للإصلاح كلمة توضح أسباب الانفلات الأمني المذكور في الساحة الوطنية / محمدّو بن البار

  كلمة الإصلاح تري بعد عودتها بعد رمضان إلي الساحة الوطنية أن تبدأ بقضية شرح أسباب  الانفلات الأمني الذي أصبح هو حديث الشارع الوطني.

وقبل شرح هذا السبب نريد أن يتركز في ذهن المواطن أن الواقع هو أن الدولة هي التي انفلتت عن الأمن، وتركته كأنه لا أصل له ثابتا في الدول.

وعند تعريف ما هو الأمن، ومن هو الضامن له، وما هي مواضيعه عند الدول، وما المراد به، فسوف يتبين بوضوح أن الدولة هي التي انفلتت عن الأمن، فالأمن يعرف في بنيته في الدولة بأنه هو عيون الدولة في كل شيء يتحرك فوق أرضها أي علي عامة حدودها طولا وعرضا، وكلما صح هذا النظر وأصبح حادا يظهر سرعة حركة الدولة إلي الأصلح في كل مجال.

أما الضامن لوجود الأمن وحدة نظره الدائمة فهو رئيس الدولة حيث ينص الدستور علي أن رئيس الدولة هو الضامن للحوزة الترابيه ونشرالسكينة وعموم الهدوء فوق أرضها، وبحفظ أرواحها وممتلكات مواطنيها وحرية تحركهم فوق وطنهم.

أما مواضيع الأمن فزيادة علي كلمة رعاية كل ما تحرك أو سكن فوق أرض الدولة داخل حدودها فإن تفصيله يعني أن هناك هيئة قادرة بالعدد والعدة والفنية علي مراقبة جميع الميادين التي تتحرك الدولة داخلها : الميدان السياسي، الميدان الاقتصادي، الميدان الثقافي، الميدان الاجتماعي، وكل ما تفرع من هذه الميادين وهو معروف لدي المواطنين، ولذا أول التعليمات التي يسمعها الداخل في سلك الشرطة من أستاذه الأمني :هو أن علي الشرطي أن يكون هو أول  من يدخل المسجد ولو لم يصل فيه، وأول من يدخل الحانة ولو لم يشرب، لأن الدولة يعنيها الجميع.

فجميع هذه الميادين حمل رئيس الدولة رعايتها لوزير الداخلية الذي أعطته الدولة السلطة الكاملة علي جميع الولايات وما تفرع عن إدارتها، كما أعطته من القوات كل في ميادينه ما  تتم به السيطرة علي رعاية كل الميادين، ولأجل ذلك نظمت وحددت لكل هيئة من القوات عملها في الدولة مع تبعيتها المباشرة للإدارة الإقليمية التي يتابعها وزير الداخلية لحظة بلحظة وطارئة بطارئة.

وهذا التقسيم يعني أن رعاية هذه الميادين في المدن الحضرية خاص بهيئة الشرطة، ولذا تعريفها هو "هيئة الأمن الحضرية"، أما في القرى والبوادي فإن رعاية الميادين علي هيئة الدرك، ولذا خول القانون الجنائي لأصحاب رتبهم مزاولة الصفة الضبطية، وهيئة الدرك هذه تابعة إداريا وتسييرا لوزارة الدفاع لأنها هي الشرطة القضائية للجيش، ولكن عملها الأمني في جميع الميادين تابع للإدارة الإقليمية التابعة لوزارة الداخلية مباشرة.

أما الحرس الوطني فهو هيئة عسكرية عملها وتسييرها تابع لوزارة الداخلية وهي مخصصة لحفظ الأمن يتدربون عليه، ولكن تدخلهم عند انفلات الأمن المفاجئ الذي يكون ضغطا أكثر علي هيئاته المخصصة له في الحضر والبادية كما أنها مساعدة للإدارة الإقليمية في عملها اليومي الروتيني في الإدارة للمواطنين، وتتحمل هيئة الحرس كذلك حراسة الأشخاص والمنشآت الأساسية في الدولة، كما أنها تشارك الجيش في العمل العسكري أي القتال عند إعلان الدولة للحرب، أما الجيش فلا علاقة له بحفظ الأمن داخل ا لوطن تحت أي ظرف إلا إذا استدعته الدولة للتدخل لرد الهدوء إلي أصله بعد عجز جميع الهيئات الأخرى عن ذلك، وتنتهي مهمته بانتهاء ما استدعي له.

ومن هنا نعود إلي البداية وهي عمل الهيئة الحضرية أي الشرطة في جميع الميادين أعلاه في الحضر، فالشرطة هنا ينقسم عملها إلي الفروع الثلاثة التالية: الأمن العمومي لمنع وقوع الجريمة، وعلي رأسه شرطة المرور، الشرطة القضائية لعمل الشرطة بعد وقوع الجريمة، شرطة الاستعلامات للحيلولة دون وقوع أي جريمة في جميع الميادين ولا تختص بميدان عن ميدان، فهي تراقب الجميع عن طريق أدواتها لذلك، فتراقب الميدان السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي ، ويدخل في هذه المراقبة صلاحية عمل كل شخص في ميدانه وعندها لذلك الوسائل الفنية والمعنوية، وكل هذه المراقبة لتجعل نتيجتها بالتقارير اليومية بين يدي المدير العام في كل صباح وما يعني الوالي منها غير الميدان السياسي الذي يعني مباشرة وزير الداخلية عن طريق المدير العام للأمن الوطني.

وكل فروع عمل الشرطة الثلاثة : الأمن العمومي، الشرطة القضائية، الاستعلامات، تعمل لأقصي جودة للمهمة المسندة إليها والمعول علي جودتها من طرف جميع المواطنين.

هذا الأمن بهذه الصورة أعلاه حصل الشعب علي الاستقلال ووجوده صفر في الدولة لعدم وجودها تقريبا، إلا أن المشرفين علي تأسيسها آنذاك من العدم يعرفون بمدنيتهم وذكائهم عمل الشرطة كما هو أعلاه.

ونشأ الأمن كما نشأت الدولة خطوة بخطوة موزونة في الجميع، إلا أنه ولله الحمد أصعب ما يكون في الأمن هو مكافحة الجريمة، وكان جميع طبقات الشعب الموريتاني لا يعرف الجريمة ولاسيما في الأرواح والممتلكات، وكان كل شيء جار علي ما يرام حتى وصلنا بالضبط إلي العشرية الأخيرة من حكم معاوية أي بعد الأحداث الداخلية وخلق الديمقراطية الفوضوية العسكرية حيث فقدنا معني الدولة لجميع أركانها.

وبيعت موريتانيا للدول العظمى أو للرأي العام الدولي خوفا علي نفسها بمصير رؤساء العرب الذين لا قيمة لشعوبهم عندهم، وما أكثرهم مثل مصر والعراق والخليج والشام.

ومن هنا انفلتت الدولة عن الأمن لأن ميادينه كلها أصبحت مباحة لكل من هب ودب ففقدنا كرامتنا بالاعتراف بإسرائيل وفتح سفارتها، وحولنا إسلامنا إرهابا فقطعنا العلاقة مع كل ثقافة إسلامية وسجنا علماءنا بسبب إعلان بوش بإرهابية الإسلام كله.

وبذلك أرجعنا تقدم تعريبنا إلي الفرنسية وأضعنا بذلك عشر سنين من تعليم ناشئة شبابية كانت تقريبا كلها عباقرة في العلوم لتعلمها بلغة الأم من أساتذة الوطن.

واستبيحت ميزانية الدولة وأعطيت لكل من يحمل ما فوق صوته للانتخابات الشكلية التي أصبحت ابتلاءا لنا علي طريقتها آنذاك إلي يومنا هذا، فالنفاق هو سيد الاكتساب من الانتخابات وبينما كنا نعيش في تلك الظلمة الدهماء جاء الانقلاب الأول للرئيس السابق علي معاوية.

وبما أنه ينقصه كثير من الأساتذة – أستاذ العلم- بلفظه العام أستاذ الأخلاق والمعاملات مع المخالف في الرأي، أستاذ الفكر  إلي آخره إلا أن كل ذلك عوضه بأستاذ الشجاعة المقتدر، ولا شك أنه بها خطط لإرجاع كثير من المفتقدات الدولية مثل إرجاع هيبة الدولة المالية وهيأ الدولة لبناء جديد يمكنها من الوقوف ولو إلي نصف قامتها، وبدأ البناء أولا إلا أن قلة العلم في أي موضوع لا يستقيم معها أي بناء.

وما إن وصلنا إلي الانقلاب الثاني حتى أخذت الدولة أخذها شخص واحد كأنها أجره علي الانقلابات، فلم يبق عملها كله يحتاج إلي رأي شخص ثان- فتخلصت من آخر لبنة من الأمن العمومي مثل الإدارة الإقليمية والشرطة ، بمعني لا عمل لوزارة الداخلية إلا بأخذ الوزير راتبه، وأصبح جميع القوات تصلح للعمل في كل مكان، فقسم أمن انواكشوط بين جميع القطاعات ليليا وتداخلت الاختصاصات وانتهي الأمن الموصوف عند الدول المسنود لأهل الاختصاص.

فالتقارير التي كانت يبلغ بها المدير العام يوميا ليبلغ بها وزير الداخلية أًصبحت أُثرا بعد عين، فأنشأ الرئيس هيئة التجمع ليتولي جانبا من تركة الأمن وهو المرور الذي هو أهم ركائز الأمن العمومي، وانتهت الاستعلامات الي تولاها الحزب الحاكم بشكل تعليمه الخاص " صوكو فوكو" وانتهت فنية الشرطة القضائية وأبحاثها فالمهم أن يصل المجرم إلي القضاء ليقول كلمته التي أصبحت حزبية.

ومن آثار انفلات الدولة عن الأمن في العهد السابق تلبسنا بمبيقة العصر التي لا توجد في أي دولة، فمن وقف الآن أمام الأمم المتحدة وأعلن أي دولكم تجعل رائدا من الجيش أو الحرس مديرا جهويا للمرور فسيرفع ممثل موريتانيا وحده يده، وما ذلك إلا آُثار انفلات الدولة كلها عن أساسها.

وللموضوع بقية في مقالات متتالية بإذن الله.

 

23. مايو 2021 - 1:53

كتاب موريتانيا

ذات صلة