لعبة الأصابع المزدوجة / الدده محمد الأمين السالك

 الدده محمد الأمين السالكالذى يراقب الحالة السياسية فى بلادنا هذه الأيام ورقصة شد الحبال اللتى يمارسها سياسيونا يجد نفسه أمام رقعة شطرنج من نوع غريب تفتقر إلى عنصر حيوي هو "الجندي الصادق"أو ما يسميه لاعبو الشطرنج"غانبى د لا فولغا"الذى يضحي لإنارة الطريق أمام حركة الفعل المنهجي الذى يقود طريق المعركة الى النصر.

السياسي الصادق هو ذلك الجندي الذى يجعل انتصار بلده على تحديات الواقع هدفا مركزيا يجب الوصول إليه .

هذا مانحن بحاجة إليه :سياسيون صادقون يتمتعون بقدر كاف من الشجاعة الأدبية..يتكلمون بصدق ويتعاملون بواقعية لامبالغة فيها ولا مزايدة..يتناولون الأخطاء بغية تصحيحها ويظهرون النواقص لمعالجتها ويثمنون ما تحقق من إنجازات ويطالبون بالمزيد باقتراحات ملموسة ومدروسة قابلة للتحقيق..يستوى فى ذلك من هم فى الموالاة ومن هم فى المعارضة لأنه من المفترض أن يكون غرض الجميع هو مصلحة البلد وتطوره فى كل المجالات.

إن بلدنا يمر بمرحلة حساسة بفعل الظروف الإقليمية والدولية، ويخوض معركة التحدي التنموي في عالم لايرحم من لم يستطع مسايرته، مما يتطلب كل ذرة جهد وطني للمشاركة في رفع هذا التحدي .

فنخبتنا السياسية يُفترض منها أن تكون أول الفاعلين في رفع هذا التحدي ولكنها لم تتحمل مسؤوليتها في هذا المجالف للأسف الشديد، وانشغلت في التجاذبات والتباري في اختيار المصطلحات ، كل يغرد في وكره المعزول عن الآخرين بسياج من المزايدات واللاواقعية .

نحن المواطنون نكتوي بنار هذه التجاذبات العقيمة، ونحترق في أتون القلق خوفا على وطننا من المجهول .

فأمامنا موالاة لاترى إلا ماهو جميل وخضِر .. و ... ومعارضة لاترى إلا أفقا أسود مدلهما ونفقا مظلما لاضوء فيه ولا أمل .

وبين هاتين الحالتين الشاذتين يضيع المواطن ويصاب باليأس القاتل في غياب من يتكلم بموضوعية عما أنجز ومالم يُنجز بعد وماهو في طريق الإنجازوماهوبحاجة ملحة إلى الإنجاز من أمور تمس حياته في الصميم .

المواطن يطمئن إلى ثوابت، تبدأ بالدستور الذي ينظم الحياة الوطنية بكل حيثياتها، وما ينشأ عنه من مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، وهذه الثوابت يجب أن تكون خطا أحمر لايجوز المساس به .

وفي محاولة لإيجاد ضوء في نهاية النفق، نُظم حوار وطني اشتركت فيه أحزاب الأغلبية ومجموعة من أحزاب المعارضة، واتفقت على عدد من القضايا الجوهرية قال الجميع "المتحاورون" إنها وُضعت موضع التنفيذ .. وقد أخذت الإستحقاقات الإنتخابية حيزا كبيرا مما اتفق عليه المتحاورون، واستبشر المواطن خيرا بمستوى الوعي السياسي الذي طبع الخطاب في أعقاب الحوار .. وبدأت الخطوات التنفيذية لما تم الاتفاق عليه، فعُينت لجنة مستقلة للإنتخابات وبدأ التحضير للاستحقاقات القادمة، لكن أحزاب منسقية المعارضة غير المحاورة رفضت نتائج الحوار وكل ما ترتب عليها .

وفي محاولة لخلق أرضية مشتركة بين الفاعلين السياسيين طرح الرئيس مسعود ولد بولخير مبادرة جديدة تضمنت نقاطاً حيوية تنم عن شعور صاحبها بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه وطنه .

منسقية المعارضة رفضت المبادرة في البداية وقالت إنها لاتستجيب لمطالبها، والموالاة لم ترفضها ولم تقبلها : قال إنها جاءت متأخرة .

منسقية المعارضة تراجعت عن موقفها الاول وقالت إنها تقبل المبادرة، في حركة يبدو أنها تأتي في إطار مساع خاصة لمد جسور التواصل من جديد مع الرئيس مسعود بعد الفتور الذي شابها إبان الحوار .. لكن الرئيس مسعود على مايبدو يحرص على أن يظل يمسك العصى من وسطها، ويقف على نفس المسافة من الجميع، وهذا الموقف يزيد من مصداقية جهده الوطني ليكون مقبولا عند جميع الأطراف .

الرئيس مسعود لايريد إلا الخير لوطنه .. هذا مُسلم به، وتشهد عليه السيرة النضالية المتزنة للرجل، لكنني شخصيا كمواطن ألاحظ على مبادرته مع أهميتها مايلي :

1- اقترحت المبادرة تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وزيادة صلاحيات الوزير الأول، وهذا تجاوز لأهم الخطوط الحمراء وأكثرها مركزية : الدستور .. فلو قبلت الأطراف السياسية هذا الاقتراح لرمت بالدستور وماينتج عنه عرض الحائط، خاصة وأن الدستور تمت مراجعته قبل أشهر ومراجعته من جديد لاتخدم الاسقترار الذي يحتاج إليه البلد ولايمكن إنجاز أي تنمية بدونه .

2- هذه النقطة بالذات لاتحترم ما اتُفق عليه وقرأناه كمواطنين من نتائج الحوار

3- اقترحت المبادرة حكومة توافق وطني، وحكومة التوافق هذه ستُفقد النظام السياسي أحد أهم اركانه _ المعارضة _ وتتركه أعرج ومختلا، لأن المعارضة إذا اشتركت في الحكومة فقدت مكانها لأنها ستُصبح جزءا من حالة التسيير ولم تعد رقيبا مُحايدا .

4- السلطة التنفيذية يجب أن تظل بعيدة عن العمليات الإنتخابية بعد تعيين لجنة مستقلة خاصة بها، تتولى كل صغيرة وكبيرة ومُطلقة الصلاحية .

5- أرى أن المبادرة لو قبلتها الأطراف السياسية ستؤدي إلى تاخير الإنتخابات، ولا أريد القول إنني أخشى أن يكون هذا هدفا مُشتركا عند من لايثقون بقدرتهم على ولوج البرلمان من جديد فى الإنتخابات القادمة، ولكن ذلك لايُبرر تعريض مصالح الوطن والشعب للخطر بتأجيل انتخابات يأمل المواطن أن تاتيه بوجوه جديدة قادرة على تحمل مسؤولية الفعل الوطني بكل متطلباته، بعيدا عن لعبة الأصابع المزدوجة

21. فبراير 2013 - 13:10

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة