إرادة الله المطلقة وسنن الكون الثابتة / محمد المهدي ولد محمد البشير

من أكبر الأخطاء التي وقعه فيها العقل المسلم في عصور الانحطاط، والتي لما يتخلص من رواسبها حتى الان، الإعراض عن دراسة قوانين الكون التي تسيره؛ وسنن الاجتماع التي تحكمه؛ بحجة أن الإيمان بإرادة الله المطلقة التي لا يقيدها شيء

 في هذا الوجود، وقدرته على فعل "ما شاء" "كيف شاء" و"متى شاء" دون قيد أو شرط يتنافى مع التسليم بوجود قوانين ثابتة تحكم هذا الكون بدقة، ويسير عليها بانتظام شديد؛ بحيث يمكن لأي إنسان أن يعرف هذه السنن ويسخرها وفق شروط معينة بغض النظر عن كونه مؤمنا أو كافرا؛ لأن هذه السنن صارمة لا تحابي مؤمنا يجهلها؛ وثابتة لا تستعصي على من عرفها ولو كان كافرا، فحجبهم الإيمان بإرادة الله المطلقة، عن اكتشاف قوانين هذا الكون الثابتة.

وهذا ما جعلهم يتشوفون باستمرار إلى "كرامة" تخرق لهم نواميس الكون فجأة فتمنحهم نتيجة من دون سبب، أو علما من دون تعلم، أو قوة من غير عمل، أو نصرا من غير جهد، وتعاطوا أسبابا وانتظروا نتائج لا تترتب عليها حسب نواميس الكون العادية؛ وحولوا النص الشرعي من طاقة لتحرير العقل من أغلال الجهل، وتحريضه على التفكير والإبداع إلى قيد عليه . ومما أدى إلى رسوخ هذا الاعتقاد الخاطئ ذلك الجدل العقيم الذي ثار بين المتكلمين ردحا من الزمن حول حقيقة السبب وعلاقته بالمسبب أو النتيجة، وغاب عن هؤلاءالمؤمنين أن لله تعالى شريعتين في هذه الدنيا:

1) شريعة تحكم الكون اضطرارا بما فيه من أشياء مادية وظواهر اجتماعية، وهي "شريعة كونية" يسير عليها كل شيء في هذا الوجود اضطرارا؛ وقد اهتدي الحيوان إلى جزء منها بغريزته، واكتشف الإنسان كثيرا منها بعقله، بدءا من اكتشاف "النار" و"السفن" وصولا إلى "القنابل النووية" و"الهواتف الذكية"؛ لأن الإنسان لم يخلق شيئا من هذه النواميس بل اكتشفها وسخرها ..لأنمعرفتهالا تتوقف على إيمان أو كفر؛ لأنها لا تنتمي إلى عالم الغيب المكنون، أو عالم الروح المصون، أو عالم الأخلاق، بل هي جزء من عالم المادة؛ الذي يمكن التوصل إلى أدق حقائقه بــ "التعلم" و"التفكير " و"النظر".

وقد جعل الله تعالى هذه السنن محدودة حتى يكون في مقدور العقل البشري تصورها، وتسخيرها... حتى إن كثيرا من علماء هذا العصراعتبروا أن هذه السنن تشكل ما يسمى بنظرية "التصميم الذكي" التي هي أقوى دليل على وجود الله تعالى؛ لأن وجود هذا النظام الصارم يستلزم وجود "معقولية" فيه، وعقل وراءه، لأن الصدفة و العدم لا يمكن أن يبنيا نظاما يقوم على أساس "المعقولية".

2) شريعة الله المنزلة التي تنظم حياة المؤمنين اختيارا، والتي تنبثق من العقيدة الإيمانية التي هي جزء من عالم الغيب؛ وعالم الروح، وعالم الأخلاق، والتي لا يمكن للعقل أن يهتدي إلى حقائقها الجوهرية؛ أو يحيط بأسرارها الكلية في مجال القرآن و العقيدة والأخلاق على الأقل؛ لأنها ليست من عالم المادة المحدود، بل هي قبس من عالم الغيب اللا متناهي.. فمعرفة هذه الشريعة وتطبيقها في الحياة ليس طريقا لتسخير الكون بل هو طريقإلى عبادة الله تعالى، وتزكية الروح، وفعل الخير، والتعاون على البر والتقوى. والطمأنينة في الدنيا

ومن هنا فإن الإيمان بالله تعالى وبالشريعة المنزلة ليس نقيضا للتسليم بوجود سنن صارمة تحكم الوجود، وقوانين ثابتة تسير الاجتماع، وليست طريقا لمعرفتها بشكل تفصيلي، وإن كان الإنسان عندما يهتم بدراسة هذه السنن ويسخرها لسعادته، فإنهإنما يدرس ويسخرسنن الله التي خلقها بإرادته، ووضعها بحكمته، وعندما يعرض عن دراستها أو يهملها فإنه إنما يعرض عن دراسة سنن الله ويهملها....

والخلاصة أن القول بأن إرادة الله تعالى غير مطلقة أو أنه يوجد شيء يقيدها سواء أكان هذه القوانين أم غيرها كفر بواح، يترتب عليه دخول النار يوم القيامة، لكن هذا لا ينفي أن قوانين الكون ثابتة بالنسبة إلى الإنسان وأن تسخيرها منوط بمعرفتها.

هذا المقال هو خلاصة نقاش مع اخ عزيز اتهمني بالتفكير المادي

[email protected]

5. سبتمبر 2013 - 16:52

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة