العلم يؤتى!!! / محمد سالم حبيب

لايختلف اثنان في أن العلم وأهله كرمهم الله تبارك وتعالى، وأعطاهم منزلة خاصة عن غيرهم.

وتعتبر مهنة التدريس من أنبل المهن وأشرفها كيف لا؟ ورسولنا - صلى الله عليه وسلم- وصف نفسه بهذا الوصف حين قال: «إنما بعثت معلما».

وهذا الشرف وتلك القدسية يجب أن يستشعرها أهل هذا الحقل المنتمون إليه والحاملون لمشعله، بحيث يدفعهم إلى الترفع عن الكثير من الممارسات والمسلكيات التى لاترقى إلى الدرجة الرفيعة التي حباهم الله إياها، أو من شأنها أن تحط من قيمة العلم، والتقليل من شأنه وشأن أهله، أما أن يسلكوا مسلكا يؤدي إلى ازدرائهم من الآخرين، فتلك- لعمري- ينبغي أن تكون أبعد ما تكون.

ومن تلك الممارسات، ما نشهده اليوم من عادة لدى الكثير من المدرسين مما يسمى "الساعات المنزلية"، التي تجعل من العلم وأهله بضاعة توزع بالتقسيط على بعض أبناء الميسورين، يظل أحدهم يكدح واصلا ليله بنهاره، دورانا بين بيوت لم تكن يوما مكان مناسبا لتلقي العلوم والمعارف والتحصيل.

إن من يقومون بهذا التصرف، وإن كان عملا يقصد به الشخص تسوية بعض ما لديه من حاجيات ومشاكل مادية تجعله مضطرا لمثل هذه الأعمال، إلا أنه في ذات الوقت يسيء بهذا التصرف لنفسه ولمهنته ولزملائه في المهنة، ولأهل العلم جمعاء.

وكان عليه أن يؤديه بطريقة غير تلك التي نشاهدها من دق للأبواب والوقوف بانتظار شخص غريب لفتح تلك الأبواب، في موقف ليس هو الأنسب لوجود - حتى لا أقول تواجد - أهل العلم والأدب.

وكان الأحسن في ظل هذه الوضعية - إن كان ولابد -  أن يؤجر مكانا لهذه المهمة يجمع فيه هؤلاء الطلبة، الذين سيتنازلون عن بعض كبريائهم، بدافع المسافة التي يقطعون إلى مدرسهم، إضافة لرهبة المكان الغريب المخصص لعملية التدريس، المختلف عن الأجواء المنزلية وإكراهاتها.

إنه المكان الذي  يلمس فيه المتعلم بأن غيره يشاركه هذا العلم حتى لايشعر بالاحتكار الشخصي للعلم والمعرفة، وما ينجر على ذلك مستقبلا من تصرف يتنافى والتعاون وروح الفريق.

إن العلم أيام كان يؤتى كان له ذلك الألق وتلك القدسية، وحين أصبح بضاعة يوقف بها على كل باب يستجدي أهله بعض سقط المتاع من ذوي الحظوة و النشب وحين أصبح البعد المادي هو السيد؛ فقدت العملية التعليمية الكثير من بريقها، والكثير من مفردات الاحترام، كما فقد الهدف منها الذي هو المردودية والأخلاق التي تنعكس إيجابا على ذويه وحامليه وطلابه.

وهو ذاته ما كان حالهم، أيام الكرامة والعزة والشموخ والقداسة، حيث لاطالب يمكنه أن يسلك طريقا مرّ منه مدرسه احتراما وإجلالا، أحرى أن يغيب التقدير بينهما، كما هو شأن واقع اليوم.

فترة خلت، كان فيها الطلاب ينهمكون في ما أمكن تحصيله من معارف ومهارات بمعية مدرسيهم الذين كانوا يستشعرون عظم المسؤولية وثقل الأمانة، ولا يبخلون على طلابهم بكل معلومة أو طريقة من شأنها إفادة طلابهم، كما كان التنافس الإيجابي على أشده بين الطلاب من جهة ومدرسيهم من جهة أخرى. 

لا صوت يعلو على الجدية والمثابرة والنقاشات الجادة المثمرة، التي تخفي وراءها بحثا دؤوبا وحرصا منقطع النظير على الاستفادة ما أمكن،  مستغلين ماهو متاح من الوقت وتوظيفه لأبعد الحدود، في مايعود بالنفع عليهم.

عكس ما نراه اليوم من تنافس في غير المفيد ، تنافس محموم على كم المدرسين الذين يزورون البيوت آناء الليل وأطراف النهار، دون الاهتمام بمردود هذه الجحافل من المدرسين، ومدى انعكاسه على مستويات التلاميذ، لأن العصر عندنا، أصبح عصر الظواهر الصوتية.

طلاب يتبجحون بمسائل لاعلاقة لها بالعملية التربوية.

ضاع بذلك التعليم والمدرس والتلميذ، وسارت مستويات طلابنا وأخلاقهم نحو الحضيض والهاوية.

إن كل ما نشهده يوميا مما يسطر على صفحات التواصل الاجتماعي، بشي ويبين عن كل تلك الاختلالات ويخرجها للنور، وتفضح تلك الحروف أصحابها، التي تخبئ وراءها حقيقة المستويات الدراسية لأصحابها.

إن التعليم بحاجة إلى من يرد له الاعتبار ويقدره ويقدر أصحابه، الذين يجب ان يطلعوا هم أنفسهم أولا بتلك المسؤولية قبل غيرهم، ويعطون النموذج الحسن باعتبارهم قدوة لغيرهم، مترفعين عن الكثير من المسلكيات التي لاتتماشى وقدسية هذه المهنة،

مستلهمين - حينئذ - قول القاضي الجرجاني:

 

ولو أَن أَهلَ العلْم صَانوهُ صَانهُم

ولو عَـظَّمـوهُ في النُّفُوسِ لَعُظِّمَا

 

ولكـنْ أَذَلُّــوهَ فــهَــان ودنَّســـوا

محــيَّاه بالأَطـمَاع حتـى تجهَّما.

19. ديسمبر 2020 - 11:57

كتاب موريتانيا

ذات صلة