لنتعاقد مع الأطباء الموريتانيين..!! / حبيب الله ولد أحمد

فكرة استجلاب أطباء من دول شقيقة أو صديقة، والتعاقد معهم لضخ دماء جديدة ( حارة أو باردة ) في قطاع الصحة بموريتانيا، تبدو للوهلة الأولى فكرة رومانسية طيبة، وربما ضرورية أيضا، بالنظر لضعف التغطية الصحية ونقص الكوادر الطبية المتخصصة، وانحطاط البنية التحتية والتجهيزية للقطاع خاصة في داخل البلاد، غير أن هذه الفكرة تحمل في طياتها معطيات خطيرة، قد تنسف كل جهود الدولة الموريتانية الرامية لإنقاذ قطاع الصحة، ومن تلك المعطيات :

-  كون الفكرة في أصلها مجرد تعبير رسمي ضمني عن انعدام الثقة بين الحكومة الموريتانية وموظفيها، في مجالات الطب والصحة العمومية.

-  اعتراف من الحكومة بأنه بمقدورها الصرف بسخاء على قطاع الصحة، لكنها تستكثر على مواطنيها من عمال القطاع زيادة رواتبهم، والالتفات نحوهم، والتحسين من ظروفهم المعيشية والمهنية الصعبة ميدانيا، بينما تنفق بسخاء على الأجانب، ولا يهمنا هنا هل ذلك الإنفاق يأتي من الخزينة الوطنية، أم من هبات أجنبية، فالمهم أنه موجود ومعتبر ومثير للجدل .

-  محاولة من الحكومة للتغطية على فشل وزارة الصحة، وإظهار فشلها على أنه عائد فقط لعدم وجود كفاءات وطنية في القطاع، وبالتالي يتم استجلاب أطباء أجانب لتحميل الأطباء الوطنيين مسؤولية ذلك الفشل، ويظهر هذا التصرف الأرعن أن فكرة استجلاب الأطباء الأجانب ليست أكثر من خطوة "ترقيعية" فاشلة ( تذكرنا بما يقال عن المرأة في عصور سحيقة حيث كانت الثياب شبه منعدمة وتحصل المرأة على قطعة قماش صغيرة جدا تضعها أمام أحد خيارين مريرين لا ثالث لهما فإما أن تغطى رأسها ووجهها لتكشف بقية جسدها وإما أن تغطى ما سوى الرأس والوجه لتتركهما مكشوفين ل"الأجانب"..فالحكومة لن تستفيد شيئا من استجلاب الأطباء من الخارج، لأن أزمتها هي في البنية التحتية، والتجهيزات الطبية، وغياب رقابة صارمة على الأدوية، للتأكد من جودتها، وباستجلاب أطباء أجانب فإن الحكومة تكون فقط قد غطت جزء من رأسها، وقليلا من ملامح وجهها، وعرت –بإهمالها لضرورة استجلاب المعدات والتجهيزات الطبية وترميم المؤسسات الصحية وتوسيع نطاق التغطية الصحية والوقائية - بقية جسدها، في زمن لم يعد يثمر فيه "التوت" ولا ورقه الذي كان ذات تاريخ يكفى لستر العورة..!!

-  استهتار يصل حد الاحتقار لعمال قطاع الصحة، ويخلق أزمة أخلاقية معنوية حادة بين وزارة الصحة وعمالها الوطنيين، وبين هؤلاء العمال وضيوفهم، الذين سيتحولون إلى مجرد بؤرة احتقان متقيحة في القطاع، يستعصى علاجها على كل مسكنات الألم، ومضادات الالتهاب والإنتان، إذ ليس محترما أن يعمل مواطن موريتاني براتب يقل عن 100ألف أوقية، في نفس الغرفة مع عامل أجنبي يتقاضى 3000 أورو (حوالي مليون أوقية ) مع استفادة الأجنبي من علاوات النقل والسكن والتحفيز والساعات الإضافية، فهذه الوضعية العرجاء ليست ظالمة ومشينة ومدعاة للتعقد فقط، ولكنها أيضا تدفع العامل الوطني للإحباط والشعور بالدونية، وبالتالي القضاء على أية مشاعر وطنية لديه، حيث لن يستمر في الإيمان بوطن يمنح الأجنبي كل هذه الامتيازات، ويترك مواطنيه للبؤس والحرمان والجوع المقنع، وسينقص عطاؤه واندفاعه للخدمة، (وهل شجر في قبضة الظلم يثمر؟!!)

