على نفسها جنت براقش / محمد فاضل ولد محمد يحي (التراد )

محمد فاضل ولد محمد يحي ( التراد )لم أكن أحب أن أعود لمناقشة موضوع لا أذكر أننى في الفترة الأخيرة تضايقت من شيء بقدر ما تضايقت منه ، ذلك أنه كان بمثابة صدمة يبدوا أننى لم أكن على استعداد لا ستعاب مثيلاتها ، فلم يكن من السهل بالمرة أن أقرأ بيانا صيغ بلغة عربية و بأنامل موريتانية و كسي بطابع حقوقي ،

ثم أجد رائحة الكراهية و الحقد و التآمر تزكم أنفي ، وتمنعنى من المتابعة ، أجل قد كان بيان المنظمات الحقوقية الأخير حول الحرب في مالى ، صادما في وقته ، ركيكا في أسلوبه ، جارحا في مضمونه ، مسيئا للمجتمع متنكرا للثوابت ، و مع ذلك فقد تأقلمت مع هول الصدمة على مضض ، و التمست لموقعى البيان أحسن المخارج ، و  اقنعت نفسي و آخرين من حولى على أن البيان كبوة جواد حقوقي علينا جميعا أن نتغاضى عنها ، عله يتمكن من العودة لاتزانه و يتمكن بعد ذلك من العودة إلى رشده .

لكن الذي أثار دهشتى هو أن بعض موقعى البيان ، ( أو على الأصح موقعاته ) استمروا في الهروب إلى الأمام خصوصا بعد أن رفض المجتمع بسياسييه و مثقفيه و مواطنيه البسطاء ما سطرته هذه المنظمات في بيانها ، و لاحظت خلال الأيام القليلة التى تلت صدور البيان هجوما متواصلا ، و سبا و شتما و تخوينا من طرف حقوقيين أو حقوقيات لكل من أعرب عن رفضه و استنكاره و إدانته لذلك البيان ، و كنت أستغرب حينها من ضيق صدر من يفترض أنهم حراس حرية الرأي و التعبير ورفضهم لكل صوت انتقد بيانهم باحترام و عارضه بأدب ، و كنت أصر مع ذلك على أن ذاك التصرف ما هو إلا ردة فعل شخص يؤنبه ضمير حقوقي ، و سرعان ما تنقضي ردة الفعل الغاضبة تلك ، باستجابة الحقوقي ( أو الحقوقية ) لنداء ضميره ، وبالتالى اعتذاره لشعب أخطأ في حقه .

لكن على ما يبدو أن ذاك الهجوم لم يكن نتيجة رد فعل لتأنيب ضمير ، بقدر ما كان مكابرة و إصرار على الدفاع عن جرم ارتكب في حق وطن و أمة ، أجل فقد تأكدت من ذلك و أنا أطالع تلك الرسالة التى وجهتها رئيسة رابطة النساء معيلات الأسر إلى الرأي العام ، وحتى لا أعكر صفو القارئ الكريم الذي لم يفق بعد من صدمة البيان الحقوقي فلن أعلق على ذاك الهجوم الذي جاء في مقدمة الرسالة على من وصفتهم الحقوقية ( المخضرمة ) بالمتأسلمين السياسيين ، و سأكتفي بالرد على ما جاء في تلك الرسالة المتخمة بالتناقض و المليئة بالأراجيف .

 أولا : لقد تحدثت الرسالة في نقطتها الأولى على أن البيان الماضي ( موجه للداخل المالى و ليس موجها إطلاقا للشعب الموريتاني ،  و أنهم كمجموعات حقوقية كان لزاما عليهم أن يستنكروا فرض لغة أو ثقافة معينة على شعب أغلبيته من الزنوج باعتبار ذلك اعتداء على حقوقهم الأساسية ) وهنا يتملكنى العجب من جرأة من كتب الرسالة و استخفافه بعقول من سيقرئها ، ذلك أن البيان المذكور  وجه للشعب الموريتاني ، و تحدث عن المظاهر في المجتمع الموريتاني ، وطالب الحكومة الموريتانية ، ثم إن كل  من يملك ذرة من كرامة أو شرف ، لا بد و أن يقف لحظة تأمل وهو يقرأ بيانا أصدرته مجموعة حقوقية في وقت حرب ، يسقط فيها ضحايا و يشرد فيها آخرون ثم يكون الهم الأول لتلك المنظمات الحقوقية هو تمسك الأغلبية بثقافتها و لغتها ، سخرية ما بعدها سخرية و  زلة حقوقية ترقى إلى درجة الكفر بأبسط مبادئ حقوق الانسان .

ثانيا : أكدت الرسالة الأخيرة على أن من يزعم أن البيان دعى إلى السفور و الفسوق هو فقط من يريد تشويه صورته ، و أنه لي لعنق نص البيان ، وهنا لن أتعب نفسي في سرد الحجج أو  صياغة الكلمات و سأكتفي بتذكير القارئ الكريم بنص ما ورد في البيان الحقوقي الذي جاء فيه (فحتى في داخل موريتانيا ، فقد تسرب التشدد الديني في كل مستويات المجتمع ؛ حيث نرى (بشكل متنام) الحجاب ؛ وهو ثوب كان في ما مضى دخيلا غريبا. ونرى في الشارع النساء اللابسات السواد بتضافر مع

نشاطهن التكفيري خلال الجمعيات المعزولة (عن الرجال) التي تقام في وضح النهار.) و سأترك للقارئ أن يحكم إن كان ما بين القوسين أقرب إلى هجوم  دنيء على لباس  شرعي ، أم دعوة نبيلة للمدنية و الانعتاق ، ولا بأس أيضا إن أعاد القارئ المحترم التفكير في وجهة هذا البيان مادام أصحابه يؤكدون أنه موجه للشعب الماضي في نفس الوقت الذي لا يخاطب البيان إلا الموريتانيين .

ثالثا : ذهب صاحب الرسالة التى يبدو انه كتبها في لحظة تعطلت فيها كافة حواسه ، قائلا (قالوا إننا نؤيد فرنسا الكافرة في حربها على المسلمين ! ! ! ونسوا أنهم هم الذين فرحوا واستبشروا بغزو حلف الناتو بقيادة فرنسا برئاسة ساركوزي ذي الأصل اليهودي لليبيا المسلمة شعبا وقيادة ، وأنهم هم وحلفاؤهم كلما تأخر قصف طائرات هذا الحلف لأطفال ليبيا المسلمين ونسائها المسلمات اتهموه بالتخاذل والتقاعس ... ) ولا أدرى لما تبادرت إلى ذهنى و انا أقرأ هذه الفقرة مقولة إذا لم تستحى فاصنع ما شئت ، فبالله عليكم حين يصف بيان الحقوقيين التدخل العسكري الفرنسي باللفتة المخلصة  بل و يحيي الفرنسيين عليها ، و يتمادى مطالبا(الحكومة الموريتانية إلى أن تمنح جيوش التحالف الدولي العناية والتعاون الكامل بغية تحقيق وحدة مالي والمحافظة على المؤسسات الديمقراطية والعلمانية ) ، بالله عليكم هل فوق هذا تأييد ؟ ثم ما بال هؤلاء الحقوقيون يقارنون أنفسهم بالساسة ، ولن أعلق هنا على تلك المقارنة السخيفة بين الثورة الليبية و العدوان الفرنسي على مالى ، لكنى لم أفهم أن تلوم منظمة حقوقية حزبا سياسيا أيا كان قد يتغير موقفه بتغير مصالح أو تحالفات  و تنسى أنها لا يمكن أن تقارن نفسها به ، لأنها يفترض أن تبقى مواقفها ثابتة رافضة للحرب من حيث  المبدأ ، لا أن تساوم فتوافق عليها حينا ، و ترفضها حينا آخر .

رابعا : هاجمت الرسالة من وصفتهم بالجماعة الإرهابية مكيلة التهم لهم و واصفة إياهم بأبشع الأوصاف ، لكنى لم أفهم ذاك الخلط المتعمد للمدارس الفكرية الإسلامية التى يعرف الجميع مدى تباينها في الطرح و الممارسة ، فالكل يعرف أن هناك إسلاميين أثبتوا نضجهم في التعامل ، و فهمهم الصحيح الوسطي للإسلام ، و دعوتهم للتعايش و الأخوة و التكافل ، كما أن الجميع يعلم أن ألئك الاسلاميون الوسطيون هم أول من أدان جماعات الغلو و التطرف ، و استنكر منهجها القائم على الخطف و الاكراه و القتل ، فما الجديد الذي أضافته الرسالة ، سوى أنها قامت بمحاولة فاشلة من أجل صهر جميع الحركات الإسلامية في بوتقة واحدة في محاولة منها لتشتيت فكر القارئ و إرباكه .

خامسا : ختمت الرسالة باستغراب يولد استغرابا ، فمتى هوجمت المنظمات الحقوقية ككل ، أحرى أن تهاجم رئيسة منظمة النساء معيلات الأسر بشكل خاص ، فحسب علمي أن جميع  ردود الفعل على البيان لم تتجاوز انتقاد ما دعى إليه ، و قد كان القاسم المشترك بين  كل تلك الردود هو  انها لم تتهم من وقع البيان و إنما استنكرت مضمونه و شككت في وقت صدوره و كلها امور تدخل في إطار الحقوق الشخصية التى يجب أن يكون من كتب الرسالة من اولى الناس باحترامها .

خلاصة القول أن المنظمات الحقوقية أخطأت حين أصدرت البيان ، و هناك أشخاص من بينهم أخذتهم العزة بالإثم ، فتركوا العنان لألسنتهم و أقلامهم  لمهاجمة فئة معينة كانت هي الأحرص على تفهم خطئهم ، و هي الأقدر على مد يد العون لهم ، مفضلين بذلك سياسة الهجوم التى اعتبروها خير وسيلة للدفاع ، لكن يبدو أن التوفيق لم يحالفهم في الرسالة كما جانبهم في البيان ، و كانت الطامة الكبرى أن ما أرادته رئيسة منظمة النساء معيلات الأسرتوضيحا كان دليل إدانة ، ذلك أن كل من يقرأ تلك الرسالة الموجهة إلى الرأي العام سيتذكر المثل القائل : على نفسها جنت براقش .              

 

24. فبراير 2013 - 13:13

كتاب موريتانيا

ذات صلة