الطفل ريان وفتية اصبيبرات / عثمان جدو

عندما سقط ريان في بئر مهجورة في إغران بشفشاون؛ تعلقت به القلوب والأبصار من شتى بقاع العالم وتعاطف معه الكل، مسؤولين وبسطاء، واشتد الوجع مع كل لحظة تمر دون انتهاء معاناته، وصدم كثيرون بعيد إخراجه الذي لم يطل به الفرح حتى أعلنت وفاته، وحقت لهم الصدمة ووجب عليهم الحزن والألم وقليل في حقه التعاطف، دون عنه كثيرون، ساسة ومسوسين، وانثالت على ذويه الأعطيات، وأندت بطون راح المتابعين لهم دموع تخنقها العبرات... 
وطبعا لا إنكار في ما تقدم، فهو حق بشري طبيعي وتعاطف إنساني جميل مرده الفطرة السليمة وتداعي سائر جسد الأمة لأي موضع منه اشتكى ألما.. 
وغير بعيد من شفشاون - المغرب،  بمنطق جغرافيا البلدان؛ وما يعنيه الجوار وتقابل الحدود من إذابة للمسافات واعتبار للقرب بمدلول المعنويات؛ وقعت مجموعة آبار التنقيب في اصبيبرات على فتية آمنوا بالكد وزادتهم قساوة الطبيعة بعد اضمحلال فرص العمل خارج دائرة تحدي الموت المعروفة عندنا بالتنقيب الشعبي عن الذهب!، لقد عانى هؤلاء كما غيرهم ممن يمموا وجوههم صوب مقالع الحياة ومزارع الموت هذه من تغافلهم التام عن الخطر المحدق بهم؛ واستغلالهم بأبشع الصور من جامع ريع هم مستخرجوه من باطن أرض يأبى إلا أن يحل القالع محل المقتلع في لعنة تضحية تنتهي بموت ضحية حظه القشور، إذا نجا مرة فهو موعود بهلاك مرات، وتفرج المستفيد الذي يسارع في اختيار ضحية آخر للنزول والإخراج!! يتنفس هؤلاء المستفيدون الأول الذين يسمون أنفسهم مستثمرين؛ يتنفسون الهواء الملوث بالسيطرة على منابع التنقيب، ويتكئون على أريكة واسطة أو رافعة نفوذ جعلتهم يحتكرون روافد الفوائد والآخر صيروه لهم آلة جمع وضحية مجموع؛ يؤكد ذلك كل سقوط لا ينجو معه أحد، فلا وسائل الإغاثة مجدية ولا صورها وعددها وطبيعتها المعروضة في وسائل الإعلام مطمئنة ولا حتى مسلية للمتابع من بعيد!!. 
كيف تسقط آبار تنقيب على جماعة من المواطنين في تربة متهالكة ثم تكون وسيلة الإنقاذ التي حركت تجاههم حفارة واحدة وسيارة إسعاف، مع أن ذكريات الماضي الأليم للحفر والسقوط تنبئ دائما بأن الحفارات تمزق الجثث أشلاء؟
وهل يقنع إرسال سيارة إسعاف واحدة؛ وتحت الأنقاض ثمانية مفقودين؟
نحتاج شيئا من الجدية ويحتاج كل مسؤول فينا تولى أمر المسلمين أن يستشعر رقابة الرقيب قبل خوفه من السلطة ومتابعة أجهزة الحكومة التي لا شك أنه يخشاها ولو في نفسه؛
أليس الأولى إيقاف عمليات التنقيب هذه مؤقتا حتى تجري الجهات الوصية تكوينات وتدريبات لسلامة منقبي اليوم مفقودي الغد وضحايا بعد غد؟   
ألم يحن بعد الوقت للتفكير في وسائل لوجستية أكثر أمانا؛ تصاحب الحفر تحت الأرض، فمثلا لماذا لا تكون هناك أقواس حديدية صلبة أو كهوف صغيرة أو مقاطع أنبوبية يلزم المنقبون باستحدامها كلما تقدم الحفر  وتفرعت جيوبه في الأسفل؛ على الأقل تكون هناك فرضية نجاة مع عمليات إنقاذ فعالة، عكس السائد حالا مجرد ورود خبر سقوط ومفقودين؛ تنضاف لا ئحتهم إلى الراحلين في أول الساعات.. 
لماذا نظل نتفرج على حوادث محتملة الوقوع مع يقيننا أن منحنى النجاة لا يتجاوز النقطة صفر صعودا مع كل سقوط؟
لماذا لا تكون السلطة المباشرة لتسيير التنقيب تتوفر على فرق قادرة على الدخول مع المنقبين تحت الأرض والتأكد من احترامهم لمسافة الحفر على كل الجهات؟ وتكون بذلك عند تطلعات بسطاء المواطنين وفي انسجام مع توجهات وفحوى خطابات رئيس الجمهورية؟ 
لماذا لا نشاهد بواكي الأمس في شفشاون أيضا على ضحايا اليوم في اصبيبرات؟ 
لم البخل على ذوي هؤلاء من أجاويد الأمس على ذوي ذلك الطفل المرحوم!؟ 
طبعا نتحدث عن جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الجسد بالحمى والسهر؛ ولا نعير بالا للجغرافيا وما تفرضه من تباين في الحدود وقيود على السفر..
يذكر لكل من غرد أو دون أو واسى ذوي هؤلاء الضحايا فذلك أضعف الإيمان. 

11. فبراير 2022 - 20:44

كتاب موريتانيا

ذات صلة