نحن والشعر... / د. اعل الشيخ احمد الطلبة

altمن الأشياء الغريبة والمثيرة للشفقة في مجتمعنا الموريتاني المبالغة في الإحساس بالأهمية والقيمة الزائدة لأتفه الأشياء والأشخاص. تجد الواحد منا يكاد لا يجيد الأبجديات ولا يحمل من الشهادات سوى لا اله الا الله ولا يعرف عن العالم الا النزر القليل، لكنه يجزم بانه هو مركز العالم وأن البشرية خلقت لتصفق له إذا انشد شعرا بمعجم بالٍ وصور رديئة ومخيلة ضحلة تخلوا من غرض نبيل معاصر غير بغداد وفلسطين....

أذكر أحد اصدقائي المميزين والذي هو ايضا بدوره انتهى به المطاف في غربته بعيدا عن الوطن لأنه لم يحتمل الضياع والتشظي والغبار وانتفاخ الذات، كنت اتحدث معه عن هذه الظاهرة العجيبة والغريبة في مجتمع "البيظان" وماهي اسبابها وهل يمكن تأصيلها ثقافيا وفطريا وهل هي عادة حجازية أم حميرية أم بربرية أم انها نشاز ككل شيء في موريتانيا، فجاء رد صديقي في شكل صورة بسيطة لكنها تعكس الواقع الأليم والإنفصام المعنوي الذي يعيشه الإنسان البيظاني...

قال لي: تصور انك لو ذهبت الى اقصى نقطة من "الشرق" او "القبلة" أو "التل " أو "الساحل" لوجدت إمرأة فقيرة لاتملك من متاع الدنيا أي شيء وقد لاتملك من الآخرة ايضا الا بقايا أطلال من التقوى إمتزجت بالتقاليد حتى طمرتها ذاكرة تاريخية مثقوبة، لكن هذه المرأة يخيل إليها بل هي متأكدة دون أي ريب ولاشك ان السماء لم تقع على الأرض لسبب واحد وهو انها هي التي تمسكها بنسبها وحسبها ومروءتها وشرفها وتقواها....

ينسحب هذا التصور الذي يمكن وصفه بحالة من "الإنفصام الشخصي وإنتفاخ الذات البيظانية" على كل ملامح المجتمع الموريتاني وتقاليده....

فعندما نتابع حضور الموريتانيين الشعري في مسابقة "أمير الشعراء" أو مسرحية "لئيم الشعراء" التي لاترقى الي مستوى المنافسة الأدبية بسبب إحتكارها على أعضاء لجنة لم يتغيروا منذ 5 سنوات وجمهور لم يتغير هو الآخر ومشاركين يتقاسمون كلهم ضحالة الفكر ونمطية الصور الأدبية...

منذ ايام استمعت الى أحد البرامج التلفزيونية على إحدى القنوات الوطنية، التي نحتاج الي قنوات صرف صحي أكثر منها، لبعض المتشدقين الذين يحللون ويعلقون على الشعر في موريتانيا ويصفونه بالميسم الخالد للبلاد ويفتخرون بأننا بلاد المليون شاعر... قد نكون فعلا بلاد المليون "متشاعر" والمليون متسيس والمليون متعسكر والمليون معارض والمليون منافق والمليون محروم والمليون متثاقف والمليون صحفي والمليون مسترزق... نحن فعلا بلاد المهن والمواهب فيها بالمجان وتوزع بالملايين...

كيف نكون بلاد المليون شاعر ونحن لانقارن ابدا بأي دولة في العالم من حيث ضحالة وندرة الإنتاج الأدبي والعلمي. لكننا ننتج اكثر من العالم أجمع الأكاذيب والصور الهلامية والهالات المزيفة حول شعرائنا وساستنا...

يذكر الدكتور الحسن العلوي الذي يعد من ابرز المفكرين الموريتانيين في الغربة والمتحصل على دكتورتان في الطب والأدب وله روايات باللغتين العربية والانجليزية وله العديد من الدراسات العالمية في مقال له بعنوان "الكذبة الكبرى" حيث قام بجرد المعطيات التالية:

1. في الأدب: نتاجنا (في موريتانيا) يا سادة هو 21 رواية في 55 سنة معظمها غير مطابق و لا تتضافر فيه اشتراطات و مواصفات الادب الروائي و يصعب تصنيفه من فرط تداخل الاجناس الرواية و المدارس الادبية في الرواية الواحدة و لعل الوحيد من بلاد المثقفين والادباء الذي تجنب هذا المنزلق المعرفي هو الاديب أحمدو ولد عبد القادر علي ندرة كتاباته قياسا بالمساحة الزمنية التي بدأ فيها ظهور نتاجه الادبي.

أما في الشعر فلا يمكن للمرء أن يحصي اكثر من 30 ديوان شعري طيلة 55 سنة.

دولة جيبوتي الضغيرة جدا و التي يقل سكانها عن نصف مليون نسمة و التي لا تدعي انها من اصلاب العرب الاقحاح و لا تعيش هوس العروبة و التباهي الشوفوني الذي يتسم به البيظان نتاجها الروائي باللغة العربية معدله 42.3 رواية في العام.

2. في علم النفس :لا يوجد مصنف موريتاني واحد بالغة العربية طيلة 55 سنة , في حين أن الصومال المنهك بالحروب والمجاعة قدم أبنائه 43 مصنف خلال 40 سنة الاخيرة.

3. في علم الاجتماع : لا يوجد مصنف باللغة العربية طيلة 55 سنة .

4. في الجغرافيا : 4 مصنفات باللغة العربية طيلة 55 سنة .

5. في التاريخ: 28 مصنف باللغة العربية طيلة 55 سنة .

6. في النقد الادبي: هناك مصنفان يتيمان للدكتور محمد ولد عبدي طيلة 55 سنة .

7. في المسرح : مصنف يتيم يدعي " السنوات العجاف" لعبد الله بن حميدة طيلة 55 سنة. على الرغم من كل هذا تسمى موريتانيا مجازا أو سخرية ببلاد المليون شاعر، ذلك أن حفظ الشعر قد أرتبط بتسمية البلاد منذ ستينات القرن الماضي عندما جاء صحفي عربي وأطلق التسمية على هذا ’المنكب البرزخي’ تهويلا منه للواقع أو محاولة لتسويق تقريره عن المكان. المهم أن بلاد شنقيط تعرف عند الكثير ممن لا يعرفونها ببلاد الشعر والشعراء على الرغم من أن ما يزيد عن 60 % من سكانها الثلاثة ملايين أميين ولكنهم شعراء...

شنقيط ... ورثة الجاهلية

فبلاد شنقيط أو الأرض السائبة هي أشبه مناطق العالم ببيئة الجاهلية ولهذا السبب لاغرو أن يهتم أهلها قديما وشبابها حديثا بقرض الشعر والتركي على الأمسيات الشعرية و البلاغة الجوفاء بدل القراءة. أنا هنا لا أقول بأن الشعر يتعارض مع القراءة لكنه بالأساس قطعا لا يؤدي إلي الكتابة الفكرية والتحليل والنقاش الأكاديمي. فالشعر عندنا لم يصل إلي الغرض أو ’الالتزام’ الفكري الذي المنشود من الإبداع في جوهره وهدفه الاجتماعي، فالشعر في بلاد شنقيط لازال الشعر إبداعا عبثيا لا يملك أي مشروع اجتماعي ولا سياسي....

اذكر نقاشا جمعني ببعض زملائي الشعراء وآخرين معجبين بالشعر- وأنا طبعا واحدا منهم- حول أهمية الشعر و مدى مساهمته في بناء الوعي و تدوين الذكريات التاريخية و الأحداث المهمة للبلد.، كان السؤال: هل للشعر القدرة على التكثيف و التحليل بقدر الرواية؟ طبعا ظل سؤالي دون جواب لأن أصدقائي لم يقرؤوا أي رواية موريتانية مع انه يحفظون لعنترة بن شداد وقيس ابن الملوح والفرزدق وحسان ابن ثابت و أحمد شوقي.... وربما لنزار قباني، لكني أشك في أنهم استوعبوا شعر هذا الأخير نظرا لتوظيف الأسطورة و الخروج عن سجن الخليل بن أحمد الفراهدي السخيف والذي لازال معظم شعرائنا يعيش فيه ويلوكه....

قد يقول البعض إن الشعر هو الإبداع الوحيد الذي ’رفع رؤوسنا في المحافل الدولية’ كما قال أحد زملائي، لكن الجواب بسيط وهو أننا ببساطة لا نشجع الإبداعات الفنية الأخرى مثل: الكتابة النثرية والرسم و الخط والرقص في مقابل تمجيدنا وتشجيعنا للشعر..

ربما يكون سبب هذا الافتتان بالشعر عائد لأننا أمة لا تقرأ بل نحب الاستماع بدل الكتابة والتفكير، ’إننا أمة سطحية في تفكيرها و ذوقها الفني’، كما قال صاحب مكتبة قرب سوق العاصمة عندما كنت ابحث عن رواية أحمدوا ولد عبد القادر ’ القبر المجهول أو الأصول’....

فمثلا، من يتابع الإذاعة والتلفزة الوطنية اليتيمة، يتضح له أننا شعب لا يريد التفكير و لا يريد النهوض من خلال الندوات والمسابقات الشعرية والغنائية التي أصبحت موضة مثل ’ النغمة الغير ذهبية ...’أو ’المداح’، أو ’البداع’ والبرامج الأخرى التي تستضيف بعض الطلبة وهواة الشعر ليستعرضوا بطولاتهم البدائية على شاشة معظم مشاهديها لا يفهمون حتى اللغة العربية الفصحى....

هذا في أحسن الأحوال، أما إذا حاولت وسائلنا الإعلامية التجديد والإبداع فإنها تقوم بدعوة وجوه وأصنام متهالكة في الفكر ومفكرون لا يميزون بين المنهجية و الأسلوب و لا المضمون والسياق.. لقد تعودنا علي هؤلاء حتى أصبحت التلفزة تعرف بهم، أما الصحفيون فهم من غير المتخصصين من المراهقين الذين لم يحصل معظمهم على الباكالوريا، أما المحظوظ منهم فهو خريج ’حظيرة الحيوانات’ التي يسميها البعض كناية بالجامعة....

الشعر والنثر والصحراء

منذ أن كتب أحمدو ولد عبد القادر أول رواية موريتانية في الثمانينات من القرن الماضي لم تقرر حتى الآن ضمن المنظومة التربوية للتلاميذ في الإعدادية أو الثانوية بينما قصيدته ’في الجماهير’ عن القضية الفلسطينية الخاسرة تكاد تكون دستورا لمعظم الموريتانيين. أنا على يقين أن معظم الشباب الموريتاني اليوم لم يقرا أبدا، بل لم يسمع بأسماء مثل: سميرة حمادي فاضل وروايتها (حشائش الأفيون) و حمود ولد سليمان ( تجمعنا سفينة واحدة) و محمد ولد محمد سالم ( ذاكرة الرمل و أشياء من عالم قديم ) و طيبة بنت إسلم في مجموعتها القصصية ( شغف الذاكرة....(والشيخ ماء العينين (أحمد الوادي) و محمد ولد أحظانة (رحم الأرض) و محمد سالم ولد الصوفي (مودة) و المختار السالم أحمد سالم (موسم الذاكرة) ، طبعا هؤلاء الكتاب لا يمثلون إلا نماذج لكتاب الرواية والقصة الموريتانية مثل الدكتور موسى ولد ابنو( الحب المستحيل، مدينة الرياح) و الصحفي امبارك ولد بيروك (Et le Ciel a Oublié de Pleuvoir) و محمد ولد بلال (Bilal) وتربة بنت عمار ( وجهان في حياة رجل)، على الرغم من تفاوت نضج التجربة لكل من الكتاب، لكن لنذكر فقط بعض الأسماء التي حاولت كسر حاجر الشعر السميك الذي يكبل الإبداع في موريتانيا....

أين نحن -مجتمع البيظان- من الإدعاء والحقيقة...؟ متى تنتهي مهزلة إنتفاخ الذات والإعتقاد بمركزية العالم..؟ أعتقد ان الجواب على هذه الأسئلة لازال صعبا في ظل ظرفية الركود الثقافي والجوع الفكري الذي يجتاج بلادنا ويتغلغل في صدور وأمعاء الأجيال قبل ان يولدوا حتى....فإلى متى

4. يونيو 2013 - 21:45

كتاب موريتانيا

ذات صلة