معـركة "آرميظيــن" للفكاك من ميثولوجيا الأسيـاد! / عبيد ولد إميجن

لطالما، دهش "آرميظين"..؛ من حكايات ومزاعم لا تفتأ توزعها على مسامعه "الْحَجَةْ"، إنهـا سيــدة لا تكف عن الغمز و الإيماء في محتـده البــائس، إنها لا تنظر إليه إلا بعين خَفض واحتقار بسبب أصله التــافه ومكانته كوضيــع...

وهكذا تقتضي الأعراف والتقاليــد أن يعامل العبيــد.. إنه أيضا، مما يــزيد الأمــر تعقيدا أن "الْحَجَــةْ" ليست سوى امرأة يلفها الغموض، غير أنه بإمكاننا أن نخلص شخصيتها في كلمتين : حب التملك والظلــم.

 

لكن "الْحَجَةْ"، كانت الأقــدر داخـل أوساطها الأسرية والاجتماعية على غـرس القيم الوضيعة في مدارك المسكين، وفي حفر الدونية في مخه وفي سلوكه الاجتماعي فيما بعــد وتحديدا في علاقته بالآخرين التي طبعها انطـواؤه على نفسه،.. كان "آرميظين" نموذجا بشريا للطبقة القلقة والمعذبة، والتي أعطت كل ما تملك من غير تذمر ولا سخط وسعى أفرادها للتضحية بوفاء غير معهود في سبيل أسيادهم..، ونشـأ "آرميظيـن" منـذ مراهقته تحت "خالفت عربيتو" "الْحَجَةْ" راضيا بحاله ومآله.

ولطالما تساءل "آرميظين" في قرارة نفسه؛ أيعيب "مولانا" أن خلقني  أحمر أو أســود اللون؟

إن بشرته الفاتحة السمرة ما جلبت لـه سـوى التندر داخل أوســاط ملاكــه، فمنــذ، بواكير طفولته بــدأ أسياده يعيرونه بألقاب لا زالت عالقة في ذهنه، وسمــع، مـرارا وتكرارا أن "مولانا" (حــاشاه) إنما يحقــد بشــده على العبـــد الأحمـر، لذلك فمــن غير المنتظــر أن يشـم "آرميظين" وغيــره من المساكيــن رائحة الجنة – ولــو  نهق في عز الظهيرة حمار وحش معلق في كبد السماء - ثم إن السيدة "الْحَجَةْ"، لا تنقصها حجج إضافية لإثبات إدعاءاتها.

لقــد كانت "الْحَجَةْ"  امرأة دميمة وعبوس لكنها إلى جانب ذلك ظلت عالمة بثقافة شفاهية توارثها الأحفاد عن الأجــداد، وأثرت في الجميع كثيــرا حتى كادت تكون دينا تبرره مؤلفات فقه النوازل التى كتبها "بيظــان" قدماء، وغذتها بشدة تفسيرات محمد إبن سيـرين (توفي 110هـ)، حتى أمكن للــحجة المزج بين أقــداح مزاعمها.

وسمــع المسكين منها، أن الرسول (ص) منذ أربعة عشرة قرنا كان يتعــوذ بشــدة من رؤية الأُمَــةِ الحُمَيْرَاءْ أو العَبْدِ الأْحْمــَرْ، إن وطبقا لهذا الاعتقاد فــإن أشباه "آرميظيــن" لا مقام يأويهم بين صفوف المؤمنين الصالحين الذين جدوا وكدوا حتى تبوأت أقدامهم قعرا بجنان الخلد.

ومنـذ مولده في "الحاضــرة" عــام بَوْتَتْ أَرْعٌود (1965على وجه التقريب)،..، اشتغل سريعا في تنمية ماشية أسياده، وتولى مهمة "الفزعة بحثا عن الحطب"، وكان تارة مرسالا سريعا بين لخيام،.. يطبخ ...يغسل الأواني كما مــؤخرات الصبيان، ولــم يبلغ السادسة من عمره حتى "مَاتَتْ أَزْنٍينْتٌو". حدث ذلك قبــل أن يتملكه الطمـوح للأشياء الرائعة والجميلة، مثل الحرية والغضب وحســن الخطاب.

قبـل ذلك، ما كان ليتــذوق طعــم الرفض حتى لا يُعنف أو يُضرب بشــدة، فقــد كانت "الْحَجَةْ" تقدر على مجازات أعماله بأســوء الأعمال، كانت أي زلة منه ستبادله مقابلها التكبيل وشــد الوثاق "أَعَظَــالْ" على أديم رمضاء آوْكَارٍ ساخنة، إن في الحــي من أتراب "آَرْمَيْظِينْ" من سيعين "الْحَجَةْ" على تأديب عَبْــدٍ آبق، وفي ذلك يتوفر للصبية حظ وافــر من الفرجة ومنه توصل رسائل الطاعة لأبناء العبيد بقصد الإتعــاظ.

عندما تزوجت "الْحَجَةْ" تلقته هدية من جـدتها، ضمن مجموعة من الأشيــاء والأمتعة وناقــتين، و ارتحلت بمعيته إلى مضارب زوجها فـــي حاضرة "مَكْرِي"..، وكان مــوسم الجـفاف قــد عاث بساكنة البئر الْمَحْجُومْ حتى جاعت، وأتلف ذلك الفصــل القاحط علاقة الأسياد بمُستعبديهم، وتكاثــرت قاطرات الهاربين إلى المدن الرئيسية القريبة : بوتمليت، أنواكشوط و بعض القرى العامرة حينها!. وضلت الدواب في الخلاء والفيافي بحثا عن كلئ باتت مطاردته أقرب إلى سراب في بقيعة جفت آبارها بحيث لم يعــد من الصعب العثور فيها على جثث آدميـة أغلبها لعبيــد قتلهم العطش.

 

"كنت أتــردد في الهرب خلف هؤلاء، وكثيــرا ما أفشيت للأسيــاد ســرا أودعنيه راغب بالهرب... لـم أكن أقــدر على كتمان شيء...، أي شيء عن سيدتي "الْحَجَةْ"..!!! ولطالما تحدثت عن نفسي سائلا إياها لماذا أهرب و ماذا سأجني من وراء التمرد؟ ما دمت، مطرودا أصلا من الرحمة".

 

 إنه إحساس بالشقاء بات يتأبط العبد "آرميظين"، فـهو لم يعد يفكر في إيجاد شفيــع، أما الفروض الدينية والعبادات المتوجبة على كل فرد في المجتمع المسلم فهــو لها أضيـع، وما فائدة صلاته وصيامه وتصدقه إذا كان الأجــر بحسب تفاسيـر رجال الدين المحليين سيثبتها "مولانا" في ميزان حسنات "الْحَجَةْ"، أما العبــد "آرميظين" فله حظ من السيئات!.

وازدادت حياة الضنك والضيق والشدة، على المسكين فأقبــل على التمائم لــدى"حجــاب" البلدة، والذي لم يزل يمنيه بالفكاك ولكن ليس دون رضا وقبول "الْحَجَةْ" وباقي أسياده الموزع بينهم "كان يكرر أمامي كن وفيا لها واحذر أن تأبق عليها، فكل عبد آبق ينتظره في باطن الكثيب ذاك غُـولُ الْكَايْلَة..".

كان يقص عليه أن غُولَ الْكَايْلَة هـو كائــن لــه أرجل حمار الوحش وقرون كبيرة وهو يخرج وقت الظهيرة ليأكــل العبـيـد الآبقين: "وكــان كلما تكلم حول هذا الكائن ارتعدت فــرائصي وخرجت من عنــده مطرقا ومسهدا ومستلما لقدري"، إنه مما عــزز من جدية وصدقية الأسطورة في عينيه، أن "الْحَجَةْ"واجهته في إحدى المـرات صارخة " أتركهم يهربون، يَخْلِيهَمْ فَرْ...وهل رأيت عبدا يهرب ويعود .. سيلتـهم جميعا غُولُ  الْكَـايْلَة!!" و أوضحت له أن الغول هذا هو مخلوق يفترس العبيد الآبقين بوحشية ويطحنهم دون رحمة تحت قدميه، ثم يشرب من دمائهم التي تجلي الدوخة عن رأسه وحـدها.

لقــد زاد الوضع، من إنْكِبَابِ "آرْمَيْظِيــنْ" على تمجيــد أسيـاده، الواحــد تلو الآخر وتعــداد مناقبهم الخرافية، وبفضله أصبحت "الْحَجَةْ" ولية من أولياء "مولانا"، فهــي سيدة يُكاشف لها وتتقن ســر الحــرف، وتقدر على تسخير القوى غير المرئية على ربط رأس أي مخلوق شاءت!!.

 

في أحــد أيام يوليو 1978، تكشفت أمام ناظريه فكــرة عبقرية، وجاء في مقتضاها أن الهرب في الليل لربما يسهل عبور الكثيب الرملي قبل أن ينبلج ضوء النهار، وأنه لو فعلها لن يتـوقف قبل أن يندس بين صفوف البوتلميتيين، وفي المدينة لربما يحصل على وضـع أفضل..، وبدأ يتحين الفرص السانحة، حتى جاء الوقت الذي يحسبه مــوات لتلك المهمـة غير المقدرة. وجاءت الليلة المناسبة فبدأ التحــرك البـطيء من أمام خيمة "الْحَجَةْ"، وعيناه معلقتان في الخلف، سار بتمهل حتى لا يلفت الانتباه،.. ثم تسارعت خطاه الهوينا، قبل أن يطلق ساقيه  ليسابق الريــح، عــدوا وجريا بعــد أن يمــم وجهه طريقا سار عليه أتــرابه ممن اختاروا بالنسبة له النهار، وهو وقت غير لمناسب هكذا يخال "آرميظين"، الذي  استبشر كثيــرا وهو يعبــر الكثيب الرملي بسلامة.

 

فــي الصباح الباكر، مــر "أرميظيــن" على قرية صغيرة ومنها تــزود بمؤونة تكفيه ما بقي له من وقت قبــل أن يكمل مقصــده،.. مدينة تصنع الحرية وتعانق الأحــرار، كــم ضحكـ "آرميظين" من خيبة "الحجاب" ومن فسـاد "الحجة"، إنها أشيـاء لم تراوده قبل الآن لكنه قالها بصوت جهوري وبنبرة بعيدة عن التمتمة، وتغلب عليها عبارات ساقطة وقــذرة وجهها إلى كــل مـن سبـق وأن نكل به أو شــارك من بعيد أو قريب في أذيته، كان يستعيد في مونولوجــه هذا القوة، لفضح تاريخ "الحجاب" الفساد وقال انه  أكبــر محتال يســرق الجِمال الضالة قبل أن يضع عليها علامته ثم يستولي عليـها، وسيــدته "الْحَجَةْ" فاسدة بالمرة وغير وفيـة لزوجها وهــي "ما كانت تهينني قبـل أن أقف على إحدى خياناتها"!. وأطـرق"آرميظين" برأسه وسار على مهل يفكر في الحرفة التي بإمكانه أن يعتاش منها "سأعمل خــادما للبيوت، وإن لم أجـد إلى ذلك من سبيل سأعمل غسالا للثياب...".

 

وفجأة، ودون سابق انتظار دوت على مسامع "آرميظين" أصوات صاخبة وكلام مختلط غير مدرك، فزاد مسرعا باتجاه المصــدر، وما هــي إلا ثوان حتى رمت به أقدامه فــوق إحدى الهضاب الرملية ... وليبصــر حركة عربات غير معهـودة، وشاحنات تحــط حمولاتها، و جرارات تزأر جيئة وذهابا، ثم مادت الأرض به وتمنى لو تنشق وتبتلعه : "كانت ورشة لشركة ميندز لبناء طريق الأمل، أما أنا فكنت أظنه غُولُ الُكَايْلَة، ينتظرني لحما طريا".

لم يضيع العبد المسكين لحظة للتفكير أو لإعــادة فحص الصورة فقد أدار ظهره للمشهد المخيف، كما ظهر فجأة، ولأحلامه بالحرية ونسي برامجه ناحية الشغل في بــوتلميت وعــاد جريا إلى حيث أتى، وكان يعتقد أن غُولَ الْكَايْلَة يطارده لذلك فقــد أمضى بعض الوقت يسيـر وســط السهول الضيقة ويتجنب النظر للـوراء حتى وقف ثانية- بعد يوم وليلة من السيــر دون توقف- أمام سيــدته "الْحَجَةْ"، وأمسك بظهرها باكيا مستغيثا وطالبا الصفح عن زلته.

ولأنه، آبـق ومخالف لتعليمات "الْحَجَةْ"، فقــد كان يتوجب أن ينال العقاب الملائم نظير فعلته المخالفة، ولكنه هذه المرة لم يتعرض لتعنيف جسـدي وإن بدا الحكم عليه، ظالما ومنهكا وجسيما فقــد كان يملك ثلاث نعاج أصبحن في عهدة الــحجاب ويتوجب عليه تسليم الشياه لـه فورا، كما عوقب بجلب الْحَطَب في ظلمة الليل، وكان بإمكان الذئب المتوحش أن يتكفل به، ثم أحس بأن "الْحَجَةْ" تسعى في بيعه وبأنها تشاور كهلا يمتلك سدسه؛ "ظلت تكرر على مسامعي أنت أصبحت عبدا آبقا ومكلف ولا اقــدر عليك).

"فــي اليوم المــوالي، وبيــنما أنـا أنهي عزل النعاج، أرسل إلــي الله برجل الغيث، بِلال  فقــد أصبح سائــقا لللاندروفر، وضعنا النعاج في مؤخرة الشاحنة وواصلنا الطريق باتجاه العاصمة انواكشوط.

في أنواكشوط، كانت الْكَبَة لَكْبِيرَة كفيلة بتربيته، وغرس قيــم مغايرة في رأسه.

إنخرط في الجندية، وبحماس شديد شارك في بناء الملعب الأولمبي وهو يفتخر كثيرا بذلك.

إنضم لاحقا إلى حركة "أخــوك الحرطاني"، ثم جماعة الدعوة والتبليغ، بعــد تقاعده

يمتلك الآن، أسرة مكونة من 9 أبناء وثلاث من الأحفاد، وله بيت مستقر بمقاطعة عرفات.

وقطــع علاقته بــ"الْحَجَةْ" نهائيا، بعــد أن ربط علاقته بأبناء عمومته وهــم كلهم في مدينة أركيز.

17. يوليو 2013 - 17:56

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة