القوى الإمبريالية ومَنطِقْ الحَجْرِ / أحمد جدوولد محمد عمو

("مالي، إقليم أزواد"، الابن الذي لم يبلغ الحُلُم بعد )

في هذه اللحظات التي أدون فيها هذه الحروف، تدور هناك  حرب ضروس بين قوات غازية(فرنسية، ألمانية..) ضد معاقل ما يسمى بالحركات الجهادية أو المتطرفة في منطقة إقليم أزواد ذي الأغلبية الامازيغية "التاركية". ضحايا كثر سقطوا بين قتلى وجرحى من الاطراف ومن المدنيين العزل الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما جرى وما يجري في هذه الأثناء.

قد يبدو هذا التدخل العسكري المباشر من قبل القوات الفرنسية في هذا الإقليم مدعاة للتعجب والغرابة لدى البعض، بيد أنه عند استنطاق التاريخ ولو من جزء يسير منه نلاحظ وبجلاء تلك العلاقة وذلك الخيط الرابط ما بين ذلك الإقليم ومستعمرته السابقة، علاقة لم تشأ هذه الأخيرة أن تَنْبَتَّ وإنما أرادت لها البقاء و الاستمرارية ولو إلى حين.

 تعود علاقة الدولة الاستعمارية السابقة "فرنسا" بالمنطقة عندما تنادت القوى الإمبريالية لمؤتمر برلين سنة (1884) لتقسيم الكعكة الإفريقية، ليجتاح جنود القوة الاستعمارية  حصتهم من تلك الكعكة ضاربين بيد من حديد كل من يرفض الرضوخ لسلطتهم الاستعمارية، وقد وسعت فرنسا من نفوذها وبسط سيطرتها على مناطق شاسعة من القارة السمراء غربها وشمالها وفي الوسط والجنوب وإن كان استعمارها لذلك الاقليم بالإضافة إلى المجال الموريتاني هدفه ربط مستعمراتها في غرب إفريقيا بشمالها، كانت فرنسا عكس غريمتها بريطانيا البراغماتية والتي  لا تركز على اتساع الرقعة الجغرافية بقدر ما تهتم بالثروات الطبيعية والمواد الاولية ومدى توفرها في المناطق التي تبسط نفوذها عليها،

 لقد استدعينا هذه المعطيات التاريخية لفهم السياق العام الذي استولت فيه القوة الاستعمارية السابقة "الحالية" على إقليم أزواد الذي بقي يرزح تحت نير الاستعمار حاله كحال باقي مستعمرات القارة . وحينما أُجْبِرت فرنسا الاستعمارية على مغادرة أراضي نفوذها جراء وطأة المقاومة وحركات التحرر التي عرفها العالم  والمنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن لديها بدٌّ إلا أن تخرج صاغرة تجر أذيال الهزيمة، وإن كانت هزيمة مؤقتة قد كشفت الأيام عن أنها لم تكن إلا خطة مبيتة دبرت بليل.

 قال الفرنسيون للأفارقة  تريدون الاستقلال؟؟ نعطيه إياكم لكن سيكون استعمارنا لكم من نوع آخر، ستندمون عندما نغادركم سنجعل مصيركم رهن إشارتنا ، فعلوا ذلك ورب الكعبة عندما نطق لسان حالهم بالقول ، نُخبَتكُم التي ستتولى أموركم العامة نحن من ربَّاها وبثقافتنا أتْرَعْنَاهَا فلا نسأل حينها عن مصالحنا متى شئنا أخذناها، وليت ذلك وحده، بل ذهبت الإمبريالية الفرنسية إلى أبعد من ذلك حينما قامت بتقطيع أواصل مجموعات إثنية بين دول مختلف "سياسة فرق تسد" وهذا ما وقع للشعب "التاركي"(في مالي، الجزائر، النيجر، ليبيا، بوركينافاسو...)، الذي وجد نفسه "مثل الأكراد(في العراق، سوريا، تركيا)" مشتتا بين دول مختلف، وما نجم عن ذلك من أزمات وقلاقل خطيرة، لا تزال تداعيتها ماثلة للعيان، وما يجري في إقليم  أزواد خير دليل على ذلك.

لقد ألحقت فرنسا إقليم أزواد لجمهورية مالي إبان منحها الاستقلال خلال الستينات من القرن الماضي، على الرغم من البون الشاسع في لغة وثقافة وتقاليد ساكنة الاقليم وباقي سكان مالي ذوي الاصول الزنجية، ولم يكن هذا الامر اعتباطيا بقدر ما كان عن قصد ووعي كاملين ولأغراض في نفس المستعمر، لم يعرف الاقليم الاستقرار، تَمَرُّدٌ وحركات انفصالية تارة تطالب بالاستقلال وتارة تريد الحكم الذاتي ضمن الدولة المالية، واجهتها حكومات مالي بالقمع أحيانا (1961،...،1990،2012) وبالمفاوضات أحيانا أخرى، إلا أن التمرد "أو الثورة التاركية" الاخيرة التي حدثت في ظل أجواء ما يسمى بالربيع  العربي الذي خلق وضعية أخرى دخلت فيها الحركات الجهادية "المتشددة" على خط المعركة عندما اشتد عودها وزادت شوكتها مستفيدة من السلاح الليبي الذي أصبح دُولَةً بين الحركات المسلحة في شبه المنطقة مما حدى بها إلى تغيير ميزان القوة لصالحها، لتجد حركات تحرير أزواد الطارقية ذات النزعة الانفصالية  نفسها بين خيارين أحلاهما مر، إما الانخراط في حرب خاسرة لا  قبل لهم بها مع حركات جهادية تعاظم نفوذها، وإما العودة إلى المربع الاول والتفاوض مع الدولة الأم، لكن هذا الخيار الاخير تم استبعاده بحكم الحقائق على الارض التي بدت فيها الدولة المالية منشغلة بترتيب بيتها الداخلي بعد الانقلاب الذي أطاح برئيسها من طرف بعض الضباط من ذوي الرتب الصغيرة، الذين حمَّلوا الرئيس مسؤولية تقسيم البلاد فثاروا لأجل استرداد الارض وحفظ الحمى وبسط سيادة الدولة على جميع أرجاء الوطن، لكن يبدو أن ذلك التصور لا يعدو كونه أضغاث أحلام كانت تراودهم فلاهم بالمحررين لشبر من البلاد ولا الحركات المقاتلة تكترث بقوة الردع عند الجيش المالي وهو الذي فقد المئات من عناصره وبلدات كثيرة البعض منها يقع خارج إقليم أزواد أثناء المواجهات بين الطرفين، خلال الفترة الماضية،

في ظل هذا الوضع المتأزم الذي أبَان عن عجز الجيش المالي عن القيام بواجبه تجاه الأرض والوطن، سارعت القوى الامبريالية الغربية بالتدخل العسكري المباشر ممثلة في فرنسا...، للحيلولة دون تقدم الحركات المسلحة نحو الجنوب ولمَ لا دحرها ومطاردتها خارج الإقليم؟، وهذه القوة الإمبريالية بذلك تقول بلسان فصيح لابنها السابق الحالي "مالي" أيها الابن إنَّك لمَّا تبلغِ الحلم بعد، ولمَّا تفهم الدرس بعد.

وإنك لتعجب عندما ترى بعض المواطنين الماليين يحملون الأعلام الفرنسية احتفاء بالقوات الفرنسية وهي تحط بكامل عدتها وعتادها في الأراضي المالية، ما أشبه اليوم بالبارحة، يذكرني ذلك المشهد بقدوم القوات الأمريكية الغازية للعراق وما لاقته من ترحاب من بعض أتباع نظام الملالي في بلاد الرافدين، وأنا هنا لا ألُومُ أشقَّاءنا الماليين المسالمين على فعلتهم هذه، بل اللوم كل اللوم على تلك الحركات المتشددة التي جعلت من الدين مطية لإفساد العباد والبلاد، فما ذنب مالي...؟ أليس لها الحق في وحدة ترابها؟ إذا كانت هذه الحركات "الجهادية" تريد مقاتلة الغرب فل تقاتله في عقر داره لا أن تجعل هذه الشعوب التي ترزح تحت وطأة الفقر والجهل والصراعات والمشاكل الاجتماعية بين مطرقة قوة غربية غاشمة تقصف بكل عنجهيتها جوا وبرا لا تفرق بين المقاتل والمدني، وسِندَانِ حركات متطرفة تكفر وتهجر وتخرب وفي أحيان كثيرة تقتل.

 هل يعتقد من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شاهد على ما يحاك لهذه الأمة أن بني الاصفر يحرصون على وحدة الأراضي المالية أو .... وهم الذين يتفرجون على دماء وأشلاء الشعب السوري أم أن هذه الأخيرة لم يحالفها الحظ في الحصول على نصيب ولو يسير من ثروات باطنية طاقية في حين أن إقليم أزواد يحتوي على كميات ضخمة من النفط والغاز في حوض تاودني، قد يكون ذلك هو مربط الفرس وحلا للغز، فالعروض الباردة التي تقع ضمنها هذه الإمبريالية تجعلها تحرص على تأمين الحصول على مصادر الطاقة حيثما كانت، والحفاظ عليها من أن تنالها أيدي العابثين.

لك الله يا شعب أزواد، و أرجو أن لا تصيب شرارة النيران بلدنا الحبيب بسوء، فالحرب قد دارت رحاها، إلى متى ستنتهى؟؟؟ الله أعلم، قرار إعلان الحرب أمر سهل لكن قرار إيقافها أمر غير متحكم فيه.

13. يناير 2013 - 8:53

كتاب موريتانيا

ذات صلة