رفع سن تقاعد الموظف؛ انتهاز أم امتياز ؟ / محمد سالم حبيب

مما لاشك أن اعتماد الدولة  لتمديد عمر الموظف، بدل مدة الخدمة؛ خطوة لها ما يبررها، وقد سبقتنا الكثير من البلدان لذلك وحتى المجاورة منها، لاعتبارات عدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

- الاستفادة من تراكم الكفاءات والخبرات والتجارب 

- تقاعد بعض الموظفين، في أوج مردودهم المهني، وهم مازالوا قادرين على مواصلة العطاء، نتيجة عامل السن، إذ أن بعضهم يلتحق بالخدمة العمومية، في بداية سني عمره.

-  تغير محددات  الفترات العمرية، والتي ازداد مؤشرها أخيرا، بزيادة متوسط العمر، بفعل عوامل، أبرزها:

 الأبعاد الاقتصادية والوعي الاجتماعي...

لكن المفارقة في كل ذلك، هي أن أهم مرفق  وأنبله  على الإطلاق ، من بين كل الوظائف، ويعنى بهذا القرار، هو قطاع "التعليم" والذي  لم يعد للأسف  بيئة جاذبة، أو على الأقل حقلا مغريا، للكثير من أبناء ابوطن.

 سواء، أكان  ذلك العزوف على مستوى الولوج  ابتداء، أو الحرص على الثبات في هذا  المرفق، وبذل المزيد من الجهد ختاما.

مرد كل ذلك، تدني مستوى الأجور والامتيازات المادية التي يحصل عليها موظفو الدولة بصورة عامة ومرتادو هذا القطاع بصورة خاصة.

إذ هي بالكاد، توفر لهم، ما يسدون به رمقهم، ويقيمون به أودهم.

أحرى توفير عيش كريم، يستطيعون من خلاله التفرغ لتلك المهمة المقدسة التي انتدبوا لها.

ويتفاقم الوضع سوءا، بعد نهاية هذا المشوار الحافل بالتضحية والعطاء، خاصة إن كان في ظل ظروف كتلك السابقة الذكر.

لتكون خاتمة المطاف لموظفنا المتقاعد، رسالة إشعار بتقاعد، يضنون فيها بعبارات شكر وتقدير، وامتنان، ترقى لمستوى الحدث وما قدمه من خدمة لوطنه، وكأن صاحبنا، صار حملا ثقيلا أو نتوءا غريبا على هذا الجسم الذي ألفه منذ نعومة أظافره، ويجب بالتالي استئصاله، وبأسرع وقت ممكن.

متجاهلين، ما يتداعى لذهنه وفي خلده تلك اللحظات الفارقة من تاريخ حياته، التي يسترجع فيها ذكريات الخدمة، وما حباها من عمره، وما منحها من جهده، وكأن لسان حاله  ينشد :

"رقــاب الـعــقل" لو تدرين ما بي

بـكـيت من اغـترابي لا اقــترابي

 

فــإنـــي مـــا أبيــت اللـــيـــل إلا 

وقلبي من غرامك في اضـطرابي

 

وإن ذكــــــرتـــك فـــي شــــراب

أكـــاد أغـــص مـن ذاك الشــراب.

 

لتتجلى أكبر  أمارات زهدهم، حين يحتفظون له بدراهم معدودة، تمثل ثلثا، يقبض بعد  ثلاث، يشفع لتلك الثلاث، أنها غير بائنة.

المفارقة العجيبة، أن حال الموظف المتقاعد  عند غيرنا، مغنم يتحراه الموظف بفارغ الصبر، لأنه يحيله لامتيازات جديدة  وفي مكان جديد وباستجمام ماتع، يتفرغ للاستمتاع به بقية حياته.

ولعل الأغرب من كل ذلك، أنه كثيرا ما تفتح لبعضهم بعد التقاعد آفاق جديدة - لم تكن في حسبان أحدهم من ذي قبل؛ لتوفر له مردودا - إن أحسن استغلالها - يفوق بكثير مجموع ما  حصل عليه من امتيازات، كامل فترة خدمته المهنية.

أخيرا؛ أقول:  إنه إن ظلت الرواتب، تراوح مكانها، وثابتة على ما كانت عليه دون أن تحرك الدولة ساكنا تجاه واقع رواتب موظفيها، إضافة للخطوة التي اتخذت أخيرا تجاه التقاعد؛ فلا شك أن مصير الموظف حينئذ؛ سيكون ذاته مصير تلك الهرة مع المرأة،  والتي لا هي أُطعمتها ولا هي تركتها لحال سبيلها، تأكل من خشاش الأرض.

17. يوليو 2020 - 10:38

كتاب موريتانيا

ذات صلة