حدثني مريض / محمدو ولد البخاري عابدين     

لي قريبة تعاني منذ سنوات من مرض مزمن كانت تتابع مع أحد أخصائيينا المرموقين، وبعد سنوات من التعايش مع المرض، وتحديدا سنة 2018 أصبحت في وضعية تتطلب عملية جراحية كما أخبرها الأخصائي المتابع لحالتها، والذي أخبرها بإمكانية إجراء العملية محليا غير أنه نصحها بإجرائها  خارج البلاد قائلا لها لقد شهدت المنظومة الصحية في بلادنا تحسنا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، فشيدت المستشفيات العامة والمتخصصة، وتوفرت الأجهزة، وأزداد القطاع بعدد لا بأس به من الأطباء العامين والأخصائيين، ولكن لا زالت تنقصنا الرِجل الثانية للتطبيب والتي لا يمكن لقطاعنا الوقوف على قدميه بدونها.

تقول هذه المريضة عندما قال لي الأخصائي إن هناك رِجلا ثانيه هى ما لا تزال تعيق منظومتنا الصحية عن الوقوف على قدميها اعتقدت أنه يقصد الأدوية لكثرة اللغظ وحملات التشويه حولها.. فقلت له الأدوية؟ قال لا، الأدوية عموما جيدة وإن كانت هناك شكوك في نسبة محدودة منها، مع عدم سهولة تنقيتها 100% ليس في بلدنا فحسب بل وعالميا، ولكن ما لا يزال ينقصنا هو مراقبة المريض إلى أن يخرج من المستشفى وذلك ما لا استطيع أن أضمن لكِ منه إلا ما يخصني، وما هو خارج منه عن اختصاصي ودوري هو ما أخاف عليكِ منه.. فتشخيص المرض يقول، وإجراء العملية الجراحية حتى ولو كانت ناجحة بنسبة كبيرة، ووصف وشراء الدواء الجيد هذا كله ليس شيئا، بل مجهودات ومصاريف قد تذهب سدى إذا لم يحظى المريض بالمراقبة والمتابعة ساعة بساعة من طرف طاقم طبي متكامل كل فرد فيه يعي دوره ومسؤوليته ويؤديهما بتلقائية..

تتابع هذه المريضة وتقول، بعد أن امتثلت نصيحة طبيبها وسافرت للعلاج في أحد المستشفيات خارج البلاد إنها طيلة وجودها في المستشفى هناك، ومن خلال العناية الفائقة بها من طرف الأطباء والممرضين، كانت تشعر بأن هناك الحس الإنساني الذي لا غنى لمهنة التطبيب عنه طبعا، وهناك الحرص على سمعة وصيت المصحة باعتبارها مصحة خصوصية، لكن هناك أيضا الشعور بالمسؤولية لأن كل فرد في الطاقم بدء بالإخصائي إلى الجراح ثم المخدر والفني والممرض والمُنظف والمكلف بالإعاشة يعرف مسؤوليته ويؤديها لأن ليس هناك من سينجده أو يلجأ إليه في حالة أي تقصير لا مبرر له..  

تذكرت هذه القصة وأنا أتابع التسجيل المتداول لذوي مريضة كورونا في مركز أمراض القلب يوم أمس، وما ورد فيه ما إهمال لحالتها، والحقيقة أننا لم نكن بحاجة لقصة ولا لقصص تذكرنا بواقع التقصير والإهمال في مستشفياتنا، لأنه واقع معاش وظاهرة قديمة جديدة أصبحت من روتيننا اليومي حتى في الظروف العادية ومع المرضى العاديين الذين لهم مرافقون يقومون لهم بحاجاتهم، لكن ما كسر هذا التعود وهذا الروتين اليوم هو أننا في حالة استثنائية تتسم بتفشي فيروس قاتل تقتضي ابروتوكولات العناية بالمصاب به عزله تماما عن ذويه حتى شفائه، بل وحتى في حالة وفاته فإن هناك ابروتوكولات استثنائية أيضا لدفنه أحيانا في غياب ذويه الذين يتقبلون ويتفهون، يتقبلون ويتفهمون عزله عنهم تماما وهو على السرير، ويتقبلون ويتفهمون دفنه في غيابهم نظرا لطبيعة المرض وسرعة انتقاله والخوف من انتشاره.

إن الذي كسر روتين تعودنا وتعايشنا مع إهمال المرضى في مستشفياتنا، والذين يكون معهم عادة في الظروف العادية مرافقون يُنادون على الطبيب وعلى الممرض عند الحاجة، وجعل ما لاقته هذه المريضة يكون بهذا الحجم وهذا الاستغراب، هو أنه يتعلق بمرض تتكفل الدولة بالمصابين به لا لأنه وحيد، أو لأن ذويه عاجزون عن التكفل به بل لطبيعة المرض نفسه، فإذا به حتى معاشه وأدوية مرضه المزمن السابق لمرضة المستجد لم يجد من يقدمهما له وهو في هذه السن، فما بالك بعلاجات المرض الذي بسببه تم عزله عن ذويه على أنه سيتم التكفل به!

أيضا روتين تعودنا وتعايشنا مع إهمال المرضى في مستشفياتنا كسره مرة ثانية، وربما بضربة أقسى إهمال مريضة واحدة بفيروس كورونا، فماذا لو كان انتشار الفيروس في بلدنا بحجم أكبر وأعداد من هم في حاجة لعناية مركزة بالعشرات، وأي وضع أدعى للقلق من أن يكون مريض هذا الفيروس بحاجة ل " واتساب " الوزير!

 

27. مايو 2020 - 0:35

كتاب موريتانيا

ذات صلة