الطلاب الموريتانيون في المغرب بين أحلام التسجيل وهواجس العودة/ كريم الدين ولد محمد

كريم الدين ولد محمدكثيرون هم أولئك الذين حملتهم آمال التسجيل في جامعات المغرب على ركوب قطار الغربة الذي يحلم معظم الموريتانيين بركوبه، لكن الرحلة هذه المرة ليست كما يتمناها البعض فالمغرب بطبيعة الحال يختلف عن الجنان الأوروبية التي يتهافت الناس إليها، والأكيد طبعا أنه حتى ولو تحقق حلم التسجيل الأقرب إلى المستحيل فليس معنى ذلك أنك قدمت رجلا إلى أحد أبواب الجنة الثماني.

لقد ركب طلابنا المساكين قطار الجوع والتعب حاملين معهم أحلاما وردية بدء من إكمال الدراسة وانتهاء بحياة أفضل تتيحها لهم شهادة عالية وعمل محترم وراتب كبير وسيارة فاخرة...إلخ، تلك الأحلام التي طالما ساهمت في تهجير خيرة من أبناء هذا البلد وحرمتنا من إمكاناتهم المختلفة حتى أصبح جلهم لاجئين غير مرحب بهم بعد أن كانوا مهجرين لا إراديا في وطنهم الأم.

ركب إذا ثلة من طلاب موريتانيا المتميزون والحالمون بالتميز قطار الخطر والمجهول ليلقي بهم أخيرا في أحد الأحياء الشعبية لمدينة الرباط في منزل صغير أعد لاستقبال الطلاب القادمين من موريتانيا على كثرة عددهم، ولا تسأل عما بداخل المكان فإنه يصلح بامتياز لأن يكون سجنا صغيرا لشباب ظنوا أنهم تحرروا لتوهم من السجن الأكبر وكل الناس في بلادنا سجناء.

قذارة ووسخ وعراك على الأكل والشرب والنوم وطابور طويل على غرفة المستراح قد ينتهي باقتحام المكان على من بداخله ليحصل التغيير في الداخل على الطريقة العسكرية الموريتانية، ولعل مشكلة التغيير مع إبدال الغين قافا على مذهب الجنرالات من أكثر المشاكل التي تقض مضاجع النزلاء من الطلبة الكرام. هذا هو ما أعدته موريتانيا بسفارتها واتحادها الكبير لاستقبال أمواج الطلبة الراغبين في التسجيل ليكون نقطة انطلاقهم إلى فضاء الأحلام المغربية فماذا بعد ذلك؟

لقد أحس أحمد وهو أحد الحالمين بالتسجيل للوهلة الأولى منذ أن وطأت قدماه أرض المغرب أنه في بلد مختلف تماما، بلد قطع أشواطا كبيرة في ميدان التنمية، حتى أصبح يريك كل صغير فيه وكبير أن موريتانيا لا تزال بعيدة، فما إن انطلق المسكين من ذلك المنزل الصغير حتى بدأت خلجات نفسه تصول وتجول وبدأ مجسم الأحلام في ذهنه يكبر شيئا فشيئا حتى وصل إلى السفارة الموريتانية في الرباط حيث كانت موريتانيا بأجمعها هناك تنتظر الموظف الكبير ليطل في نهاية اليوم بطلعته البهية وبدلته الشبيهة بتلك التي يرتديها قادة البلد من العسكر، مؤكدا من خلال أسلوبه أن التعامل مع الطلاب سيبقى عسكريا ولو في الرباط.

غادر أحمد السفارة الموريتانية متجها إلى الوكالة المغربية للتعاون الدولي ومن عادة طلاب المغرب أن يسعوا بين الاثنتين لأكثر من سبع مرات في اليوم وبالطبع لا ترحيب هنا كما لا حسن معاملة هناك فعمال الوكالة المغربية للتعاون الدولي يعاملون الطلبة الموريتانيين بنوع من الازدراء وعدم الاهتمام يكفي لتفسيره ما يلقونه في سفارة بلادهم.

خرج صاحبنا المسكين من عالم الأحلام كمن رأى في نهاية حلمه أن حجرا ضخما سقط على رأسه فاستيقظ فزعا ظنا منه أنها الحقيقة، والحقيقة أن أحلام التسجيل قد أخذت تسلك طريق الواقع الصعب ليسلك معها أحمد طريق العودة إلى منزل الإتحاد المشهور الذي تعهد الاتحاد مشكورا بتأجيره سنويا لاستقبال الطلاب الجدد حسب استطاعته وحسب ما يتمكن من انتزاعه من السفارة الموريتانية غير مشكورة على ذلك، عاد المسكين إلى السجن الضيق لتبدأ من جديد رحلة العذاب المتمثلة في البحث عن التسجيل تلك الرحلة التي سار فيها كثير من طلاب موريتانيا حيث لم تبق جامعة في المغرب إلا وضربوها بأرجلهم بدء من جامعة محمد الأول إلى جامعة محمد الخامس مرورا بجامعات الحسن الأول والحسن الثاني وسيد محمد وغيرها من الجامعات والأسماء والمسميات فلم تبق مدينة مغربية تحتضن جامعة إلا نلنا حظا من بردها وسحابها، ولا زال الكثيرون في مواصلة الرحلة يسيرون مع القطار حيث سار وفي الحافلات أينما اتجهت.

وحتى أولئك الذين حصلوا بشق الأنفس على موافقات مبدئية من بعض الكليات لا تزال أحلامهم في التسجيل معلقة بإرسال ملفاتهم من الوكالة المغربية للتعاون الدولي والتي لا تزال ترفض وتماطل في توجيه تلك الملفات إلى الكليات المعنية، فيما بدى أن أزمة دبلوماسية تعصف بالعلاقات بين البلدين والضحية هم أولئك الطلاب الذين جاؤوا على جهودهم الخاصة بعد أن لم توفر لهم حكومتهم جامعات يدرسون فيها.

ومن الواضح أن جنرالات السياسة في موريتانيا لا يسعون في حل لهذه المشكلة، ومن غير العجب أنهم يتصرفون معها بعدم اهتمام واضح، لم لا وهم من اختصروا المسافات دون أن يعرفوا أن للعلم عقبات تجعلهم يفهمون ما يعانيه طلاب المغرب من مشاكل التسجيل، فمن المعروف في قواميسنا الاجتماعية أن كل فاشل في الدراسة يذهب به أهله وذووه إلى مؤسستنا العسكرية والأمل يحدوهم في أن يصبح في يوم ما رئيسا لموريتانيا بعد أن ينجح في انقلاب عسكري يوصله إلى السلطة.

وفي ظل نظام قادته من هذا القبيل من غير المنطقي أن يعول الطلاب على حل لمشكلتهم ذات التفريعات السياسية المعقدة، خصوصا أن السياسة الخارجية الموريتانية تتسم بالفشل وعدم الوضوح خاصة في فترة الجنرال عزيز الذي أصبح يتحرك بين الشرق والغرب بأسلوب متهور وكأنه أتشرشل جديد بعث في الأمة الموريتانية، وقد غاب عن ذهن المسكين كونه لا يعدو عسكريا موريتانيا دخل المؤسسة العسكرية بالطريقة المعهودة قبل أن يقود انقلابه الأخير، ولعل مما غاب عن ذهنه أيضا أن هؤلاء الطلاب العالقون بالمغرب إذا لم يحصلوا على التسجيل في جامعات المغرب فليس أمامهم من خيار سوى الرجوع مكرهين إلى البلاد وهو ما قد يشكل خطرا على النظام الموريتاني الفاسد والفاشل على المستويين الداخلي والخارجي، حيث أن البلاد تشهد احتقانا داخليا شديدا قد يزيد من حدته عودة ميئات الطلاب الحالمين بحياة أفضل، تلك العودة التي باتت بوادرها تلوح في الأفق إذا لم تتدخل الدولة لحل مشكلتهم، مما قد يثير مشكلة جديدة تضاف إلى رصيد الحكومة المليء بالمشاكل.

فهل ستتحول أحلام التسجيل في المغرب إلى اعتصامات في ساحات نواكشوط الضيقة؟

كريم الدين ولد محمد

11. ديسمبر 2011 - 11:31

كتاب موريتانيا

ذات صلة