لا تخلطوا بين المبادئ والمواقف فتتناقضوا! (1) / محمد فاضل المختار

تحتاج بعض مفاهيمنا السياسية إلى غربلة ومراجعة وإعادة تعريف وتحديد، ومنها التفريق بين المبادئ والمواقف في مجال السياسة، فالمبادئ هي المنطلقات الفكرية والمرجعية الحاكمة وهي القيم الأساسية الموجهة والأخلاق الهادية، ويجب أن تبقى ثابتة، لا يطالها التغيير إلا ما كان من تطوير أو تحسين، ومرعية، لا تتجاوز إلا في ظروف استثنائية، ولضرورات مقدرة..

و أما المواقف فهي أدوات وخيارات تكتيكية للتعامل مع واقع معين، وقد تكون خادمة للمبادئ أو محققة لبعض المصالح، سواء كانت عامة أو حزبية أو حتى شخصية، المهم ألا تتعارض مع المبادئ، فهي مجرد وسائل لتحقيق الأهداف وليست غايات في حد ذاتها..  يقول الملك الحسن الثاني في كتابه "ذاكرة ملك": " أنا رجل مبادئ ولست رجل مواقف، يمكن أن أغير موقفي إذا دعت الضرورة للتغيير، على ألا يكون ذلك البتة على حساب المبادئ"،  ومهما اختلفنا مع الرجل فإن في كلامه صوابا وحكمة..

ضرورة التقييم المستمر للمواقف:

والمواقف قابلة للتغيير باستمرار إذا اجتمعت عوامل تغييرها، وأحيانا يكون من الخطأ الجمود على مواقف تجاوزها الزمن، وانتفت دواعي استمرارها. وهي تبع للواقع السياسي والاجتماعي الذي جاءت استجابة له، وتبع لقدرتها على تحقيق الأهداف المتوخاة منها، فمن الضروري إعادة تقييمها إذا تغير الواقع أو تبدلت الظروف، كما يجب تقييمها إذا لم تحقق أهدافها، والتقييم هنا لا يعني بالضرورة التغيير، فقد يكون تحسينا أو تطويرا أو تثبيتا..

الخلط مضر ومربك:

والخلط بين المبادئ والمواقف مضر ومربك للساحة السياسية فترفيع بعض المواقف السياسية إلى مرتبة المبادئ أو التهاون في بعض المبادئ، قد يشوش على الجمهور والمناصرين، ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الساسة النفخ المبالغ فيه في بعض المواقف والدعاية الزائدة عن الحد، حتى لتعتقد أنها مناط صلاح الدنيا وقوام استمرارها، وهي في الحقيقية نسبية ظنية النتيجة والأثر، حتى إذا حان الوقت لتغييرها أو التحول عنها شق ذلك على الجماهير وعسر عليها فهمه واستيعابه، ولقي القادة من العنت والمشقة الشيء الكثير ولو انتبهوا أول أمرهم، وقدروا الأمور بقدرها ووضعوها للناس في سياقها لما حصل إرباك.

عقدة "أنا النموذج"

في المواقف السياسية من الطبيعي أن تختلف وجهات النظر والتقديرات، ومن المقبول بل من  الوارد أن يدافع كل عن وجهة نظره ويسوق لها الأدلة والبراهين على سلامتها وتماسك منطلقاتها وصحة نتائجها، ولا ضير في أن يفند كل طرف وجهة النظر المقابلة ويبين نقاط ضعفها وسلبياتها، فذلك من صميم الدفاع عن الموقف وتقوية الحجة، كل ذلك سائغ مقبول، بل ومطلوب في ميدان التدافع السياسي بين مختلف الآراء والمواقف، ولكن المستغرب وغير المتفهم هو أن يتخذ فرد أو طرف أو مجموعة من مواقفهم محورا لاحتكار الخير والصواب يدور معهم حيث داروا، ويتقلب معهم أنى شاءوا، فمواقفهم واختياراتهم هي المصلحة المطلقة والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والحيدة عنها ذات اليمين أو ذات الشمال هي تنازل عن المبادئ أو تفريط في الثوابت !

و للشيخ العودة لفتة:

يشير الشيخ سلمان العودة ـ فك الله أسره ـ إلى قاعدة ذهبية حيث يقول:

"انتبهتُ ذات يوم وأنا أقود سيارتي إلى واحدة من القواعد النفسية والأخلاقية العامة: إذا حجزتني سيارة بطيئة أمامي، قلت: يا له من بليد ! وإذا تجاوزتني سيارة مسرعة، قلت: يا له من متهور ! .. إننا نعتبر أنفسنا " النموذج " الذي يُقاس عليه سائر الناس؛ فمن زاد علينا فهو من أهل " الإفراط "، ومن نقص عنا فهو من أهل " التفريط ".

وهذا هو حال بعضنا تماما يجعل من نفسه النموذج والمعيار الذي يجب أن تقاس عليه تصرفات الآخرين، فحين يقرر أن يهدئ أو يحاور فالخير كله في التهدئة والحوار، والشر كله في  خلاف ذلك، وحين يقرر المشاركة، فالمشاركة هي عين الحكمة والمصلحة والمقاطعة عبث وتضييع للجهود والأوقات، وحين يقرر المقاطعة أو التصعيد والمواجهة، فالتهدئة والحوار والدعوة للتوافق والبحث عن مخارج هي تواطؤ مع النظام وشق لصف المعارضة ونكوص عن الواجب الوطني المقدس وخيانة للعهود والمواثيق..

وتجد البعض يجهد نفسه في حصر مواقف الآخرين وتتبعها، ليثبت تناقضها وخروجها على الإجماع أو التوافق وأنها مجرد تغليب للمصالح الشخصية والأنانية الحزبية، ولو راجع هؤلاء تاريخ مواقفهم لوجدوا من التناقض و التعارض ما يغنيهم عن اتهام نيات الناس والمزايدة عليهم.

وتبقى التهدئة مطلوبة  

في رأيي أن التهدئة في الظرف الحالي أولى والحرص على التوافق الوطني بين قطبي العملية السياسية أنفع للبلد، ولكن لا يمكن أن نزايد  على آخرين ارتأوا خلاف ذلك، خاصة إذا عرف صدقهم وجديتهم وحرصهم على مصلحة الوطن، وكما نحرص ـ كمعارضة ـ على أن نزن خطابنا ونقدنا الموجه للنظام في الظرف الحالي، يجب أن يكون حرصنا أكبر على نقدنا الموجه لشركائنا في المعارضة، وحالة التوافق الوطني هذه يجب أن يحرص عليها الجميع، ويعززها الجميع، وتوحيد المعارضة وانسجامها وتحديدها لرؤيتها واستراتيجيتها في المرحلة القادمة يجب أن يكون سابقا لحوارها مع النظام أو مواجهتها له..

(يتواصل إن شاء الله )

 

11. يونيو 2020 - 13:45

كتاب موريتانيا

ذات صلة