أيهما يهدد المجتمع بالآخر: النظام السياسي، أو القبيلة؟- تتمة- / إشيب ولد أباتي

أيهما يهدد المجتمع بالآخر: النظام السياسي، أو القبيلة؟- تتمة-

/ - إشيب ولد أباتي

حين يكون عنوان المقال عن المجتمع، فإن الحديث عنه،  سيكشف - عن  قصد - جدلية العلاقة  الموضوعية للاهداف الأولية،  والغائية تباعا، وذلك  لاكتساب المنافع الآنية، والاستراتيجية  لكل من النظام السياسي، والقبيلة في بلادنا، ولعل الامر، يتطلب من الباحث توضيح الاشكال الذي يتجاوز ذلك إلى  التوجد - البحث عن عوامل الحضور ، والاستمرار -  المجتمعي، ليس  بهويته الحالية، فحسب، بل في غيرها من هويات  لها أبعاد في تاريخ من "التحدي، والاستجابة " - على رأي تويمبي  المؤرخ الانجليزي - من جهة تميز المجتمع  خلال تاريخه المديد،، ولتوضيح ذلك، نذكر بما يلي:
إن المجتمع، هو الوحدة الديموغرافية  التي تشمل كل الجماعات التي يجمعها الانتماء المشترك للوطن الواحد دون أن تؤثر في ذلك  فجاجة التشبيك العرقي، واللوني، والفئوي، والقبلي التفكيكي التي يتعزز وجودها في الوعي بقيمة  التماسك فيما بينها من جهة، وبين المؤسسات التنظيمية للمجتمع العام، كنظام الحكم الجمهوري الذي يشكل  المعادل الموضوعي بين تلك الوحدات البنيوية،  وبين الثوابت  الاخرى المطلوبة لحماية الجغرافية  الوطنية، والنظام  التحديثي،  بالمهج، وما دون ذلك.. 
ولقد عرف المجتمع عدة "هويات" بعضها على أساس اللون الكاشف عن التكوين الوراثي"الجيني" الخاص  ب "البيضان"، وبعضها بيئي للحماية الجسمية ل" الملثمين"، ومنها  ما كان سياسيا  ل"المرابطون"، وخلال تاريخ النظم التي أسست للمجتمع، وللتحولات الحضارية، المعروفة في وثائق التاريخ، حيث نظر  للمجتمع في بلادنا  على أنه جزء من المجمع العام  " للموريين" اصحاب الأرض، مقابل المحتلين الاغريق، والرمان، والبيزنطيين، والوندال، والمستوطنين الذين ارتبط وجودهم، و مصالحهم على شاطئي المتوسط والاطلس الجنوبية  طيلة  تاريخ تلك  الاحتلالات...

وبعد الفتح العربي الإسلامي حصلت قطيعة مع  "الهوية" السابقة طيلة عصر ي الراشدين، و الولاة الامويين اللذين استغرقا حوالي قرن ونصف القرن..
 ومن مظاهر التطور الفكري و الحضاري في عصور الدولة العباسية، كان  ظهور مفهوم" البيضان" في رسائل الكندي، فيلسوف العرب في عصر المأمون  حيث ازدهرت العلوم، وقدمت تعريفات للمفاهيم الاجتماعية، والثقافية، والهويات المجتمعية..
 وفي القرن الرابع الهجري،  ظهر ت  كتابات الرحالة والمؤرخين العرب الذين قدموا هوية لمجتمع بلادنا، باعتبارها "بلاد  الملثمين"، ومنذ قيام الدولة المرابطية،  أخذت الهوية السياسية، والاجتماعية لمجتمعنا،  بعدا حضاريا لعدة قرون إلى أن ظهر، مفهوم" علماء تكرور" في كتاب  "البرتيللي" الولاتي، وكان ذلك خلال حكم مملكة "فوتا" التي لم يتجاوز تاريخها ٤٠ سنة في القرن التاسع عشر،،  غير أن الحركة العلمية في علاقاتها  بمحيطها العربي، أعطت  المجتمع هوية ثقافية ل" بلاد شنقيط"، فوضع مؤلف" الوسيط في تراجع شعراء شنقيط"، خريطتين :ديمغرفية، وأخرى جغرافية، فضلا عن التعريف بالثقافة في شذرات  الشعر  لبعض رجال الفكر..
وهناك تعريف "قيمي" يعبر عن حكم جائر على بلادنا، وهو من التعريفات المتداولة للتوظيف، ل"مركزة" الثقافة الوطنية جهويا، واقصد به تعريف البلاد على أساس المفهوم المستعار من القرآن في " المنكب البرزخي"!
ومن جملة  التعريفات بهويتنا السياسية،والاجتماعية، والثقافية، والادارية الحالية" الهوية الموريتانية"، وهي من جهة علاقتها بالواقع منفصلة عن خصائص  الاجتماع، والثقافة، والتاريخ، وإن عبرت عن شيء، فهو النكاية بمن كان لهم مواقف مناهضة  للاحتلالين الاغريقي، ووريثه  الفرنسي الحديث، وياتي التعريف بهذه الهوية المفروضة من "الأعلى" من حيث أن للعسكريين الفرنسيين وعيا بالتاريخ الاستعماري، و لهم ثارات من حوادث التاريخ ، كموقف "غورو" أمام قبر صلاح الدين الأيوبي حين قال" ها قد عدنا يا صلاح الدين".  
وفي كل الاحوال، كان مقترح الهوية  الذي تمت المصادقة عليه من طرف " الجمعية الفرنسية"، و إلى حد الساعة،  هو المفهوم المتداول، كهوية للوحدة البشرية، والجغرافية، فضلا عن تعريفها للنظام العام، وللحالة المدنية للافراد، وللثقافة الوطنية..
.....
وفي الجزء الأول من المقال الذي كان مقدرا أن ينشر في حلقتين،، استعجلني أكثر  القراء،  ومنهم الاستاذان الحسن ولد احمد، و محمد ولد الناجي،  اللذان نبهاني  على تدافع الاسئلة، وتراجع الإجابات امامها في المقال، وكان جوابي للجميع، وضمنهم القراء الكرام،  أن تلك  الأسئلة التي وردت - عدا السؤال في العنوان - هي لتوجيه القراء نحو المسار التاريخي الذي يفترض أن مرت به المدنية، ومجتمعاتها في بلادنا، وبالتالي، فإن الموضوع لم يكن من أجل الوقوف عند مراحل التطور،  والنبش عن آثار حقب عديدة،  كفترة الترحال ما قبل آثار التمكين  في أكواخ القصب، و بيوت القصدير، والتمدين الاحتمائي على قمم الجبال، ثم الانتقال إلى الغابات، وقطع  الأشجار واستبدالها بالنخيل، وتجاوزها افتراضا إلى تشييد المدائن، ومظاهر اندثارها، ثم ترميمها بأخرى في عصر الأحفاد بعد أن خلت قرونا  إثر أخرى، لتأخذ التجمعات اسماءها من آباء مقدرين، او اشياخ  مؤثرين، او مواقع عمرت، ثم استؤنست اسماؤها بعد حين...؟!
ثم لماذا كانت آخر حلقات التاريخ، ترجع  باهلها إلى الوراء  بدلا من الانتقال بالمجتمع إلى الأمام، لتردنا في وقتنا الحاضر إلى  شبه البدايات الأولية،،وكان تيارات التاريخ ما تحركت يوما، ولا تقدم المجتمع اثناءها ؟!
 وأين التطور في المظاهر البدائية، كالانتماء" العرقي"، و"الفصيلي"، و" القبلي" والتشبث بها  أصولا، لا فروعا، وهي بمثابة نتوءات لحائية في أشجار النسب الميتة؟!
ولماذا لم نجد للتاريخ كتابا مهتمين بالمعطيات الحضارية، وإنما بتاريخ الغرائز  واضغانها في " يوم كذا بين القبيل، والقبيل،  وقال شاعرنا فيهم كذا،  وكنا  قد تقاسمنا المدينة، ثم ارحلناهم منها،،" وغيرها من استحضار ضمير المتكلم في أحداث الماضي، واستنطاق النصوص التاريخية، والشرعية  للتأكيد على صواب اجتهاد، بلا جهد في التفكير، ولا استنارة للضمير ، أو التطلع لمسقبل للوطن، والاحفاد، وإنما لحل مشاكل يومية، تحايل اصحابها على انفسهم، قبل أن  تفضحهم الوقائع التاريخية، كمعاضدة المحتل الفرنسي، والخشية من غضبته، وبسط التذلل جناحهم  اليه،  فجاء وعاث في الأرض الفساد بالاحتلال الذي لا يقره أحد اليوم ، لكن الدفاع عنه ، يعد تقديسا للاجداد، وصحوة الوعي بالانتماء للمتعاونين مع مؤسسي حقبة  استعمارية، لا يعلم الا الله  متى ستنتهي؟ 
ومن سينهيها دون أن يخضب بنانه، فيحتاج  للتطهر منها  إلى غسيل الاخلاق في مجتمع الحرمان، والهشاشة، وتنطع الفئويات، وتوظيف الوعيين الجهوي، والقبلي بهدف تجديد العهدة بين القبيلة، والنظام السياسي، ليسارع أحفاد الأجداد من نسل شيوخ القبائل، معاوني "الكميان" - بالحسانية -  واستلاب المال الخاص تحت عنوان القهر، والاذلال، المسمى" العشر" خلال ستين عاما على الأقل،، وذلك لتذكير النظام السياسي  على ، انهم لشجرة الأنساب، ينتسبون، وبالتالي هم  الأولى،  والأحق بالتسيير، والتوزير، وتحمل المسؤولية الملقاة على ذويهم أبا عن الجد، وجده..؟!
وقد تمنطق الحكم الوطني بهذه الحجاج، وتدثر  برقعه المهتري، فاستوزر  اكباش القبائل،  وذبح القطيع  منذ ستين عاما، وحبال  الذبح على الجرار...

وما النتيجة فيما يلاحظه المراقبون؟
إن منها:
عدم استحضار نظام الحكم لقيم الوعي المعاصر، وتوظيفها من أجل صحوة  للنخبة الواعية في سبيل مؤازرة  نظام الحكم بوعي يؤسس لحراك سياسي، لأن الأخير  وحده القادر على طرح مشاكل الوطن، والمواطن، والبحث عن حلول تنمي التطور، والتنمية، وتضمن الاستقرار لا بالقوة، بل بالتراضي، والتعايش السلمي، حينئذ سيخطط علميا وعمليا  لمأسسة التطور المجتمعي، والتسريع بالخطى الحثيثة لتجاوز  مستنقع التخلف الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي،، ولن يكون المنقذ،  الا  الوعي الذاتي، بالتربية،  بالتنمية العلمية، بحضور الهوية الوطنية، والقومية، باصلاح قانون الوظيفة العمومية، بتصويب الاختلالات في الأداء الاداري، بحماية المال العام..
 
اما غير ذلك، فهو ترحيل المشاكل من فترة لأخرى، ومن حكم فلان إلى حكم علان في ظروف انتقالية من السيء الى الأسوأ من ذي  قبل  في حلقة مفرغة من " تدوير التوظيف العمومي" على أولى العصبة من الاستلابيين سياسيا  في حقبة لن يذكرها التاريخ يقينا، ولكن ستجلها الحوادث، كبداية  للفوضى، والمشاحنات بين فئات  المجتمع، ولن يكون النظام السياسي في مأمن  من صراعها المدمر، لأنه بمثابة" قطب" الرحى، لكنه  وحده هذه المرة بين  حجرتيه المتآكلتين  بعضهما لبعض..
وساعتها ينادي المنادي، من ينقذ من؟، ومن هدد به المجتمع  ردحا من الزمن، ولماذا استبسل بعضنا  على البعض، " ولا ت حين مناص وعجبوا أن جاءهم منذر منهم" (صدق الله العظيم)؟!
 

16. يوليو 2022 - 12:30

كتاب موريتانيا

ذات صلة