إن استجلاب الأطباء الأجانب لن يحل مشكلة قطاع الصحة، ليس لانعدام الخبرة لدى الأجانب ( ينبغي القول إنهم بحاجة لعدة أشهر أو سنوات للتكيف مع البلاد مناخا ولغة وطريقة حياة وخريطة وأسلوبا طبيا)، وليس لغوغائية الاتفاقيات الارتجالية "القراقوشية" التي تعقدها الدولة الموريتانية مع بلدان الأطباء الأجانب (بعض الدول تنتهز فرصة ضعف الدولة الموريتانية وانعدام خبرتها في متابعة وإبرام ومعيارية اتفاقيات التعاون الطبي فترسل أشخاصا لا علاقة لهم بالطب أو التخصص وكأنها لا تريد من الدولة الموريتانية سوى توفير فرصة عمل لبعض الشباب العاطلين عن العمل ولو تطلب الأمر تزويدهم بشهادات وهمية)، ولكن لأن أي طبيب - مهما كانت حكمته وحنكته - لا يستطيع العمل بدون ظروف مناسبة من تجهيز المكتب، إلى توفير أحدث وسائل الفحص والتشخيص، فما الذي سيفعله أكبر أخصائي في العالم إذا حول للخدمة في مستشفى لا يتوفر حتى على جهاز قياس الضغط أو الحرارة..؟!! ويعتبر القطن المعقم فيه مع الحقن وأدوية المستعجلات ضربا من الكماليات؟!!

إن الأزمة أزمة بنية صحية وليست أزمة الكادر البشري، فهؤلاء الموريتانيون الذين يحركون قطاع الصحة والطب تخرجوا من نفس الجامعات التي تخرج منها زملاؤهم المستجلبون، ولم يكن الطبيب الموريتاني يوما من الأيام أقل ذكاء من زملائه عبر العالم، ولكن مرحلة التطور الحالية في مهن الطب تعتمد بالأساس على أجهزة الفحص والتحري والتشخيص، مع وجود أدوية تم التأكد من فاعليتها، وآلية وقاية نشطة وفعالة، قبل اعتمادها على الخبرة الشخصية المجردة وفى موريتانيا لا تتوفر المؤسسات الطبية على تلك الأجهزة،أما الأدوية الموثوقة المصادر وآلية الوقاية الفعالة، فلا وجود لهما على الأرض الموريتانية حسب علمنا، ومن المؤسف أن بعض مستشفياتنا تستخدم أجهزة متجاوزة عالميا، فقدت عمرها الافتراضي منذ عشرات السنين (إن لدينا مستشفى كبيرا حديث النشأة والتجهيزات وفي مقاطعة آهلة بالسكان ومن أكبر مقاطعات العاصمة لا توجد طرق موصلة إليه باستثناء طرق رملية وعرة وقذرة لا يسلكها طبيب إلا مرض ولا مريض إلا توفي ولا سيارة إلا تفكك محركها يتجنب حتى سائقوا سيارات الإسعاف مجرد التفكير في اقتحامها مع أن راتب طبيبين مستجلبين من الخارج يكفى لتعبيد الطرق الموصلة إليه، فطولها مجتمعة لا يتجاوز الخمسمائة متر تقريبا أو على الأقل تدعيمها لجعلها سالكة قليلة المخاطر)..!!، ثم كيف يمكن العمل في مستشفى يستقبل يوميا في قسم الطوارئ على الأقل 200مريض، بينما لا يتوفر إلا على ثلاثة أسرة أحدها مصاب بشلل وراثي، أفقده أحد مسانده الأساسية، ولا يوجد فيه للمداومة سوى طبيب عام واحد، وممرضين اثنين، وعامل نظافة، ولا يتوفر هذا الفريق لا على جهاز قياس ضغط أو حرارة، ولا على جهاز تبديل هواء، أو"شفط" سوائل لأصحاب الإصابات التنفسية الحادة؟!!

