رسائل "لمعلمين " العاجلة جدا ... الى المعارضة والنظام / أحمد ولد الســــالم

منذ أن عرفت  هذه البلاد  ما اصطلح على تسميته بالمسار الديمقراطي اصبح من المسلم به في ادبيات السياسة الموريتانية  اختلاف المعارضة مع النظام  على  كل كبيرة وصغيرة  .. واختلاف هذا الاخير  مع المعارضة  على  كل شيء تقريبا  ؛

  حتى  لكأن المعارضة والنظام   خطان متوازيان  لا يلتقيان ابدا .  فالعلاقات مع اسرائيل مثلا  قد تصبح    مطلبا  وضرورة  من وجهة نظر المعارضة  حين  يقرر النظام  قطعها  لسبب ما .. وحين  يرى  هذا الاخير فيها  ضرورة  ومصلحة مرسلة  تصبح  خيانة  عظمى  من  وجهة  نظر المعارضة .. وهكذا  قِس على هذا المنوال ما شئت من امور السياسة  والاقتصاد وحتى كرة القدم وأحوال الطقس . لكن  وكما يقال  لكل قاعدة  استثناء ، ونتحدث هنا عن حالة  نادرة يتسق فيها موقف المعارضة مع النظام و يتماهى فيها  موقف النظام  مع المعارضة ، حتى  تضيع بين ناظريك  البوصلة  فلا تكاد تفرق بين  خيط المعارضة الابيض من خيط النظام الاسود ، في تناغم عجيب  بين طرفي اللعبة السياسية ، حتى ليخيل إليك انك امام   ظاهرة  لا تشبه في ندرتها سوى الظواهر  الفلكية النادرة  التي  لا تحدث إلا مرة واحدة  كل  ألف سنة وسنة !. يتعلق الامر هنا بالاتفاق المنقطع النظير  ، بين  المعارضة  بشقيها والنظام  ممثلا في حزبه الحاكم  ، على اقصاء وتهميش و استبعاد  ابناء شريحة " لمعلمين " من  لوائح الترشح  للانتخابات  سواء تعلق الامر  بالبرلمان بغرفتيه او المجالس البلدية ،  يحدث ذلك  في الجمهورية الاسلامية الموريتانية  مع  سبق الاصرار والترصد  منذ نصف قرن من الزمن  ، أي منذ أيام مجلس الشعب في ستينيات القرن الماضي وحتى تاريخ كتابة هذه الاسطر ،  في تواطإ  مفضوح بين جميع  الانظمة المتعاقبة وجميع  ألوان  المعارضات التي عرفتها البلاد  وسط صمت مريب من  النخب السياسية  والثقافية والدينية  ، وكأن الجميع قد اتخذ  قراره النهائي  بالإبقاء  على  هذا المكون  الاصيل من  المجتمع الموريتاني  مهمشا ومقصيا  بالكامل  وقابعا  في قاعدة الهرم الاجتماعي  والى الابد ، وجرمه الوحيد  انه  خدم  المجتمع الموريتاني  وقدم  له  في اوقات السلم والحرب ما لم يقدمه له غيره  من مكونات الشعب الموريتاني الاخرى فكان جزاؤه  (جزاء  سنمار)... في موقف لئيم يصعب  فهمه  او تفهمه.  مقابل  استئثار  الاخرين بكل شيء تقريبا ، ما أدى الى  تكريس   واقع   لا يقيم  وزنا  لتعاليم الدين  القائمة على مبادئ   العدل والإنصاف والمساواة  .. و لا يعبأ   بأبسط  حقوق الانسان و مبادئ الديموقراطية  التي  تعني في ابسط  ابجدياتها   حق  الجميع في المشاركة في صنع القرار وتكافإ  الفرص .

في هذه البلاد   العجيبة لدينا اكثر من   ستين  حزبا سياسيا ، بحيث أنك   لن تخطر ببالك  أية  ايديولوجية  سياسية في العالم  او أي  فكر تحرري  إلا  ووجدت  حزبا من هذه الاحزاب   يدعي وصلا  بتلك  الايديولوجيات  أو النظريات ،  بل إنه  يقدم  نفسه  باعتباره ممثلها   الشرعي والوحيد  وحامل لوائها  على هذه الارض السائبة . وهكذا تجد  لدينا احزابا :(اسلامية  ترفع  يافطة  الاسلام  عاليا  وأخرى تزعم انها علمانية  او ليبرالية  و اخرى   ذات مرجعيات  قومية  منها  ما هو بعثي الهوى  ومنها ما هو ناصري الولاء... ) ،  لكنها في المحصلة  تبقى احزابا بطبعة  موريتانية  مشوهة  فارغة المحتوى ولا تختلف  عن بعضها البعض  إلا  في الاسماء  والشعارات المعلنة ، اما في الجوهر  فهي مجرد صورة  كربونية عن  بعضها البعض . فإذا كان لسان مقال تلكم الاحزاب  يقول بأنها  احزاب سياسية  تحمل افكارا حداثية و تسعى  الى  اشاعة  مباديء  الديموقراطية  و تطوير  المجتمع  وبناء  دولة   تقوم  على  اسس حديثة .. فان لسان حالها - وهو الابلغ -  يقول بأنها مجرد احزاب  متنافسة و ذات مرجعيات  قبلية وفئوية  تعمل  تحت  عباءة شيوخ القبائل  والمجموعات العرقية المؤثرة ، ولا تعتنق في حقيقة الامر سوى الفكر القبلي القائم  على  تراتبية بدائية  تعود جذورها  الى عصور الانحطاط  وحقبة ما قبل السيبة ...  ذلك  ما تُظهره  بجلاء خارطة  الترشيحات التي نراها  قبيل كل استحقاق انتخابي  حيث   تتوارى  المبادئ الديموقراطية  الجميلة بهدوء ويداس عليها.. وحيث لا صوت يعلو فوق اصوات  ابناء الطبقة البرجوازية  وأبناء  الاسر الكبيرة  والمتربحين من  المال العام ... في سباق  كرنفالي  شعاره  : "من  بطَّأ  به  مركزه الاجتماعي   لم يسرع  به  أي  حزب موريتاني ! " . وحين  تتجاسر و تستفسر  عن  سبب  عدم ترشيح  أي  عنصر من ابناء هذه الشريحة على راس  احدى  اللوائح  الانتخابية ، يأتيك الجواب  صادما  ومحبطا  من طرف  نخب كان التعويل عليها  كبيرا  لتغيير العقليات وغرس  مفاهيم  المساواة والمواطنة في النفوس ..يقولون لك : "بان  الناس  لا تنتخب  إلا ابناء  الطبقة البرجوازية او ابناء  الاسر الكبيرة " وهو لعمري  عذر اقبح من الذنب ! .

إذًا ، ووفق هذا المنطق المريض   يصبح  من سابع  المستحيلات  تخيل دخول ابناء هذه الشريحة الكريمة الى قبة   البرلمان كنواب او شيوخ ، أوعمد للمجالس البلدية...  وفي محاولة لتغيير هذا الواقع  المرير والمرفوض  والمدان بأشد العبارات ، فإننا نبعث بهذه الرسائل العاجلة  جدا  الى كل الاطراف المعنية بالعملية  السياسية   والى كل  من يهمه  امر الديموقراطية الموريتانية التي بلغت سن الرشد  ولما ترعوي  بعد  وتقلع  عن  تفاهات وسفاهات  القرون الوسطى  ومنطق تقسيم الناس على قاعدةِ  سرمدية الخير والشر. نبعث بهذه الرسائل  العاجلة  على أمل أن  تجد  اذانا صاغية  من بعض  الشرفاء المخلصين والحريصين على الوحدة الوطنية .

-الرسالة الاولى :

الى  الحزب الحاكم ممثلا في شخص رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز فنقول : يا سيادة الرئيس  أنت  رئيس  الشعب الموريتاني بكل  اعراقه  وطوائفه  ومكوناته  و مسؤول  أمام  الله  غدا  وأمام  التاريخ  عن  افعالك وقراراتك  وقد  قطعت  على نفسك  عهدا  بان  تنصف المظلوم  وتضرب بيد من حديد  على  يد الظالم  و أنك ستقسم  بالسوية  و  ستعدل بين الرعية  .. لكنك  عينت  الوزراء  والسفراء  والقناصلة والأمناء العامون و الولاة  ... فلم يكن  لأبناء شريحة "لمعلمين" من نصيب  في تلك الوظائف السامية . وبذلك سرت عن قصد او عن غير قصد  على  درب من سبقوك  من الرؤساء الذين  اختلفوا  على  كل شيء  سوى تهميش  هذا الجزء الاصيل من المجتمع الموريتاني ، حتى  بات معلوما  لدى الجميع  أنه  ومنذ الاستقلال حتى اليوم  لم  يعين  من شريحة "لمعلمين"  في منصب وزير سوى  شخص  واحد  ولم يدخل البرلمان الموريتاني سوى ذلك الشخص  نفسه  وقد كان ذلك في عهد ولد الطايع !. و هاهي  الانتخابات  التشريعية  والبلدية  على  الابواب  وهاهو حزبكم  والأحزاب الموالية  له  تضع  اللمسات الاخيرة  على  قوائم  المرشحين  فهل سيكون  لأبناء  هذه  الشريحة  من امل في اسماع صوتها من تحت قبة البرلمان لأول مرة  منذ  الاستقلال ؟ يا سيادة  الرئيس : ان  كان المُراعى  في  اختيار المرشحين  هو  الكفاءة  فلا بد ان  لدينا  الكثيرون ممن  يتوفر  فيهم  ذلك  الشرط   مهما  كان .. وإذا  كان  المعيار المعتمد  في  الترشيحات  هو  مراعاة  التوازن   الطائفي  او  العرقي  فلتعاملنا – يرحمك الله - على  أننا  طائفة او عرق أو مكوِّن  فذلك  أهون علينا  من أن تجعلونا مذبذبين بين  هؤلاء ... سيادة  الرئيس :  لقد  ابتدعت  الدول  العريقة في الممارسة الديموقراطية نظام اللائحة الوطنية  وجعلتها  حكرا  على الاقليات والفئات الهشة  لتضمن لها  حقها  في الوصول  الى قبب البرلمانات ، لكننا  في موريتانيا وعلى العكس من ذلك جعلناها  دُولة  بين الاغنياء والمتنفذين  في  حَرف مقصود  لهذه اللائحة الوطنية  عن  رسالتها التي من اجلها  انشئت ، فهلا  اعدتم   ضبط بوصلة اللائحة الوطنية ما يضمن لنا - ومن هم  على شاكلتنا - حقوقنا  الانتخابية ؟ - الرسالة الثانيــــــــة :

الى  احزاب المعارضة  بمختلف تشكيلاتها . نقول  للمعارضة  الموريتانية  التي  ما فتئت  تتهم  نظام  ولد  عبد العزيز ، وقد تكون محقة  على  اية  حال ، بأنه ديكتاتوري و اقصائي  وانه  يهمش  المعارضة  ولا يشركها  في  صنع  القرار  وانه  ينفرد  بالسلطة  ويحتكرها  لنفسه  والموالين  له  ... نقول  لهم  حسنا .. ها  انتم  ذقتم  كم  هو  مر  ومؤلم   اقصاء  الناس وتهميشهم  في وطنهم  ، فهلا  تذكرتم  المهمشين  والمقصيين  من  ابناء هذه الشريحة  ؟

وهلا قدمتم  - للرأي  العام  الوطني والدولي  وللنظام - الدرس  والقدوة الحسنة  والمثل الاعلى  من  خلال ترشيحاتكم  للانتخابات القادمة ، لتلتف  من حولكم  جيوش المهمشين  الغاضبين  من  ابناء شعبكم  ...و لتفوزوا  بإحدى  الحسنين : إما  النصر  وإما  الشهادة لكم بأنكم  ديموقراطون   بحق  وان  ميزانكم  هو  ميزان  العدل والإنصاف .. وأنكم أمل كل ضعيف ومقصي ومهمش...  وبذلك ايضا تُعرُّوا  نظام  ولد  عبد العزيز  وكل الانظمة السابقة  التي  لم  تكن  تؤمن  بالديموقراطية  كممارسة .   \

-الرسالة الثالثة :

وأخيرا  ابعث  بهذه  الرسالة  الى  ابناء  وبنات  شريحة  "لمعلمين" .. وأقول لهم  انتم  ابناء  هذا  الوطن البررة   فارفعوا  رؤوسكم  عاليا ،  فتاريخ هذا البلد – على علاته - لم يذكر  بأنكم  تورطتم  يوما  في  سفك  دم  حرام  ولم   تتاجروا  يوما  بالدين  ولم  تلوثوا  أياديكم   بسرقة  المال  العام .. عشتم  كما  عاش اجدادكم  بعرق  الجبين  ومارستم  مهن  الانبياء  المصطفين . حقوقكم  لن  تهدى  لكم دون ضغط  منكم   وقد  صبرتم  نصف قرن من  الزمن على أمل ان  يصحو ضمير او أن  تحدث معجزة ، لكن  شيء من  ذلك  لم  يحدث  فدافعوا  عن حقوقكم وحقوق ابنائكم   بالتي هي احسن وبالطرق السلمية  الراقية  ووفق ما يمليه عليكم  دينكم  الذي جاء  ليمن عليكم  بالتكريم والتمكين قال تعالى : { ونريد ان نمن على الذين استضعفوا  في الارض ونجعلهم  أئمة ونجعلهم الوارثين } . صدق الله العظيم.

ومن ابسط  هذه الحقوق حقكم  في  المشاركة  الفعلية في الاستحقاق الانتخابي القادم  ، او المقاطعة  التامة  للعملية برمتها  توفيرا  للجهد والمال . هذه رسائل صادقة  تحمل صفة  الاستعجال ابعث بها  الى  كل  حر وحرة  من ابناء هذا الوطن الغالي  علينا جميعا  ،  على  أمل  ان  تجد  آذانا  صاغية .. وفق الله الجميع لما فيه  خير البلاد والعباد  .

[email protected]

27. أغسطس 2013 - 9:54

كتاب موريتانيا

ذات صلة