تنازع القيم / السالك ولد الشيخ

فى بادية "ول بو ن " فى الجنوب الموريتانى كانت أسرة "بون" قاطنة على رغد من عيش

وبسطة من رزق ، أبقار كثيرة وأغنام هى تلك التى تَبَرَّك بالمكا ن عندما تغرب شمس كل   نهار .

وكان "بون"  رجلا صالحا زاهدا فى الدنيا ، وكأنها تبعته وهو عنها راغب

فجرَ كل صباح يصدح "بون " بالأذان فى مسجده الخشبى ، ولوتراه المرة تلو المرة

ذاهبا إلى المسجد متوكئا على عصاه

وقد أكل الدهر جسمه حتى صار ظهره محدودبا أشبه ما يكون بقوْس من

من قِسِىّ صعاليك جزيزة العرب أيام كانوـ لعلمت أنه يحكى قصة فى عظامه النحيلة ...

بعد الصلاة من كل فجر يعود  الى خيمته الخاصة التى أعدت لتعليم أطفال الريف فيتجمع الأطفال حوله ويحفظون ماشاء الله لهم أن يحفظوا

فى يوم من الأ يام خرج  عن عادته ودعى الأطفال أن اقتربو ا وبدأ يحدثهم :

أنتم أبناء أمة فاضلة اشتهرت قديما بالعلم ،والأخلاق ، والأدب ، وحسن المعاملة .

    فلا يغرنكم ماترون من هؤلاء الشباب الذين يفدون إليكم من المدينة ، وقد أشربت قلوبهم

    أفكار ا جديدة لم نكن نعرفها............... وينهى كلامه.

   الأ طفال يطأ طئون رؤوسهم ويقبلون يد الشيخ وينصرفون

  

   يعود بون إلى كوخ أسرته عاقدا أكمام فضفاضته على كتفيه ،ويجلس على بطانيته البالية

  وكأن بين البطانية وتكاميش وجهه علاقة وطيدة ...

  نعم ، هى مخالب الأيام قد سحبتها عليه ، وهى عواصف الريح وهجير القيظ قد تعاملت

  معه بشدة  .

  تنظر فاطمة " زوجة بون" إلى حكايات بشرته فتنفعل من الداخل وتنهك هى الأخرى أسى على حاله

       

 "بون" يحملق بعينيه ويرفع إلى ربه دعاء صامتا أن يرزقه من الولد بعد أن بلغ من الكبر عتيا

وكان بون قد رزق قبل عشرين سنة ابنه الأكبر والوحيد "حسين" 

لكن "حسين " ما إن دخل صالة الشباب وبدأ يصعد أدراجه حتى أكبت به موجة عنيفة من الأحلام إلى "المدينة " ثار"حسين" ثورة هائلة على "البادية" وتقاليدها وبدأ يعيد تهيئة ذهنه  "ويفرمته"  من جديد  ...

تمر الليالى والايام ويبين الحمل ب "فاطمة" ويعود إلى بون شى ء من رشاقة البشرة  والأمل فى السعادة بالولد، و صد ق الله (المال والبنون زينة الحياة الدينيا) .

السعادة تغمر فاطمة من كل النواحى وترى فى حملها ــ بعد مدة كافية لتصديق الظن بأن صفة العقم قدحلت بها ـ  بداية تحول جديد فى حياتها وحياة زوجها العجوز

صباح يوم الأحد تطلع الشمس وبون  قادم من المسجد فإذا بسيدة كبيرة ملتفة فى عباءة سوداء  تدلف إلى كوخهم الصغير فيقع فى نفسه شى ء

 فينقلب مندفعا الى خيمة الأطفال تحسبا لجديد قد يطر أ على "فاطمة" ، بعد ساعات قليلة يدخل أحد الاطفال على بون مبشرا إياه بمولوده الجديد .

قضى الله ان كان المولود بنتا لكن لا كأى بنت فى قومها إنها بنت بون شيخ الحى، وإمام المسجد، ومعلم الاطفال ومربيهم، صاحب المال الكثير، والنسب الزكى .

اتفق بون" وفاطمة" على تسمية ابنتهم الجديدة ب "أمينة"

كبرت "أمينة" رويدا رويدا تحت نعيم ابيها وبين خدمه وحشمه .

بدأت : " أمينة تخرج مع أطفال الحى، وهى بين صويحباتها شمس من شموس الجمال، وزهرة من أزهار الدنيا .

 

رزقها الله جمالا حتى لكأن الشمس حلت فى جسمها وكأن روحها أنفاس من العطر الخالص .

"زيدان" ابن عم لأمينة تلقى تعليمه من قبل على يد أبيها وهو واحد من أبناء البادية المخلصين     ــ  تقع عينه عليها لأول مروة فيذهل لشديد جمالها وعظيم حسنها .

يقع فى قلب زيدان أمر عظيم (الزواج بأمينة) يهرول سريعا ويلقى بنفسه على حصيرجنب  أمه

 

ويتنهت، ثم يتأوه ويمضى بهاذا وقتا ، "أم زيدان" تلتفت إليه ما لك يابنى ... لست على طبيعتك

يبوح زيدان بما يكتم من ســر ...

ــ لا عليك يابنى هذا امر سهل فلان معلمك وأبوك وبيننا واياهم علاقة وطيدة، وأمينة

لا يمكن إلا أن تقبل بك زوجا، ثم تخطف "أم زيدان" بسرعة شديدة أحذيتها وتسارع  الى خطبة أمينة عند أهلها ...

