دفاعا عن فتوى الشيخ الددو... وضعا للنقاط على الحروف / محمد يحيى بن محمد بن احريمو

طالعتنا المواقع الالكترونية الموريتانية ببيان للأستاذ الفاضل الشيخ بن  الإمام بن الزين ينتقد فيه فتوى الشيخ محمد الحسن بن الددو في برنامج الشريعة والحياة حول مشروعية الجهاد في سوريا, وهي فتوى تحدث فيها الشيخ الجليل عن وجوب مساندة المجاهدين الذين يدافعون عن أموالهم وأنفسهم في سوريا, ويكشف فيها بعض مساوئ النظام الفاجر الذي استطال على دماء المسلمين وأموالهم وانتهك حرماتهم.

 

ومع أنه لا أحد ينازع في أحقية الأستاذ الشيخ في التعليق على فتوى الشيخ الددو وغيره من كبار العلماء-  شانه في ذلك شأن كل طلبة العلم - إلا أنه كان يسع الأستاذ الفاضل أن يتثبت ويتبين قليلا حتى ينظر إلى الموضوع من مختِلف زواياه وأبعاده, فهو موضوع معقد يحتاج الناظر فيه إلى سعة في العلم وخبرة  بمقاصد الشرع  وقدرة على  تنزيل النصوص والأحكام الكلية على الوقائع الجزئية وهو ما يسميه علماء الأصول  بتحقيق المناط.

وذلك من أجل تكييف الموضوع ومعرفة حكم الله تعلى فيه, من خلال الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة والاستعانة بما قاله العلماء الراسخون وما فهموه من نصوص الشريعة.

إن الغلط الذي يقع فيه بعض العلماء في مثل هذا غالبا ما يكون ناشئا من نظرهم في الموضوع   من إحدى زواياه, وإفراغه في قالب العمومات والكليات من غير اعتبار لتفاصيله وقيوده  وعوارضه الخاصة.

وقد حذر العلماء من هذه الخطة واعتبروها سببا في انحراف المفتي, وقد قال ابن عمكم العلامة عبد الله بن أحمد بن الحاج حمى الله الغلاوي   في تسليمه لبعض فتاوي الفقيه القصري الولاتي: " إن الغلط شأن من يكتفي في فتواه بالنظر في أدنى كتاب فينطبق عليه قول الشاعر :

فقل لمن يدعي في العلم فلسفة*** حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

ولذلك حرم العلماء الفتوى دون تمام النظر في القيود في مظانها من المطولات إذ لا يخرج الصواب إلا عند ازدحام العقول ولا يتحرر الإفتاء إلا بعد مقارنة النقول, ولا يغلط عادة إلا المتقحمون على الفتوى بمجرد لفظة أو نقل..."( نوازل الفقيه  القصري  مخطوط)

لقد غلط المعلق في نظره إلى الموضوع على أنه مجرد خروج على السلطان, وإعراضه عن الأحداث المتتالية التي عرفتها بلاد الشام وما جرى على ضعفاء المسلمين فيها من عذاب وهوان أوجب عليهم ان يدافعوا عن أنفسهم وحرماتهم .

وقد بدا لي أن أسجل بعض الملاحظات على تعليق الأستاذ وذلك كالتالي:

من باب الطرفة أنبه على أن  الأستاذ حاول  في بداية رده أن يأتي ببراعة استهلال, فأورد أبيات العلامة المختار بن بونا التي يجيب فيها الشيخ سيدي المختار الكنتي والتي يقول فيها:

 

وكوني لم أذكر  كذكرك لم يكن *** ليمنعني التوفيق من مانح العطا.

ورواية الأستاذ للبيت هكذا:

وكوني لم (أحظى كحظك)  لم يكن*** بمانعي التوفيق من( مانحي الخطا)

وقد صحف البيت تصحيفا حيث أضاف اسم الفاعل من منح إلى ضمير المتكلم – على خلاف رواية البيت  -  وجعل مفعوله الثاني :" الخطا" , بدل العطاء التي في بيت ابن بونا, فصار مقتضى رواية الأستاذ للبيت أنه "قد منح الخطا". ومثل هذا  التصحيف الطريف مما يتشاءم به الكتاب عادة.

وفي الشطر الأول تصحيف آخر أعرضنا عنه من باب " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم".

 

 

لقد حاول المعلق- رغم اعترافه بان رأي الشيخ رأي كثير  من العلماء-  أن ينحي باللائمة على الشيخ في تظاهره بمثل هذه الفتوى  منطلقا من فرضية: "كرسي الجماعة" وهي مقولة حق أريد بها باطل,  فما فائدة كرسي الجماعة إذا كان محيدا عن النظر في قضايا المسلمين وأمورهم العامة ؟!ما دور هذا الكرسي إذا استبيحت الدماء والأموال وبقي صاحبه واجما ساكتا إلا عن طرفة أو نادرة يتلهى بها؟! ألم يقل الله تعلى: (يأيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله )؟!  ألم يبايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على: "أن يقولوا بالحق حيثما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم"؟! .وقد قال العلماء قديما :"إن الورع لا يفتى به" ونحن الآن نقول: "إن الطرف والنكت لا يفتى بها" فيا ضيعة أهل العلم.

أن محاولة الخلط بين موضوع بشار الأسد والخلاف الواقع بين العلماء في تكفير المبتدعة ومذهب  الخوارج في تكفير مرتكب  الكبيرة ومذهب أهل الإرجاء, ومحاولة توظيف تلك الخلافات العقدية في هذه المسألة كل ذلك خروج عن الموضوع وإخلال بالمنهج العلمي  وتعلق ببنيات الطريق ومسالك الجدل المذموم.

فليس تكفير بشار هنا متعلقا بموضوع الإرجاء بل هو نابع من أقواله وأفعاله ومذهبه الزائغ, .

أن محاولة تعطيل النصوص الشرعية التي تتحدث عن الردة - بسبب أن العلماء اختلفوا في بعض الأقوال والأفعال هل هي سبب للردة  - تلبيس ومغالطة مكشوفة لا يمكن السكوت عنها. فهناك حد فاصل بين الكفر والإيمان لا يمكن تجاوزه قال تعلى:( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) وقال: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرت مبعد إيمانكم).

وقال خليل في مختصره: "الردة كفر المسلم بصريح أولفظ يتضمنه أو فعل يقتضيه ". وللشيخ الددو وغيره من العلماء مستندهم في تكفير بشار فقد ثبت أن جيشه استهزأ بآيات الله وحمل الناس على الكفر وعلى أن يقولوا: " لا إله إلا بشار", وظهر من حاله استحلال القتل وغيره من الجرائم فأي كفر بعد هذا ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!.

وقد سئل أحد العلماء المقربين من الأسد عن إكراه جنوده للناس على كلمة الكفر فلم يستطع إنكار ذلك وراح يلوم المتظاهرين ويقول إنهم السبب في كل ما حصل!.

ثم إن بشار إن كان له حظ من الإيمان فهو على مذهب النصيرية وقد أفتى العلماء قديما مثل ابن تيمية وابن العربي وغيرهم بتكفيرهم دون غيرهم من طوائف الشيعة.

وقد أفتى العلماء في القرن التاسع بتكفير تيمورلنك لما ظهر منه من الفساد والاحتكام إلى غير شرع الله مع أنه كان يدعي الإسلام وشعائر الإسلام ظاهرة ببلاده وكان له خطيب وقاضي ( الضوء اللامع للسخاوي 2\6). وعموما فأحكام الردة ما شرعت إلا لتنطبق على من اتصف بها وتقام عليه أحكامها.

أما كلام النابغة في منظومته فهو متعلق ببعض الالفاظ التي تصدر من بعض المسلمين فلتة من غير قصد ولا إصرار, وقد كان غرضه منه الرد على من يرى التساهل في شأن الردة, فنبه على ضرورة الاحتياط والتحرز وسياق منظومته في الموضوع  مؤذن بذلك.  مع أن كلامه لم يخل من انتقاد وقد كتب في الرد عليه العلامة المحقق محمد عبد الله بن الإمام الجكني رحمه الله وأجاد في ذلك.

 

أن تكييف الموضوع السوري على أنه خروج على السلطان مقولة ممجوجة تخالف الصواب , فقد خرج الموضوع من هذه الفرضية منذ الأشهر الأولى, وتحول إلى  صراع بين شعب مسكين يدافع عن حريمه وسلطان جائر.

على أن الخروج على السلطان الجائر مذهب كثير من العلماء من السلف وغيرهم وقد انتصر له إمام الحرمين في كتاب الغياثي والقرافي في الذخيرة  خاصة إذا كان معيار  الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على الخروج يقضي بأرجحيته.

وفي هذه الحالة فقد يتحول حكم  الخروج والثورة  إلى الوجوب كما هو مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا وأطيعوا ... ما لم تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان", ففي هذه الحالة يصبح الخروج على الظالم الذي تجاوز إلى حد الردة واجبا بنص الحديث ويصبح جهاده مثل جهاد الكافر الأصلي, إذا هو من جهاد الدفع الذي هو آكد

أنواع الجهاد. 

وليت بعض منتسبي مذهبنا مذهب إمام الهجرة مالك بن أنس, يمتلكون نصيبا من المنهجية والأمانة العلمية, ويترفعون عن التعامل مع النصوص بانتقائية زائفة : (نؤمن ببعض ونكفر ببعض). كي يعلموا أن مذهبهم قد قطع الطريق عليهم فلم يترك الباب مفتوحا لاستغلال النصوص وتطويعها لمقتضيات السياسة.

وخير مثال على ذلك أن الفقه المالكي وإن منع الخروج على السلطان  فقد حرم عليه قتال الخارجين عليه إن كانوا قد خرجوا لسبب وجيه ومطالب مشروعة.

فقد نص الفقهاء  على  أنه  السلطان غير العدل – مثل بشار- لا يجوز له قتال من خرج عليه قال خليل: " الباغية فرقة خالفت الإمام" إلى أن قال: "فللعدل قتالهم",  قال شارحه المواق: " قَالَ ابْنُ يُونُسَ : افْتَرَضَ اللَّهُ قِتَالَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ : وَإِنْ كَانُوا يَظْلِمُونَ الْوَالِيَ الظَّالِمَ فَلَا يَجُوزُ لَك الدَّفْعُ عَنْهُ...وقالَ عِيَاضٌ : انْحَدَرَ الْمَأْمُونُ إلَى مُحَارَبَةِ بَعْضِ بِلَادِ مِصْرَ وَقَالَ لِلْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ : مَا تَقُولُ فِي خُرُوجِنَا هَذَا ؟ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَهُ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ دَمِكَ فَقَالَ : إنْ كَانُوا خَرَجُوا عَنْ ظُلْمِ السُّلْطَانِ فَلَا يَحِلُّ قتالهم... ابْنُ عَرَفَةَ : لَوْ قَامَ عَلَى إمَامٍ مَنْ أَرَادَ إزَالَةَ مَا بِيَدِهِ فَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا .".(التاج والإكليل للمواق ).

  فهذه نصوص مذهب مالك مجمعة على أنه ليس لغير العدل أن يتعرض لمن خرج عليه متأولا فليتنا معشر المالكيين نستحضرها وننأى بانفسنا عن هذا المسلك المشين.

أن قتال  الظلمة والمحاربين جهاد شرعي وهو أفضل من جهاد الكفار عند كثير من  المالكية, وقد ثبت له هذا الوصف بكلام الصادق المصدوق  صلواة الله وسلامه عليه فقد جاء  عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنه لم يكن نبي قط إلا وله ومن أصحابه حواري وأصحاب يتبعون أثره ويقتدون بهديه، ثم يأتي من بعد ذلك خوالف أمراء، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ". رواه الإمام أحمد وصححه الألباني(صحيح الجامع: 5790) وأصله في صحيح مسلم.ونص مالك في المدونة على أن جهاد المحاربين أفضل من قتال الكفار  قال ابن رشد: " قال محمد بن رشد : جهاد المحاربين عند مالك وجميع أصحابه جهاد قال أشهب عنه : من أفضل الجهاد وأعظمه أجراً ، وقال مالك في أعراب قطعوا الطريق : إن جهادهم أحب إلي من جهاد الروم ، وقد قال النبي عليه السلام : ومن قتل دون ماله فهو شهيد . فمن قتل دون ماله ومال المسلمين فهو أعظم لأجره," فهذه نصوص كلام المالكية صريحة في اعتباره جهادا شرعيا وما ذا بعد الحق إلا الضلال.

 

أن مساواة العصابة الظالمة والشعب المسلم المسكين ظلم وجور بنص الكتاب العزيز  قال تعلى: (أفنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار).

هذا ما أردت بيانه والله الموفق.

 

26. يونيو 2013 - 15:20

كتاب موريتانيا

ذات صلة