لغة القرآن العظيم والدستور ضرورة حضارية ومبدأ سيادي / د.رقية أحمد منيه

﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ آية وتكريم وتفعيل لغة القرآن العظيم والدستور ضرورة حضارية ومبدأ سيادي:

 "منزلة بين المنزلتين"..

إن الله تعالى كرم بني آدم على سائر المخلوقات، وأمر الملائكة بالسجود لآدم على سبيل التكريم، وذكر ذلك من قبيل الامتنان على العباد لأن الإكرام للوالد منة على الولد وتكريم، يقول ابن كثير في تفسيره:"وَهَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِآدَمَ امْتَنَّ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ، حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ".

ومن تكريم الله تعالى لآدم أب البشرية أن علمه الأسماء كلها، يقول الله سبحانه وتعالى:﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ۝٣١﴾.(سورة البقرة)، وهي لغات العالم على القول المشهور كما أورده الإمام الرازي في تفسيره:

" القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ، أنَّ المُرادَ أسْماءُ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن أجْناسِ المُحْدَثاتِ مِن جَمِيعِ اللُّغاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها ولَدُ آدَمَ اليَوْمَ مِنَ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، وكانَ ولَدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ اللُّغاتِ، فَلَمّا ماتَ آدَمُ وتَفَرَّقَ ولَدُهُ في نَواحِي العالَمِ تَكَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن تِلْكَ اللُّغاتِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللِّسانُ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ وماتَ مِنهم قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ نَسُوا سائِرَ اللُّغاتِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَغَيُّرِ الألْسِنَةِ في ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ..". 

ومن آيات الله تعالى الدالة على عظيم خلقه وبديع صنعه اختلاف الألسنة وقد عطف ذلك على آية كبرى وهي خلق السماوات والأرض تنبيها على العظمة وتعريفا بالنعمة، يقول الله سبحانه و تعالى:﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ۝٢٢﴾.(سورة الروم)، يقول الإمام الآلوسي في تفسيره:

"أيْ لُغاتِكُمْ، بِأنْ عَلَّمَ سُبْحانَهُ كُلَّ صِنْفٍ لُغَتَهُ أوْ ألْهَمَهُ جَلَّ وعَلا وضْعَها وأقْدَرَهُ عَلَيْها، فَصارَ بَعْضٌ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ وبَعْضٌ بِالفارِسِيَّةِ، وبَعْضٌ بِالرُّومِيَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكَمِّيَّتِهِ. وعَنْ وهَبٍ: أنَّ الألْسِنَةَ اثْنانِ وسَبْعُونَ لِسانًا، في ولَدِ حامٍ سَبْعَةَ عَشَرَ، وفي ولَدِ سامٍ تِسْعَةَ عَشَرَ، وفي ولَدِ يافِثَ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالألْسِنَةِ أجْناسُ النُّطْقِ وأشْكالُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَلا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ..".

وتأسيا على ما سبق يظهر جليا مدى اعتبار الشارع الحكيم للتنوع اللغوي واختلاف الألسنة سواء أكانت لغات أم كانت لهجات القبائل والمناطق، وكونه آية من آيات الله سبحانه وتعالى ونعمة من نعمه التي لا تحصى ولا تعد.. 

ولا تنافر بين إعطاء الأولوية للغة القرآن الكريم، قال الله عز وجل:﴿الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ۝١ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ۝٢﴾.(سورة يوسف)، والالتزام باحترام نص ومفهوم الدستور الموريتاني الممثل للعهد الجامع بين كل مكونات الشعب، وبين تعلم اللغات الأخرى وتوسيع دائرة المعارف اللغوية دون استجلاب الثقافات وتغيير الهويات..

إن دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية يؤكد على التمسك بالدين الإسلامي الحنيف في ديباجته، وهذا يقتضي المحافظة على الثوابت الدينية المشتركة للأمة الموريتانية والهوية الثقافية الوطنية الجامعة، كما يؤكد على احترام الكرامة الإنسانية وهذا يعني تكريس ثقافة قبول التباين في الرأي والحوار المتمدن والنقاش الهادف دون مساس برموز السيادة..