"بون" كل الأمر إلى إلى فاطمة وابنتها أما أنا فسعيد بهذا وراض .

"فاطمة" ما أحسن ماجئت به "يأم زيدان" ولكن أمينة الأن بنت خمسة عشر سنة، فأمهلونى سنة واحدة لتكبر قليلا ...ولأرتب بعض الأشياء .            

"أم زيدان" قبلت ورضيت، ثم تكر"أم زيدان" عائدة إليه فتجده يحلق بعيدا فى عالم الخيال

فتخبره الخبر وهو يرتجف ، ثم يحمد الله ويبتسم ...

فى الصباح الباكر انتشلت "أمينة" نفسها من تحت ركام النوم ولمعت أسارير  وجهها وبرقت أسنانها العذبة واقتربت من والدتها وأخبرتها الوالدة الخبر

طلعت سحابة صمت محزنة على وجه أمينة لم تتعرف معها فاطمة على شعورها

لكن الأيام كانت كفيلة بأن تكشف عن حبها لزيدان .

"بون " مسكين "حسين" يولد لأهله بعده ويشرف المولود على الزواج وهو لا يعلم عنهم شيئا ، ليت الأيام ردته إلينا ، وعلمته أن الخاسر من يفر عن أبيه وأمه ويترك قلوبهم تحترق حزنا وتأسفا. جرت الرياح هذه المرة بما اشتهته سفينة "بون"

سيارة صغيرة تقف فى المكان ، شاب قصير الأعضاء، ممتلئ البطن قليلا، ينزل من السيارة ...

" فاطمة " فى نفسها هل يمكن أن يكون القدر أعاد إلى ولدى بعد كل هذه المدة "بون"

حسين !! حسين!! إنه هو، ويندهش بكاء ...

"حسين" يرمى بنفسه فى حضن أمه ويبادر بتقبيلها وشمها ، ثم يفعل بأبيه كذلك

فرحة ‘عارمة غمرت "آل بون " فى تلك اللحظات وسادت الجو ابتسامات وارتسامات على الوجوه لا تخفاها العيون .

" أمينة " تسلم على أخيها الذى لم تره فى حياتها

"حسين" يهدى  لأخته هاتفا  قد غصت ذاكرته با لأغانى ،والأفلام ، والمحاضرات ...، ويفاجئ الجميع بأن عودته  إلى العاصمة ستكون قريبا ، تنهمر الدموع من والديه ويعجزان عن التعبير لأن الحياة علمتهما أن "حسين" لا يرعوى عن إرادته .

"أمينة " تتعرف على هذا العالم الجديد !!!

فمرة تسمع المحاضر ، نتيجة لضيق المكان، ولأن والدها دوما يراقب كل وافد فضلا عن هاتف غريب غرابة (كوزفى طائرة، أوثلاجة تحت خيمة الوبر)

ولا يزال نزع الشباب وعنفوانه يجذبان البنت رويدا رويدا إلى فك الافلام وسماعى الأغانى الماجنة ، حتى  دار بخاطرها ما دار وفعل الهاتف فعلته فى القلب البريء ...

أصبح عالم "أمينة " المفضل ليس العالم الذى تسكنه ، وأصبح "زيدان" بالنسبة إليها شىئا    ثانويا لأنه لايمثل رغباتها الوليدة ...آه !

أمينة تبحث عن حل لإفراغ شحنة أحلامها الجديدة ، فتجد قصة طالما تمارض بها بنات الريف الحالمات بالمدينة إنها قصة "الضرس العليلة" التى تخول لفتيات الريف الذهاب للدواء فى المدينة ومن ثم يتسع شرخ البعد بينهن وبين البادية ...

قبل "بون" الفكرة على مضض وقرر أن تسافر "أمينة" مع أخيها للدواء ثم العودة سريعا

لكن "حسين" شاب متهور منذو صغره فما إن كادت أخته تصل إلى العاصمة حتى سلمها مفاتيح الحرية المطلقة التى طالما فقدتها، إنها حرية بلا حدود يرى صاحبها الباطل حقا لأنه يهواه والحق باطلا لأنه يكرهه .

تسارعت أمينة مندمجة فى حياة المدينة، وصارت من حينها تأكل الطعام وتمشى فى الأسواق

بلا خجل

أصدقاء "حسين " نفر من أبناء السيجارة يرضعونها ليل نهار كما يرضع الفصيل أمه .

أصبحت صانعة شايهم الوحيدة وحاكية قصصهم هى "أمينة" بلا منازع بل أصبحت خلا صة الامر أن "أمينة" هى العاشقىة والمعشوقة ...

 

فى الثامن والعشرين من نفنبر تعرض التلفزة الوطنية فيلما وثائقيا عن موريتانيا "الأعماق"

فتفيق أمينة من غفوتها كما يفيق الشارب السكر ، فتتذكر أيام الطفولة وحياة الأنوثة التى أصبحت عندها على وشك الانهيار 

بل وتعود بها الذاكرة إلى أخلاق الرجال ، وتتراءى لها صورة زيدان ضاربا حزاما أسود على وسطه: يقرى الضيف ، ويحمل الكل،ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الدهر،فتحن حنينا إلى باديتها ، وتعود.

طويت  صفحة مظلمة من تاريخ "أمينة" , وتحققت أحلام "بون " و"زيدان" ...

وأسدل الستار ...

11. يناير 2013 - 21:48

كتاب موريتانيا

ذات صلة