إن الحكومة ليست جادة في إصلاح قطاع الصحة، وإلا لما تركت الحبل على الغارب للطاقم الحالي للوزارة ليعيث فيها فسادا..؟!!.. فلأول مرة يموت الأطفال بجرعات تطعيم وتلقيح في رابعة النهار، دون أي تحرك فعال لمتابعة الجناة، والاكتفاء - بدلا من ذلك - بتصريحات عنترية، واستهداف غير أخلاقي للحلقات الأضعف نفوذا لتحميلها المسؤولية عن أرواح الأطفال الأبرياء، ولأول مرة تظهر أوبئة معروفة عالميا فتتجاهلها الوزارة، مكتفية بالقول إنها مجرد حالات بسيطة عابرة، وإنها تحت السيطرة..!! ولأول مرة يشرب الناس "مياه الملح" طلبا للاستشفاء،وهربا من خدمات قطاع صحي أفسده القائمون عليه، ولأول مرة يتحكم سماسرة الدواء في أعناق الناس وأرزاقهم، مستفيدين من ضعف الدولة، وهزال الوزارة المعنية بقطاع الصحة، وجشع بعض القائمين عليها الذين تسيل (الكومسيوهات) لعابهم ويتغاضون عن أكبر خطإ مقابل أتفه رشوة..!!

لسنا ضد إصلاح القطاع، واستجلاب آلاف الأطباء والممرضين الأجانب، ولكن شريطة أن لا يكون ذلك كله على حساب عمال الصحة الموريتانيين، الذين ليس من الأخلاقي أن نستفزهم بأجانب يحصلون على رواتب خيالية، مع أنهم ليسوا أكثر خبرة، ولا كفاءة منهم، فالمسؤوليةالوطنية تتطلب وضع المواطنين في ظروف حسنة أولا ، وقبل التفكير في تحسين ظروف الأجانب..

ويتطلب إصلاح قطاع الصحة أن نضع النقاط التالية بعين الاعتبار:

-  بدلا من استجلاب الأطباء الأجانب يجب أن يتم استجلاب تجهيزات متكاملة وحديثة لمستشفيات البلاد ومراكزها ونقاطها الصحية بدون استثناء، مع التركيز على أجهزة الفحص والتشخيص بالأشعة ومختبرات التحليل المتطورة، وتوفير سيارات إسعاف، ومستشفيات متنقلة، للمناطق النائية على عموم التراب الوطني، مع تجهيز كل غرف العمليات، وإمداد كل أخصائي بلوازم تخصصه في الداخل حتى لا يكون تحويله عبثيا يكتفي منه عادة بيومين يقضيهما مفكرا في طريقة سريعة للعودة إلى العاصمة (لا يمكن لجراح العمل في مستشفى بلا غرفة عمليات مجهزة، وليس بمقدور طبيب أسنان الخدمة بدون كرسي معاينة متكامل،ولا يمكن إقناع مخدر منعش بالعمل في مستشفى لا تتوفر فيه مواد التخدير والإنعاش، ومن الظلم مطالبة ممرض بالعمل في نقطة صحية لا تتوفر على أبسط التجهيزات الضرورية لمهنته، وقل نفس الشيء عن القابلة والمولدة) .

-  تنقية القطاع من الدخلاء، وإلزام العمال بتبيان شهاداتهم وسيرهم الذاتية الموثوق من صدقية بياناتها لدى مؤسساتهم، حتى لا يختلط "حابل" المتطفلين، ب"نابل" المهنيين..!!

-  تفعيل جهاز مراقبة جودة الأدوية، فرداءة مصادرها، وعدم الوثوق من منابعها يعيق كل جهود التشخيص والعلاج في البلاد، إذ لا يمكن التداوى بمستحضرات غامضة، جلبها ربحيون مصاصوا دماء، من مناطق مجهولة، وبطرق ملتوية، ولا تتركب غالبا إلا من دقيق القمح وخليط من الأعشاب والأوراق مجهولة المنبت والمنشأ..!!

-  دعم رواتب عمال القطاع وعلاواتهم من الأخصائي إلى الفراش، ووضعهم في ظروف مناسبة ماديا ومعنويا للاستفادة من خبراتهم.

-  تخيير العمال بين القطاع العام والخاص، لكي تتمكن الدولة من السيطرة على القطاع ومنع الفوضوية التي تعصف به حاليا، وتحريم الجمع بين عمل الدولة والعمل الخاص (تحريما يصل قوة الجمع بين الأختين شرعيا)..!!

-  إلزام العامل الذي اختار البقاء في القطاع العام بالذهاب لمقر عمله، دون مجاملة أو محاباة أو وساطة، وتطبيق مبدأ العقوبة والمكافأة، على أنه من حق الأخصائي الذي قبل البقاء في القطاع العمومي، رفض الذهاب إلى مدينة أو مؤسسة طبية لا تتوفر على مستلزمات عمله المتكاملة، وبالمقابل يحق للدولة معاقبته بكل ما هو متاح قانونيا ومهنيا، إذا رفض الذهاب للمكان الذي حول إليه، وثبت أنه يتوفر على كل ما يلزم لعمله التخصصي، من مكتب مجهز، إلى أحدث وسائل التشخيص.

وفى الخلاصة فإن الدولة مطالبة بالتراجع عن اتفاقياتها المشبوهة مع الأطباء الأجانب، والتريث مستقبلا قبل الإقدام على مثل هذه الخطوات الارتجالية الرعناء فقد كان عليها مثلا استيراد مستشفيات متكاملة، وتجهيزات طبية حديثة، وترميم المرافق الطبية الوطنية، خاصة وان ما يقال إنها ستدفعه للأطباء الأجانب، يكفى يقينا لتحسين البنية التحتية الهشة للقطاع شكلا ومضمونا..

إن على الدولة الموريتانية التعاقد مع الأطباء الموريتانيين الذين لايريدون 3000 أورو شهريا ولا يسعون للابتزاز، فهم يعرفون ظروف بلدهم، وبعضهم يكفيه شرف خدمة المواطن الموريتاني (وأعرف الكثير من هؤلاء والحمد لله ميدانيا وأعرف فيهم الأخلاق والمهنية والوطنية والتواضع والخبرة التي لا يعلى عليها تماما كما أعرف بعض عمال القطاع من الجشعين وعبدة البطون وأهل الجفاء والتحصيل والبعد عن الأخلاق والمهنية والجهل المركب بمبادئ المهنة) ولكنهم بكل تأكيد لا يقبلون أن يعاملوا كمواطنين من الدرجة الثالثة في وطنهم، فمن المهانة أن أستلم شهريا مبلغ 80000 ألفا، وزميلي الأجنبي في نفس الدرجة والرتبة والمهنة والغرفة والطابور والمؤسسة، يتسلم شهريا 800000 أوقية، وأنا في وطني الذي خدمته قبل أن يعرف الأجنبي موقعه على الخريطة، إنه تفاوت مذل ومخجل، قد يدفع أصحاب الأنفس الكبيرة للهجرة عن الوطن، للضرب في الأرض التي فيها (منأى للكريم عن الأذى)، وفيها متسع للاحتماء من ظلم ذوى القربى، وغدر الزمان..

إن التعاقد مع الأطباء الموريتانيين لا يتطلب سوى بناء الثقة معهم، وإعادة الاعتبار لهم، وتحسين ظروفهم المادية والمعنوية، وتزويدهم بكل ما يلزم للقيام بمهامهم على أكمل وجه،وتنظيم مهنهم قانونيا ووظيفيا لتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، وعندها سيكونون على استعداد لإنهاء ازدواجية العمل في القطاعين العام والخاص(إن ضعف الرواتب وعجز عمال قطاع الصحة عن مواجهة أعباء حياة يومية تسير على وتيرة متسارعة من ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة والبؤس الاجتماعي هو الذي دفع غالبية هؤلاء العمال إلى الالتحاق بالقطاع الخاص مكرهين يقينا لأنه مع ما يمنحه لهم من أجور زهيدة لا يحفظ لهم كرامتهم فهم مجرد عمال "سخرة" فيه لا أقل ولا أكثر) وللعمل في أية نقطة من الوطن الموريتاني، على أن تكون مجهزة بكل ما هو ضروري للقيام بعملهم، وساعتها أيضا سيكون استعدادهم أريحيا لتقبل العقوبة قبل المكافأة .

13. فبراير 2013 - 10:10

كتاب موريتانيا

ذات صلة