجرة وجدت نفسها في غفلة من الضمير،وغياب من وازعي ديني حقيقي، تبيع كتاباتها في سوق النخاسة الرخيص تنال من الشيخ محمد الحسن الددو،و حزب تواصل اللذان يمثلان المنهج الوسط، بين إفراط الغالين، وتفريط الجاهلين، ذاك في مجال العلم والتربية، وهذا في مجال السياسة والحكم.

إن زمنا يتطاول فيه الجهلة وأهل الضلال على القامات العلمية السامقة،وتستباح فيه كل المحرمات للوصول إلى الغاية الرخيصة، لهو زمن لا يسحق العيش..

يا موت زر إن الحياة ذميمة..ويا نفس جدي إن دهرك هازل

ولعل المتابع لتلك الكتابات يدرك –دون عناء- أنها جميعا تصب في قالب واحد،وتسعى نحو مبتغى وحيد ، و هو تشويه الحركة الإسلامية الموريتانية بأي ثمن،حتى ولو كان ذلك بالتلفيق والكذب والتضليل المتعمد،وتشم من رائحتها حقدا دفينا في ضمائر استولت عليها مجامع الطمع،وقلوب ران عليها الجهل والجشع.

وتمخض الجمل..

ومما أثقلت به المواقع هذه الأيام مما تثقل به، مقال طويل ،ضعيف المبنى،قليل المعنى، لا يسر صديقا ولا يضر عدوا،عنونه صاحبه ب "الحركة الإسلامية في موريتانيا بين رغد الثروة وإغراءات الثورة"،وبلغة ركيكة وأسلوب هش، بدأ صاحب المقال يتدحرج على خيط وهم رقيق حتى سقط في نهايته في بحر من المتناقضات، وقد خلت المقال –في بادئ الأمر- مترجما ، لما يعتري تركيبته اللغوية من ضعف ،ولما تذكرت أن صاحبها هو شرطي الأصل،قذفته صروف الدهر و عوادي الزمن، وضيق ذات اليد و الاحتياج إلى الإمارات ليقف على شوارعها ،منظما لحركة المرور،عذرته(وإذا عرف السبب، بطل العجب).

حمل فيه صاحبه على التيار الإسلامي وهاجمه،

وإذا أتتك مذمتي من ناقص..فهي الشهادة لي بأني كامل..

ولم يستطع أن يقدم دليلا واحدا على ما يقول ،ولم يجد ما يستدل به على ما يسوقه من أباطيل، فلم يتورع عن حشوها بما طاب له من اتهامات مجانية، لا تستند إلى واقع.

إن المتتبع لذلك المقال لا يجد فيه أكثر من تفاهات يقذفها صاحبها،كما تقذف الحية سمها في أجسام الأصحاء،ولذلك لم أجد فيه ما يستحق الرد،ولكني وقفت في مقاله على تناقضات كثيرة ، كشفت زيف قوله،وضعف حجته،وأقف عند إحداها

يقول ولد بلعمش فيما يقول:   (بعد الانخراط في تنظيم حركة الإخوان المسلمين تكون بحاجة إلى نسخة من كتاب الفريضة الغائبة لتعلن استعدادك الكامل لحمل السلاح في وجه أعداء الله و رسوله ، و بعد مواجهة مسلحة واحدة تكون تجاوزت منطقة اللاعودة)

وهنا نتسائل بدءا كيف حصل ولد بلعمش على مثل هذه المعلومات "الخطيرة" ،وكيف استطاع فك "شفرة" الإخوان "العجيبة"، والتي فتحت لها الكتب،وسخرت لها الامكانيات المادية والبشرية من أجلها ،فلم نجد إلا معلومة تعيسة من رجل لا نعرف فيه الصدق ولا الورع.

وهو في هذه الحالة على طرفي نقيض، فإما ان للرجل "سوابق" في الحركة "اللغز"، شارك في نشاطها،وعمل في صفوفها،فهو متهم بالجريمة الكبري،والخيانة العظمى ( رغد الثروة وإغراءات الثورة)،فكلامه مردود عليه،و"نصائحه" هو أحوج إليها من غيره (وابدأ بنفسك فانهها عن غيها) .

لكن ذاك شيء مستبعد،فما كان لجاسوس مثل ولد بلعمش أن ينال شرف الإنصهار في تلك الدعوة الطاهرة،ولا أن يكتب اسمه من بين أولئك الصفوة المتوضأة، و الشباب الإسلامي، شباب معتدل الطرح ، مستنير الرأي ، منفتح دون ذوبان ، أصيل دون تحجر ،يؤمن بأن الحل في الإسلام ، ينتمي لهوية موريتانيا المسلمة ويسعى لخدمتها

الخيار الثاني أن كلما كتبه الرجل،وشغل الناس به هو مجرد كلام لا يملك صاحبه له دليلا،فهو كذب بحق الاخرين، ومحض افتراء لقوم عرفتهم الأمة بنقائهم وعدلهم وأمانتهم وصدقهم،وهذه هي الحقيقة المرة التي لا تخطئها العين،ولا يزيغ عنها البصر،ولا يغفل عنها العقل.