إن المحافظة على الهوية الثقافية الوطنية ضرورة ومسؤولية النخب العلمية والسياسية والأكاديمية، وبناء المواطن الصالح وترسيخ مبادئ المواطنة الحقة يحتاج التأسيس لهوية جامعة تقوي الثوابت وتنفتح على الآخر دون ذوبان في ثقافته أو تميع أو ضعف أو خور..

ومبدأ احترام منطوق ومفهوم الدستور الموريتاني أصيل ضمن أبجديات السياسات والإجراءات المنظمة لعمل الغرف البرلمانية القائمة بمهمة متابعة ومراقبة ومناقشة مشاكل المواطن بلغته التي يفهمها، ولكن حبذا لو تم وضع مسطرة يحددها القانون من قبل البرلمانيين للحديث تحت قبة البرلمان، ويلزم الجميع باحترامها...

ويمكن القول أن منشأ التدافع اللغوي إن صح التعبير يرجع في الأساس إلى تهميش دور اللغة العربية باعتبارها لغة عمل في الإدارة، وعدم تفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني التي تنص على أن: "المادة 6: اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية.

اللغة الرسمية هي العربية".

فكيف تكون اللغة العربية لغة رسمية ولا تكاد تجد تقريرا رسميا أو إعلان اكتتاب أو مخالصة أو فاتورة الكهرباء والماء بهذه اللغة، تساؤل يطرحه واقع الناس في هذا البلد؟ 

وليس من نافلة القول الإشارة إلى تراجع حضور اللغة الرسمية للبلد على كل المستويات، وتناقص مساهمات الأطر العليا الدارسة باللغة العربية في عملية بناء الوطن بصورة تضفي صفة النخبوية على فئة محصورة في المتحدثين باللغات الأخرى ولو على حساب القدرات العلمية والأكاديمية..

ثم إنه لا يمكن أن يعامل حملة الشهادات الجامعية بلغة الدستور على أنهم مثقفون من الدرجة الثانية ومهما بلغوا من اكتساب المهارات وتطوير الذات وتنوع القدرات في دائرة الإقصاء من طلبات العمل في القطاعين العام والخاص..

إن الغصة التي يحس بها كل مواطن موريتاني درس باللغة العربية يصعب إزالتها إلا بماء المساواة في فرص التوظيف والعمل والتكوين والتدريب..

إن الجدل الحاصل حول تعدد الملكات الفكرية واللغوية يتغلب عليه بالتمكين للغة القرآن الكريم ودستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية وتقديم الأولوية للنخب الأكاديمية ولمخرجات العملية التعليمية باللغة العربية أو المعاملة مع النخب الفرنكفوية بنفس المعايير المهنية الوطنية على الأقل دون تمييز بين المواطنين بسبب العرق أو الجهة أو اللغة..

 ورفع الظلم الواقع على النخبة ذات التعليم الأكاديمي باللغة العربية، وتوفير آلية علمية للتمكين للغة الضاد..

إن واقع تعدد لغات التلقي العلمي أوجد ثراء معرفيا ولغويا وانفتاحا على العلوم والتكنولوجيا، ولكن نغض على سعة فضائه تنامي الفجوة الحاصلة بين المدارس اللغوية بسبب عدم توحيد المناهج الدراسية، وانقسام المخرجات التعليمية إلى عصرية تحصل على امتيازات خاصة، وأصلية يضيق الحال عليها والأفق أمامها..

إن أي أمة تطمح إلى بلوغ أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا مناص من تحديد هويتها الحضارية الجامعة؛ بصيغة تحافظ على الثوابت المشتركة وتراعي أوجه الاختلاف القائم على التنوع الإيجابي، والعمل على تحقيق العدالة والمساواة بين كل مكونات الشعب، وتفعيل العمل بلغة الدستور واحترامها..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

19. ديسمبر 2021 - 22:35

كتاب موريتانيا

ذات صلة