كيف السبيل لممارسة السياسة في بلدنا؟ / التراد سيدي

إذا كانت الممارسة السياسية تتطلب أول ما تتطلب كشرط معرفة الواقع بمختلف جوانبه حتى يمكن تكوين رأي معين حول مختلف القضايا و حتى يمكن تحديد الأولويات وترتيب الأمور المناسبة للتعامل مع مختلف القضايا والإشكالات وتحديد سبل المعالجة لكل ما يتضمن الواقع من مشكلات وتعقيدات.. فإنها- أي الممارسة- في الوقت عينه تتطلب شرطا آخر لايقل أهمية عن الأول هو القدرة على التحرك و توصيل الرأي للآخر والتجميع والتنظيم والتعبئة وغير ذلك من النشاطات المتضمنة والمطلوبة لإحداث التأثير في المحيط وكسب مواقع في الواقع.. وهذا لا يمكن إلا بتحصيل قدرة مالية تمكن من توفير الظروف المناسبة فبدون إمكانيات مالية يستحيل تحقيق أي نشاط يتسم بالفعاليةوإحداث التأثير كما أنه بدون رؤية وتصور لمشكلات الواقع لايمكن نشاط أو فعل سياسي يتسم بالأهمية فكل فعل سياسي يتطلب رؤية متكاملة و قدرة مالية تمكن من الجهد المطلوب لتحقيق الغرض منه. فالممارسة السياسية ليست فقط رؤية ومعرفة للواقع إنها أكثر من ذلك جهدا مضنيا وفعاليات واسعة يتوقف إنجازهما على عمل بشري مرتب يتوفر على قدرة مالية تمكن من ذلك.

إن ما نشاهده من ضعف العمل السياسي وتردى وضعف شعبية الكيانات السياسية المختلفة عندنا تسبب فيه عدم توفر الشرطين الضروريين لتحقيق عمل قابل للتأثير في الواقع أي الرؤيا السياسية الصحيحة والإمكانيات المالية المناسبة إن هناك أمورا كثيرة لها تأثيرها ودورها في الممارسة والنشاط السياسي لانرى ضرورة لذكرها لأنها لاترقى إلى مستوى الشرطية التي تتمتع بها المسألتان الرؤية والإمكانيات، فالشرط ينتفي بانعدامه المشروط كما هو معروف !!

إن عدم توفر الشرطين أو أحدهما هو السبب الذي جعل النشاط السياسي في بلدنا غير موجود أو غير مؤثر في الأغلب الأعم مع كثرة التشكيلات والتنظيمات والاتجاهات السياسية ولقد مرت بنا مرحلة بلغ فيها عدد الأحزاب عدد القبائل أو قريبا من ذلك كل ذلك لم يكون نشاطا سياسيا أو اجتماعيا أوثقافيا قادرا على خلق شيء جديد في الواقع..له أهمية وطابع معين.

إن دعاءنا تبني النظام الديمقراطي وتحرير إرادة التنظيم والنشاط السياسي والتعبير بحرية عن الرأي وممارسة الاختيار والانتخاب والترشيح ، كل هذه الادعاءات غير صحيحة إنها مظاهر شكلية فقط ! إن سيطرة الدولة على كل شيء جعل أمورنا جميعها تابعة للدولة فالوظائف والمال جميعه للدولة كل الريع من مختلف مصادره ثروات معدنية أو قروض دولية أو ضرائب داخلية للدولة فمن يرد توجها غير توجه الدولة قد يملك رؤية لأن الرؤية لا يملك أحد القدرة على منعه من تكوينها.. لكنه لن يملك المال المطلوب ولن يستطيع إيصال رسالته وتبليغ أفكاره ولن يجد وسيلة للتأثير بحيث يرشح ويختار ويؤثر إن المجهود المضني الذي بذله البعض ليضمن الوجود والتأثير لم يستطع به التأثير في واقع مسدود النوافذ!! فكيف يستطيع حزب لا يستطيع توظيفا في الوظيفة العمومية ولا تعيين مسؤول في أي قطاع ولا توفير امتياز لأحد أن يضمن انخراط الكثيرين فيه وانضمام نوعيات إليه؟؟

إن القليلين الذين يتسمون بالمبدئية أو الحصافة أو المغامرة ويختارون عملا في تشكيل أو حزب من هذه الأحزاب سيجدون أنفسهم بعد فترة محاصرين بالعجز والإغراء العجز عن التأثير و الإغراء من الجهات التي تستأثر بالمقدرات كلها وتستطيع توفير ما لا يمكن وجوده عند غيرها!!

إن ظروفنا وظروف الدول التي يشبه وضعها وضعنا غير مهيأة لممارسة السياسة بمبدئية وشفافية لأن الفرصة متوفرة فقط للدولة وحزب الدولة فهو الذي يستطيع كسب المستفيدين فعلا والساعين للاستفادة وهم كثر فحزب الدولة هو أمل الجميع بما في ذلك الأفراد وكثير من الأحزاب .. أما الأحزاب ذات البرامج والمبادئ والايدلوجيات فدورها محدود وقدرتها على التطور والتقدم والانتشار يكاد يكون مستحيلا ليس لأن الشعب يرفضها وإنما لأنها ليست وجهة الباحثين عن التوظيف وأنواع الأستفادة وهم الأكثرية ..

لانرى أن النظام الحالي يتحمل وزر هذا الوضع الغريب الذي تنعدم فيه متطلبات ممارسة الديمقراطية الفعلية في البلد لأن هذا الوضع وجد مذ بدأنا نمارس التعددية كما أسميناها لكنه مع الوقت أصبح شيئ فشيئا يسد أفق المستقبل أمام تجربتنا الديمقراطية.. وأصبح وضعنا مهددا بوجود نشاطات وأعمال خارج الأحزاب المشروعة بسبب أنها لم تستطيع التأثير في واقع يحتاج أن تتغير فيه أمور كثيرة..!

إننا نأمل أن يعي المسؤولون أنه لا بد أن تحظى الأحزاب الشرعية الموجودة بوضع أفضل مما هو واقع حاليا لأنه ما لم يمكن التغيير بواسطة النشاطات المشروعة فستنبثق من الواقع نشاطات للتغيير غير مشروعة وهذا هو الخطر الذي يجب وعيه وإدراك تهيئ الواقع لتحقيقه !!!

إننا الآن في مرحلة تتطلب تحديد خياراتنا بين ممارسة ديمقراطية آمنة تتوفر فيها شروط العمل السياسي المعروفة بتوفير الفرص لمختلف البرامج وإشراك الشعب واعتماد اختياره بشفافية وموضوعية، أو نبقى نتبع أسالبنا البائسة في تبني الديمقراطية وتطبيق التوتالرية (حكم الأقلية) ومتابعة وضع لا تتوفر فيه شروط المشاركة والتفاعل والتعاون المثمر بين كل المكونات ،مع ما يشكل ذلك من خطر واضح لا يمكن لأحد تجاهله!؟

 

10. أكتوبر 2020 - 12:36

كتاب موريتانيا

ذات صلة