لقد كان الرجل متناقضا جدا في كلامه،فقوله إن الحركة تشترط الدخول في معركة واحدة على الأقل ليتمكن "موردها" من الالتحاق بها،هو ادعاء لا تسعفه الوقائع،ولا تصدقه أحداث التاريخ،   فلو أن كل من أراد أن ينتسب للحركة الاسلامية لزمه ذلك دخولا في مواجهة،لكُنا اليوم أمام عشرات الآلاف من المواجهات التي من المفترض أن يقدمها أولئك للوصول إلى " منطقة اللاعودة" .

لقد تعرضت الحركة الاسلامية عموما –والإخوان خصوصا- للكثير من الظلم،والإضطهاد والتهميش،ومع ذلك لم يلجؤوا إلى حمل السلاح -مع سهولة ذلك-، ولم يكن ذلك في قاموسهم،بل حاربوا الأنظمة المستبدة بأفتك الأسلحة وأخطرها السلم والحق.

ورغم ما حيك ويحاك ضدها،فهي متمسكة بمبادئها ،تعض بنواجذها على وسطيتها المميزة لمنهجها،ونهجها القويم الذي يسمتد أصوله من االهدي النبوي،إ سلامية شرف وانتماء ،وتأصيل واقتداء، وإسلامية قول وفعل، وليس إسلاما يباع ويشتري، يبيع أهله دينهم بدنياه أو بدنيا غيرهم.

لقد أبدى صاحب المقال جهلا متقعا بالحركات الاسلامية،وأبان أنه يكتب فيما لا يعلم، ويصطاد في عكر، فمعروف أن مصطلح الحركات الإسلامية يطلق على كثير من الحركات الاسلامية، المتباينة في الرؤى،والمنطلقات ،والأهداف في بعض الأحيان،لكن ول بلعمش جهلا منه –أو تجاهلا- خلط الجميع ،وقذفهم بسهم واحد،وكان يقصد في النهاية الحديث عن الإخوان ،لأنهم هم أكثر التيارات الإسلامية تنظيما،وهم المشاركون في العمل السياسي،وهم من وقفوا ضد ظلم معاوية،ويقفون اليوم ضد ظلم وفساد عزيز.

فضيحة الأسماء المستعارة

مع أن الجميع يتسابق لكسب ود الرئيس-صاحب المزاج المتقلب-،ويسارع لنيل رضاه،ويقدم القرابين –حتى ولو كانت على حساب الدين- من أجل ابتسامة قد تجود بها شفاهه المطبقة على كثير من التكبر والاستعلاء...إلا أنك لا تجد من بين هؤلاء من يجود بكتابة تقدم رؤية النظام،ولا برنامجه،وإن وجد فعلى استحياء يكتب،وباسم مستعار يختم.

والفضيحة التي قصمت ظهر "بعير" النظام،جاءت من حيث لا يتوقع،(ومن مأمنه يؤتى الحذر)،والمعني هنا الشاعر محمد ولد الطالب (الملحق برئاسة الجمهورية ) ورفيقه عبد الله ولد حرمة الله(مدير الصحافة الإلكترونية بوزارة الاتصال)، فرقت بين الاثنين التخصصات،وجمع شتات فرقتهما لعبة الأسماء المستعارة..

رفيقان شتى ألف الدهر بينهما..وقد يلتقي الشتى فيأتلفان

لم يكشف "سارق النار" عن اسمه،كذلك لم يفعل المدير الجديد للصحافة الالكترونية القادم لتوه من "الحراك الشبابي" في ترقية مستحقة،وجزاء منتظر،لعمله المنقطع النظير في تبجيل النظام،والنفاق له بما تجود به ذاكرة "الصحفي"،وحبر قلمه السيال،لكن موقع "الطوارئ" وصلت إليه "الرصاصة القاتلة" عن طريق الصدفة،لتعري الحقيقة التي يختبئ ورائها "شبيحة" النظام،ولتكشف قناع "الشفافية" الزائف.

يمكن للمرء أن يخدع بعض الناس لبعض الوقت،ويمكن له أن يخدع كل الناس بعض الوقت،كما يمكن للإنسان أن يخدع بعض الناس كل الوقت،لكن لا يمكن له خداع كل الناس كل الوقت.

