التنويه بعقيدة التنزيه (2) / د.إسلم ولد الطا لب أعبيدي

التنزيه أساس التوحيد ، إن الأصل المعجمي لمصطلح التنزيه هو: (نزه) أي النون و الزاء والهاء  وهذا الأصل  كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس يدل "على بعد في مكان وغيره. ورجل نزيه الخلق: بعيد عن المطامع الدنية. قال ابن دريد: ونزه النفس ونازه النفس: ظلفها عن المدانس.

وفي لسان العرب: "نزه الرجل: باعده عن القبيح. والنزاهة: البعد عن السوء. وإن فلانا لنزيه كريم إذا كان بعيدا من اللؤم، وهو نزيه الخلق (...) التنزه رفعه نفسه عن الشيء تكرما ورغبة عنه. والتنزيه: تسبيح الله عز وجل وإبعاده عما يقول المشركون(...) تنزيه الله تبعيده وتقديسه عن الأنداد والأشباه، “

وفي تاج العروس: وإذا قالوا في الرجل: هو يتنزه أرادوا به البعد عن الأقذار أو المذام، وإذا أطلقوه على الباري سبحانه، أرادوا به التقدس عن الأنداد وعما لا يجوز عليه من النقائص"

والتسبيح هو التنزيه. وفي لسان العرب أيضا: سبحان الله: معناه تنزيها لله عن الصاحبة والولد، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف، قال: ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحا له، تقول: سبحت الله تسبيحا له أي نزهته تنزيها".

وفي تعريفات: الجرجاني التنزيه عبارة عن تبعيد الرب عن أوصاف البشر، وإذا كانت كلمة التوحيد هي لا إله إلا الله فإن كلمة التنزيه هي "سبحان الله"

ولذلك نجد الملائكة لا يفترون عن التسبيح والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقال تعالى حكاية عن الملائكة: (قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) وقال تعالى :( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) قال الطبري: يقول تعالى ذكره: يسبح هؤلاء الذين عنده من ملائكة ربهم الليل والنهار لا يفترون من تسبيحهم إياه(وروى عن )ابن عباس  أنه سأل كعبا عن قوله: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) .. فقال: هل يؤذيك طرفك؟ هل يَؤذيك نَفَسُك؟ قال: لا قال: فإنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْف والنَّفَس"

         وآيات التنزيه في القرآن الكريم كثيرة ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوله سبحانه:(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وقوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)

         وقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقوله تعالى: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولً) وقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) وقوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) وقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

             وكذلك الأحاديث الواردة في تنزيه الله سبحانه وفضل كلمة التنزيه كثيرة جدا، ومنها حديثي أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده " وحديث، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " قرصت نملة نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل، فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح"

فالتنزيه الله هو الأساس الصحيح للتوحيد الذي هو جوهر الدينه.

التوحيد لغة واصطلاحا:

ذكر ابن فارس في معجم مقاييس اللغة عند أصل "وحد" أن "الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد. من ذلك الوحدة. وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله، (...)ونسيج وحده، أي لا ينسج غيره لنفاسته، ... والواحد: المنفرد. "وفي لسان العرب: و"الأحد" في أسماء الله تعالى "هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر.

والواحد قد يطلق ويراد به الواحد بالعدد مطلقا، والواحد بالاتصال والواحد بالتركيب، والواحد بالنوع والواحد بالجنس:

ويقول سيف الدين لآمدي :"إن الواحد بالعدد مطلقا  يسمى الواحد بالذات وهو ما لا يقبل الانقسام والتجزئة في نفسه، وأما الواحد في بالاتصال فهو ما كان قابلا للتجزئة في نفسه إلا أن أجزاءه متشابهة كالماء الواحد ونحوه، وأما الواحد بالتركيب فما  هو قابل للانقسام إلا أن أجزاءه غير  متشابهة كالسرير والكرسي ونحوهما، وأما الواحد بالنوع فقد يقال على ما كان تحت كلي هو نوع له كما يقال على زيد وعمرو هما واحد بالنوع، وأما الواحد بالجنس فقد يقال على ما كان تحت كلي هو جنس له كما يقال للإنسان والفرس هما واحد بالجنس"

ولا بأس أن بين هنا ماذا نقصد بالنوع و بالجنس حتى لا نحتاج لذلك مرة أخرى فالنوع هو كلي ذاتي يتفق أفراده في  الحقيقة أي الماهية كالإنسان فإنه يصدق على زيد وعمر وعلي بنفس الدرجة فالإنسانية في زيد هي نفسها الإنسانية في عمر وإن حدث اختلاف بين الأفراد فهو في الأمور العارضة.

أما الجنس: فهو كلي ذاتي أيضا غير أن أفراده مختلفون في الماهية كالحيوان فماهيات أفراده  (الإنسان والفرس والحمار )مختلفة.

          فالتوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد، وفي اصطلاح أهل الحقيقة كما في كتاب "التعريفات" هو: تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام، ويتخيل في الأوهام والأذهان...التوحيد: ثلاثة أشياء معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة.

            وقد عقد الإمام أبو حنيفة رحمه الله في كتابه الفقه الأكبر بابا لأصل التَّوحيد وما يصح الاعتقاد عليه فقال رحمه الله: "يجب أن يَقُول آمَنت بِاللَّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خَيره وشره من الله تعالَى والحساب والميزان والجنة والنار وذلك كله حق".

                ووحدانية الله سبحانه وتعالى عنده أن نؤمن أنه " واحد لَا من طَرِيق العدد ولَكن من طريق انه لَا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن لَه كفوا أحد لَا يشبه شيْئا من الْأَشْيَاء من خلقه ولَا يُشبههُ شَيْء من خلقه لم يزل وَلَا يزَال بأسمائه وصفَاته" وهذا هو التنزيه أيضا.

   وبالجملة فإن توحيد الله تعالى  هو: "الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود، ليس كمثله شيء على ما قرر به قوله تعالى:( (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) وقوله :(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).وأنه الأول قبل جميع المحدثات، والباقي بعد المخلوقات، على ما أخبر به قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) والعالم الذي لا يخفى عليه شيء  (...)وأنه الحي الذي لا يموت، والدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق، ومبدعه ومنشئه، ومخترعه وأنه لم يزل مسميا لنفسه بأسمائه وواصفا لها بصفاته، قبل إيجاد خلقه، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته.

وكلمة التوحيد هي "لا إله إلا الله" ومن ذلك قوله تعالى لإبراهيم (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .

وهي تتضمن نفيا وإثباتا، ففي هذه الكلمة ننفي وجود إله سوى الله ونثبت الألوهية لله عز وجل وحده لا شريك له، "فقوله:" لا إله "، نفي غير اللَّه، وقوله: " إلا اللَّه "، إثبات لألوهية اللَّه وحده"

وآيات التوحيد في القرآن الكريم كثيرة جدا فمنها  قوله سبحانه: (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) وقوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقوله تعالى:  (اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)

أما الأحاديث الشريفة في كلمة التوحيد وفضلها فهي أكثر من أن تحصر في بحث كهذا ومنها ما ورد في موطأ الإمام مالك رحمه الله عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ».

................(يتبع

24. أبريل 2020 - 17:29

كتاب موريتانيا

ذات صلة