إشكالية التصنيف في الفكر السياسي الموريتاني/سعدبوه ولد الشيخ محمد

altيعتبر الانتماء السياسي حقا شخصيا لكل مواطن، فمن حقه أن يقرر الحزب، أو التيار السياسي الذي ينتمي إليه بناء على اعتبارات تخصه وحده، بيد أن الغريب في الثقافة السياسية الموريتانية هو أن المتعاطين للشأن السياسي، أي السياسيين،

 أو "المتسيسين" يمارسون نوعا من "الوصاية" على المواطنين عموما، والكتاب، والمثقفين خصوصا، بمعنى أنهم يصنفونك تلقائيا بمجرد أن تكتب، أو تتكلم، أو تظهر على شاشة تلفزيون، فإذا لم تكن تطبل، وتزمر للنظام ، فأنت إذا من المعارضة، وإذا لم تجار المعارضة في آرائها، وتنكر، أو تتنكر لأي إنجاز للنظام فأنت تلقائيا من الموالاة!!.

إشكالية التصنيف السياسي هذه أصبحت عائقا أمام الكثيرين يمنعهم من المشاركة في الشأن الثقافي، أو الاجتماعي، ناهيك عن السياسي، لقد صدمت كثيرا عند ما اتصل بي العديد من الأصدقاء، والزملاء يسألونني: كم دفع لك وزير الدولة للتهذيب من نقود؟؟؟ ما ذا أعطاك من امتيازات؟؟ من الذي أوصلك إليه؟؟؟ وقد وجدت صعوبة كبيرة في إقناع زملائي أنني لا أعرف وزير الدولة للتهذيب إلا عبر التلفزيون، أو خلال المؤتمرات الصحفية، كل ما في الأمر أنني أردت أن أروي قصة كنت شاهدا عليها، عندما بدا لي أن بعض المواقع الإلكترونية قد حرف تصريحات الوزير عن مضمونها، وأخرجها من سياقها، فكتبت مقالا بعنوان:"إنصافا للحقيقة وللوزير ولد باهيه" .

وقد أردت من هذا المقال انتقاد سلوك البعض في نشر الشائعات، وتلفيق الفضائح، واختلاق القصص باعتبار ذلك سبقا صحفيا، وإنجازا يحسب له، وبينت أن مهمة الصحفي، ودوره أهم من ذلك بكثير، ولم أدافع عن وزير الدولة، بقدر ما أردت توضيح هذه الفكرة، والتحذير من هذا المسلك.

لكن البعض ما إن قرأ اسم الوزير في عنوان المقالة، حتى استنتج تلقائيا أنه دفع لي، أو اتصل بي، أو اتصلت به، وأقسم بالله العلي العظيم أن أي شيء من ذلك لم يحصل على الإطلاق، لكن السؤال المحير: هل بات علينا أن ندفع عنا تهمة"الموالاة" كلما كتبنا آراء تتقاطع مع الرأي الرسمي؟؟!!! وهل علينا أن نوكل محامين ليبرءونا من تهمة "المعارضة" كلما كتبنا آراء تتماهى مع ما تطرحه المعارضة؟؟!!! هذا هو الإشكال بنظري.

إن المنطقة الوسط هي دائما عامل استقرار، ووفاق بين الفرقاء السياسيين، تماما كما أن الطبقة الوسطى هي التي تعكس مدى النمو الاقتصادي للدول، كلما ازدادت هذه الطبقة، كلما عاش المجتمع في رخاء، وسلام، أما إذا انحسرت يميل المجتمع إلى الفقر المتقع، أو الغنى الفاحش، على حساب الأغلبية.

أهل السياسة عندنا لا يقبلون أبدا بوجود "منزلة بين المنزلتين" أو منطقة رمادية بالمفهوم السياسي، وكأننا في يوم القيامة، حيث فريق في الجنة، وفريق في السعير، عالم السياسة لا يمتلك فيه أي طرف مهما كان الحقيقة المطلقة، أو الصواب الكامل، كما لا يوجد تيار سياسي سلبي بالمطلق، ومن هنا جاء مفهوم "التكامل" بدل مفهوم "الصدام" وهذا ما لا يفهمه سياسيونا للأسف، وإن كانوا يفهمون، فهم لا يطبقون.

فمن حقي أيها "المتسيسون" أن أنتمي للمعارضة، دون أن أوصف بالتطرف، أو الفساد... كما أن من حقي أن أنضم للنظام، وأدافع عن سياسته دون أن أوصف بالنفاق، أو التزلف، أو التصفيق، كما أن من حقي أن أمسي معارضا، وأصبح مواليا، وليس ذلك "انتهازية" أو ليست السياسة لعبة المصالح، وفن الممكن؟؟!!

إن منطق الشتم، والسب، والتجريح، وسياسة ادعاء "العصمة" السياسية، وشيطنة الآخر ستؤدي بوطننا لما لا تحمد عقباه، هذا ما أردت توضيحه لزملائي الإعلاميين، فاتهمت "بالتصفيق للنظام، أو لوزير معين، وها أنا ألفت انتباه فرقاء السياسة إلى أن هذا المنطق ليس هو أفضل ما تمارس به السياسة، فعليك – إذا كنت سياسيا ناجحا- أن تقنع الشعب بنجاحك، بدل أن تصرف جهدك، ووقتك في إقناعه بفشل غيرك.

13. يوليو 2013 - 18:34

كتاب موريتانيا

ذات صلة