إن التطاول على العلماء أمر جلل،وحدث عظيم،والإثم هنا يعود إلى الدولة التي سخرت فقهائها وكتابها وإعلامها للنيل من العلماء العاملين،الذين عرفتهم المنابر منافحين عن الحق،مدافعين عنه،كما عرفتهم السجون لذات السبب.

قولا لي بربكما ماذا سيحدث إذا نطق سفيه مجهول،وتفوه بكلام سيئ،ونشره في موقع "رذيل"؟ وأية فائدة سيجنيها صاحبها من تلك الفعلة المشينة،والذنب العظيم، إلا عار الدنيا ونار الاخرة لهول ما جنت يداه،ومتى كان نباح الكلاب يضر أو يؤخر من ضجيج قافلة الإصلاح الممتدة في أصقاع العالم؟

كتب أحدكما مخاطبا الشيخ الددو: "يحاول فرسان السوق السوداء، ومقسطوا "الفتاوي" الجاهزة، تدارك الركب بصدور خاوية من الإيمان، ممتلئة بتحدي الفضيلة وركوب موجة الإرهاب الفكري لحفظة ربع الأخضري، وآخر آيات الفاتحة.. وقدر معتبر من الجشع والجهل المتروي."

ما مثلكم ومثل الشيخ،الا كمثل ذبابة حقيرة سقطت على نخلة تمر عملاقة ، فلما أرادت الذبابة الحقيرة أن تطير وتنصرف قالت لنخلة التمر العملاقة: تماسكي أيتها النخلة ، لأني راحلة عنك ، فقالت لها نخلة التمر العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة فهل شعرت بك حينما سقطت عليّ لأستعد وأنت راحلة عني.

شتم رجل الوليد بن أبي خيرة، فقَالَ الوليد وكان -رجلا صالحا-: هي صحيفتك فأملها بما شئت.

إن كل كلمة تكتبانها،وكل حبر يسيل ،تبجيلا لظالم،أو هجوما على عالم،ستندمان عليه أشد الندم..

لقد كان من قبلكم منافقون كثر،ومصفقون كالحصى،قذفهم التاريخ إلى مزابله،ونسيهم الناس ،إلا من فتات كلام نطقوا به ذات مرة،أو من كتابة ،دفعتهم إليها جيوبهم المفتوحة

وما من كاتب إلا سيفنى ...ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء ..يسرك يوم القيامة أن تراه

الإصلاح هو الحل

إن الهجوم على الاسلاميين لا يحل مشكلة،ولا يؤجل ثورة،ولو كان يفيد أحدا،لأنقذ بن علي من الدخول في متاهات الغربة،والانصياع لقوانين دولة تفرض الحجاب على نسائها،ويرتفع فيها الأذان ،ويقصده آلاف من الحجاج كل سنة ملبين النداء،وكان رجل العلمانية الأول قد منعهم من النقاب،ومن الأذان ومن الحج ليتجرع –على مضض- كؤوسا ثلاثة كان قد أذاق الشعب إياهم .

ولمنع مبارك من الإضجاع –مكرها- على السرير الأبيض،ومن وراء القضبان ينادى به،هو وزمرته وسدنة حكمه المتهالك،هذه المرة لم ينادى باسمه ليلقي خطابا إلى الشعب،بل ليجيب على تهم الفساد والرشوة وغيرها.

بل لكان منع ولد الطايع من الجلوس في قطر،يشاهد من كان ذات زمن يسبحون بحمده،ويرضونه، هم الأمراء في قصره،والأمناء على ملكه،وقد لفظه شعبه بعد أن ضيع الأمانة وعاث في الأرض فسادا..

أما الحركة الاسلامية فكانت كلما حاولوا تشويه صورتها،والإضرار بها، كلما ازدادت نصاعة وألقا وقوة،ويزداد المؤمنون بفكرها والمنتمون لنهجها..ولسان حالهم:

فإن كانت الأيام منا تبدلت ... ببؤسى ونعمى والحـــوادث تفعل

فما لينت منا قناة عصية ... ولا غيرتـنا بالذي هي تفــــعل

ولكن رحلناها نفوسا أبية .. تحمل ما لا تســتطيــع فتحــمل

وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا.. فصحت لنا الأعراض والناس هّزل

إن الإصلاح محدد المعالم،واضح المراسم،لا يزيغ عن فهمه إلا مستبد،ولا يحيد عن طريقه إلا من عميت بصيرته عن محاسن العدل،وهو لمن أراده سهل هين،ومن حازه فقد فاز فوزا عظيما..

على النظام أن يدرك أنه ليس من مصلحته أن يدخل في صدام مع الحركة الاسلامية،لأن ذلك يعني بالضرورة نهايته الحتمية،والعاقل من اتعظ بغيره.

30. يناير 2011 - 0:00

كتاب موريتانيا

ذات صلة