الشيباني .. حين ينتزع الشعر السفارة! / المختار محمد يحيى

عينت بلدان وممالك وامبراطوريات عبر العصور سفراء لهم لدى الآخر من أجل مد جسور التفاهم والتبادل وصولا إلى التعاون، لكن عددا من السفراء انتزعوا تلك الصفة استحقاقا بفعل قدرتهم الفائقة على بناء الجسور وترطيب أجواء الجفاء، متخذين أدوات ووسائل مختلفة كان أبرزها الثقافة.

إن سفراء عديدين لموريتانيا ساهموا قبل قرون بالتعريف بهذا الحيز الجغرافي والإنساني المليئ بالتاريخ والثقافة والعلوم المتنوعة، منهم علماء وشعراء وفنانون وغيرهم، لكن أبرز ؤلائك الذين استطاعوا تغيير الصور النمطية التي تركبت في أذهان الآخر، هم ؤلائك الذين خاطبوا الآخر باللغة التي يفهمها، وبالأسلوب الراقي الذي يعتبره قمة في النبل وأكثر تأثيرا في القلوب قبل العقول.

ومن بين هؤلاء المهندس بمجال المعادن أحمد فال الشيباني الذي دعي لإحدى الحفلات في بلاد الفرنجة، وكان أحد أفصحهم بلغتهم، والتي طوعها لتكون رسالة سلام، وبطاقة هوية لوطنه في خضم ذلك المحفل المزهو بعظمة الأدب الفرنسي، وجموح مخيلة شعراءه.

لقد كان هذا المهندس قادرا على إلقاء قصيدة للشاعر والإعلامي حبيب ولد محفوظ باللغة الفرنسية، حملت في طياتها تعريفا لوطنه، كان تعريفا “بالستيا” إن جاز التعبير، فهو لم يكن تقليديا، كان كثيفا ومنزاحا بلغة شعرية مبهرة، كان المهندس يتنقل بين حواف القطعة الشعرية، كما يبحر عادة في تصور القطع المستخدمة في مجال الهندسة، بشكل ثلاثي الأبعاد، كان ينزل من مرتفع وكثيب لينزل واديا خصبا تدب فيه الحياة.

إن قصيدة الراحل حبيب ولد محفوظ -التي بعثته هنيهة- لم تكن وحدها التي جعلت الحضور ينزعون معاطفهم، ويرخون من وثق ربطات عنقهم ذهولا، بل نوع الإلقاء والإيماءات التي حملت هي الأخرى نصوصا قد لا يعون دلالتها إلا بقضاء ساعات في مسرح شنقيطي تقليدي مفتوح، كان لها فعلها المؤثر في نفوسهم.

لقد كان إلقاء من صفحات الذاكرة كفيلا بجعلهم مندهشين، قبل أن يتهافت أبناء عمومة موليير على المهندس لكتابة الأبيات لهم دون أدنى خطأ، إنه التمكن من لغة الآخر، إنها الكفاءة الدبلوماسية حين تثمر التواصل الحضاري، مستلهمة إنتاجات عظماء رفعوا اسم البلد عاليا، كان نص الراحل حبيب ولد محفوظ رسالة إنسانية، تؤكد أننا نشعر ونحس ونتخيل، أننا تتذوق مكمن الجمال ونميز بين الصور الشاعرية، وانعكاس لطف الواقع على سلاسة اللغة وانسيابية الأسلوب.

إن هذا المهندس البعيد في مجال عمله من مجالات الأدب والفنون التعبيرية، استغل قدرة الأدب الخارقة، مؤمنا بقدرة اللغة سواء في أي مستوياتها على بناء جسر تخاطب، وتفاهم وتبادل، استلهاما لتكريم البشر باللغة التي تميزهم عن العجماوات. لم يكن المهندس معنيا بما روحه رئيس جاهل اعتدى لفظيا على أهل الأدب والثقافة، معيرا بلاده ببلد المليون شاعر، كان المهندس شاعرا ونجح في التعريف بوطنه.

في ما يلي أترككم مع تدوينة للمهندس أحمد فال الشيباني، نشرها على صفحته بفيسبوك:

من أجمل ما في الترحال ان يميط الانسان الغبش عن مخيلة وقلوب الآخرين ويصحح أنطباعاتهم الخاطئة عنه فيعرفونه كما هو بما يطبعه بنفوسهم من خلال المعاملة الحسنة والمخالطة الدمثة وما يحدثهم به ويشاركهم من معارف وكنوز إنسانية تفعل فعل السحر في التقارب وردم أخاديد الجفاء ومد جسور التبادل والصداقة الراقية.
في هذا المحفل الذي أقيم به معرض لتكريم الرحالة والكاتبة الفرنسية Odette de Puigaudeau بمدينة نانت الفرنسية تخليدا لرحلاتها الاستكشافية لبلادنا شتاء 2012 قرأت قصيدة الراحل حبيب بن محفوظ بلغة موليير La Mauritanie قراءة شعرية تفننت في إلقائها وتحبيرها بالعزف بحبالي الصوتية وإجادة الوقف ولغة الجسد المعبرة فاندهش الحضور واستكتبونيها فكتبتها من ذاكرتي بلا أخطاء إملائية فازداد أندهاشهم: يا للهول يكتب قصيدة كاملة وبدون أخطاء إنه التمكن من اللغة…! والقصيدة رائعة في وصفها لمشاهد بلادنا الطبيعية أشارككم منها هذه المقطوعة الجميلة:
La lune etait sereine et caressait le sable
Un chameau galopait obstiné inlassable
Et la piste au loin s’étendait s’étirait
Infestée de chacals que la faim torturait
Au loin des arbres des hommes et des bêtes
C’est le coeur du désert c’est la joie et la fête …
Sous la voûte azuré s’étendait l’horizon
Toujours aussi beau quelque soit la saison
Sur l’étendue désertique incommensurable
La lune etait sereine et caressait le sable.

 

 

 

16. أغسطس 2020 - 11:41

كتاب موريتانيا

ذات صلة