الزراعة اولا / د.القاسم ولد المختار

الازمة الصحية الحالية الناجمة عن جائحة كوفيدـ19 أظهرت عدة اختلالات ونقاط ضعف في مختلف انظمتنا الصحية والأمنية والغذائية وحتى السيادية فكانت بمثابة تمرين محاكات ـ لكنه حقيقي ـ كشف وللوهلة الأولى عن هشاشة استقلالنا عن الآخرين ومدى اعتمادنا عليهم حتى في لقمة العيش...

تبين لنا ـ وكأننا لم نكن نعلم ـ ان أمّة لا تملك ما يقتات به من داخل حدودها لا معنى لسيادتها بل ربما كان الأفضل لها ألا تسعى لنيل الاستقلال أصلا ... فإمّا ان نشمّر عن سواعد الجِدّ ونستأنف أمجاد الأجداد باستكمال في السيادة وتشييد "وطن كبير لامة عظمى" او نبقى نمد أيدينا ونفتح افواهنا ونعيب زماننا...

والاعتماد عل تكفف الدولة وذوي السّعة والفضل من داخل البلد وخارجه، ليستلا يجدي نفعا فتوزيع الإسعافات والمساعدات لا يعوّل عليه لتأمين العيش الكريم لشعب غالبته الساحقة محتاجة والباقون عل أثرهم... وطريقة اليد في الفم هذه تفضي حتما بالمواطن الى التمادي في الاتكالية والعزوف عن زراعة الأرض، على الاقلّ لحصد ما يأكل.

إن من آكد أولويات البناء ـ وما اكثرها ـ الإقبال على الزراعة بإرادة صادقة عزيمة صلبة وخطى ثابتة وتخطيط محكم، حتى نضمن اكتفاءنا الذاتي من الغذاء وهنا لابدّ من القطيعة البتة مع النهج المتبع في الحقب المتتالية الماضية حيث دأبت الدولة على تهيئة الخطط الإنمائية والمشاريع العملاقة وتعبئة التمويلات الهائلة واستصلاح الأراضي الشاسعة ومنح القروض الميسرة وافتتاح الحملات الزراعية الرائدة ولا نجني من كل تلك العبارات الرنانة والوعود الزائفة البراقة ولا حبة خردل. كفا تلاعبا بالمصير، كفا تنكرا لوطننا، كفا كذبا على أنفسنا...

الزراعة تتطلب اليد العاملة المؤهلة تقنيا والقابلة للتكوين المستمر ونقل الخبرات، واستصلاح الأراضي وبناء السدود وتخزين البذور واقتناء المعدات وهذا برمّته متاح فالأراضي الصالحة للزراعة بموريتانيا حسب المنظمات العالمية تربو على نصف مليون هكتار لا يستغل منها حاليا أكثر من 9 بالمائة واليد العاملة متوفرة والتمويلات لم تكن يوما صعبة المنال انما الحفاظ عليها هو العائق الاكبر... لكن كل هذه .المقدرات الموجودة لن تؤتي اكلها ما لم يوجد إطار و توجه عام يهدف أولا الى الرّفع من مستوى الزراعة والمزارعين وحمل الشباب خاصة عل العمل بتشجيع من المستثمرين وثانيا وضع آلية لمتابعة وتقييم البرامج والمشاريع الزراعية.

فكم من مشروع طموح بدأته وزارة الزراعة في ضواحي كبريات المدن والمناطق الزراعية في الضفة وغيرها، حمل آمالا جساما واهدرت فيه أموال معتبرة وتُركَ عرضةً لزحف الرّمال وعبث الحيوانات.

لقد أصبح الاهتمام بالزراعة مطلبا وطنيا لا يختلف اثنان على ضرورة البدء به فاللوازم والمصادر كافية والمبررات جلية والاهداف ملحّة ولا يبقى سوى الإرادة السياسية وتوجيه المواطن لرفع التحدي.

لا نريد حملة زراعية ولا سنة زراعة ولا تلك الشعارات الجوفاء التي لا تتعدى شفاه مطلقيها... بل برنامجا متكاملا واضح المعالم والاهداف يقوم على معطيات علمية حديثة وتجارب اثبتت مردوديتها ومدعوم بإرادة سياسية هدفها الأوحد تحقيق الأمن الغذائي لشعبنا ـ ولنحذر مغبّة تصديره للخارج ... ـ حتى نستكمل جزءا مهما من سيادتنا ونستعيد الثقة في أنفسنا للنهوض بقطاعات أخرى لا تقل أهمية عن الزّراعة.

 سددّ الله خطى المصلحين وردّ كيد المفسدين

حفظ الله الوطن

29. أبريل 2020 - 18:01

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة