موريتانيا....الشاي أولا / عبد الله ولد البو

altيتنفس الصبح في مرابع صحراء شنقيط الفسيحة وتفتر الربى عن شمس فجر متجدد ويبدأ يوم فيصحو الموريتاني على نغمات كؤوس الشاي "أتاي" يتعلله ثلاثا مذهبة للصداع وسيئ الأوجاع ، قصة الشاي هنا عتيقة ومعتقة ودافئة حد الغليان بزمهرير الجمر أول جيمات الشاي الثلاث.

لا يخلو يوم موريتاني من الشاي ولا تقفر منه أركان بيت ولا أطناب خيمة ولا يأتلف مجلس قوم في هذه البلاد إلا كان الشاي محوره ومداره فالجماعة شرط وجوب وصحة في الشاي معا بل هي جيمه الثاني   .ففي حلقة كل مجلس يتربع "القيام" على مواعين الشاي يعزف بها سيمفونية شنقيطية أصيلة تنكشف عن كأس تناسقت أجزاؤها وراق منظرها وحسن سبكها وسكبها معا... لا جرم أن الشاي هنا عملية فنية بامتياز تخضع لتقنيات دقيقة خاصة لا يتمتع بها إلا كل قيام عليم قد ألم بخفايا هذه الصنعة البديعة..وصنع الشاي مهارة اجتماعية وأدبية قبل كل شيء يلتزم قيامه بدماثة الأخلاق وحسن العشرة ولباقة الهندام وكل ما هو محمود من السجايا كالطرافة والظرافة والأدب فالشاي رديف للكياسة والتأني والطمأنينة ويلزم تمديد طقوسه حتى أبعد أمد ممكن وهو ما يعرف في قاموس الشاي ب"الجر" الجيم الثالث والأخير من جيمات الشاي. يمزج الموريتانيون الشاي بنكهة المزاح والغبطة والأثرة والتواصل وشيء من الكرم كثير، فطري، طبيعي لا يكدره مكدر.. ويفوح شذى النعناع من الكؤوس معلنا الانتصار الأخير على الضيق والتبرم والضجر. نعم قد نستورد الشاي كموريتانيين لكننا نصدره أيضا، نستورده خاما مغلفا في أكياسه ونصدره ثقافة ودأبا جميلا مسكوبا في كؤوسه، فما أكثر أولئك الذين زاروا شنقيط فعادوا منها بأباريق وكأس شاي ترافقهم إلى أوطانهم، منهم دبلوماسييون عرب وأجانب وأساتذة ومستشرقون وسياح بسطاء افتتنوا بسحر الإبريق وسكروا بحميا  الكأس الموريتانية فاتخذوها خدنا لا يفارقونه فتراهم يحزمون أمعتهم وعيونهم على الكأس الأخير. altaltلا ريب في أن أكثر ما يعلق بذاكرة زائر شنقيط هوتعلق أهلها بالشاي وشغفهم به حد الإدمان والهيمان وتفننهم في تزيينه وتنميقه والتكرم به على الضيف والصاحب والصديق.. ورغم انتشار الشاي وتاريخه العريق من الصين إلى بريطانيا والهند والعالم الجديد ومناطق أخرى عديدة إلا أن  "أتاي" يبقى عمدة الثقافة البيظانية وتاج زينتها وبهائها حتى أنه لا يمكن تصور الجمال الشنقيطي منفصما عن الشاي فالأشياء الموريتانية الجميلة كالشعر والتاريخ والصحراء والكرم  وحسن الضيافة كلها لصيقة بالشاي الذي تجده حولك وعبيره يملؤ الفضاء من البيت إلى المكتب إلى ركن الشارع إلى قارعة الطريق ..وكم أستغرب أن نبتدع مهرجانات للشعر والمسرح والموسيقى والتمور والمدن التاريخية وغيرها على أهميتها ومركزيتها وننسى عصب وجودنا الثقافي ..ننسى الشاي الذي يستحق مهرجانا يليق بأبهته وروعته ومكانته في نفس قاطن الصحراء وفي مجلس البيظان وفي القيم والخلال التي يشهد عليها الشاي أينما دارت كؤوسه علاوة على ريعه الاقتصادي والسياحي الكبير وهو يستحق بكل ذلك  ولكل ذلك مهرجانا دوليا ينهض بتعريف العالم بأسره بهذه الخصلة والصنعة الشنقيطية المتأصلة ويستدر أقلام الكتاب والشعراء والمثقفين والمبدعين كما يستدر أباريق "القيامين" ليتحفوا الشرق والغرب بما تنفرد به موريتانيا وتتميز حتى نكرم نزيل الثقافة والأرض معا كما نكرم أنفسنا كل صباح..... بالشاي....أولا.

1. فبراير 2013 - 0:00

كتاب موريتانيا

ذات صلة