الربيع الأعرابي / أحمد ولد الوديعة

الفلانيون" ينسحبون "الفلانيون" غاضبون "الفلانيون" يطالبون الرئيس بالتدخل الفلانيون،الفلانيون يعتبرون خيارات الحزب غير ديمقراطية  وتقفز على قواعد اللعبة، تلك أهم العناوين في وسائل إعلامنا خلال ساعات ما بعد إعلان حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ترشيحاته للانتخابات القادمة، وهي عناوين صادمة بحق وكاشفة بعمق لواقع حالنا الديمقراطي  والأخلاقي والثقافي بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال، وقرابة ربع قرن من انطلاقة " المسلسل الديمقراطي.

مشهد العصيان القبائلي والثورة القبائلية  العارمة التي يرفع فيها الثوار شعار " القبائل تريد إسقاط قبائل"، أو مشهد الربيع الأعرابي كما سماه أحد الأصدقاء المدونين،مشهد يحمل الكثير من الدلالات العميقة على جوانب هامة من أزمتنا الأخلاقية والثقافية العميقة التي لاتحظى عادة بالكثير من النقاش في أوساطنا الإعلامية وهو مع  كل ما فيه من قتامة يحمل في ثناياه الصاخبة المضحكة والمستفزة مؤشرات إيجابية  لعل من المناسب لفت الانتباه إليها عساها تكون  مسليا لنا معاشر  فلول الرافضين للربيع الأعرابي..

في الجانب القاتم من المشهد هناك أمور عديدة

    - أولها رفع الحظر السياسي والإعلامي عن التعاطي مع القبيلة  فاعلا رئيسيا وأحيانا وحيدا في المشهد، وهو تطور  يمثل مرحلة الذروة في عصر المد القبلي الذي انطلق مع " المسلسل الديمقراطي" بداية تسعينات القرن الماضي؛ أيام  اختار الرئيس الأسبق والملهم الأبرز للنظام الحالي العقيد معاوية ولد الطايع أن يبعث القبيلة من مرقدها لتقف في جه مطالب الديمقراطية في المرحلة الأولى ولتلعب دور الأحزاب في مرحلة ثانية بعد أن اتجهت قوى المعارضة يومها للمقاطعة تاركة المشهد السياسي الانتخابي بدون " لاعبين" ينعشون المشهد في مواسيم الأعراس السياسية.

نحن إذا أمام لحظة الذروة في مسار الصعود القبائلي، وهي لحظة جعلت القبائل تمارس وفي وضح النهار نفس الأدوار التي يفترض في دولة تحتفظ ببقية أخلاق وشيئ من الديمقراطية أن تمارسها الأحزاب والجمعيات والمنتديات القائمة على أسس غير وراثية.

وحتى لانضلل أنفسنا ونعتبر الأمر جزء من إشكالات حزب ما من الأحزاب ونتيجة إخفاق جهة ما من الجهات في " التعبير" عن المعطيات المحلية بشكل دقيق لابد أن نشير إلى  أن إرهاصات لحظة الذروة في زمن الربيع  الأعرابي انطلقت منذ أشهر فقد احتضنت فنادق ومنتزهات  اجتماعات لمجموعات قبلية أشهرت أنها تلتقي من كل أنحاء" الجمهورية" بل وأحيانا من خارجها لتناقش " السبل الكفيلة باستعادة المكانة التاريخية للمجموعة وضمان المصالح العليا لها" ورغم ما في هذا الخطاب  من استفزاز لكل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان بدولة حديثة قائمة على المواطنة محققة للعدل، وضامنة للحرية فإن أي صوت لم يرتفع مدينا لهذا المنكر السياسي والأخلاقي والثقافي اللهم إلا أصواتا شبابية على مواقع التواصل الاجتماعي الراجح أن أغلبها لم يقدر له أن يصل إلى أماكن صناعة القرار السياسي أحرى الاجتماعي والثقافي والمعرفي.

-  والخلل الثاني الكبير الذي كشف عنه الربيع العربي، أو لعله كشف عن وجه  جديد من وجوهه الكالحة هو ازدواجية وانحياز وعرقية قطاعات واسعة من نخبتنا الثقافية والإعلامية والفقهية؛ فلم نجد من بين كل هؤلاء من يذكر لنا ولو نزرا يسيرا مما يتسابق هؤلاء عادة على ذكره حين تطرح قضايا المجموعات المهمشة والمظلومة والمضطهدة، هل تتذكرون سيول الشتائم التي توجه للمتحدثين عن ظلم شريحة لحراطين وتهميش فئة لمعلمين، والتمييز ضد الفلان أو السوننكي أوالولف، هل تتذكرون وصفات المتاجرة، وتهديد اللحمة والصيد في المياه العكرة، وإيقاظ الفتنة، وخدمة أهداف المحتل، أين محطات توزيع تلك الشتائم وتلك الوصفات  لما ذا  توقفت فجأة عن الإرسال، أم أن رخصة البث تغطي فقط مجموعات بعينها وعلى من يريد التحدث عن مجموعات أخرى احترام فارق التوقيت؟؟

- وثالث العيوب التي تتكشف أمامنا الآن هو التشابه الذي يقترب من التطابق أحيانا بين  تعاطي أحزابنا السياسية المختلفة  مع هذه القضية، وهو أمر  تمكن ملاحظته عند مقارنة خريطة ترشيحات الأحزاب الرئيسية المتنافسة في أغلب مناطقنا الداخلية فهي خاضعة – في غالبها الأعم – لذات الهندسة القبلية التي رسمها  واضعو ملحقات "سايكس بيكو" القبلية عندنا  قبل قرابة ثلاثين سنة أي مع تأسيس هياكل تهذيب الجماهير في بداية ثمانينات القرن الماضي.

أما في الجانب المضيئ في نهاية النفق فهناك أمران يمكن التقاطهما

  -  أولهما أن الحظيرة القبلية التي ظلت لعقود مغلقة يمتلك شيخ  واحد مفاتيح دخولها والخروج منها لم تعد كذلك فهي اليوم وعلى امتداد الوطن، وفي كل مجموعاته  أصبحت حظيرة مهلهلة لها سبعة أبواب لكل باب منهم زعيم قديم أو صاعد يعتبر نفسه الأحق والأجدر" بالمجد القبلي" والأحرص على مصالح سكان الحظيرة القبلية.

لقد أتاح تآكل أسوار الحظيرة  لحملة الخطاب الوطني المستنير فرصا لكسر جدر الصمت والخوف والتجهيل التي كان سدنة المعبد القبلي يضربونها حول جموع الأناس الناطقين الخاضعين لترتيبات البيت القبلي.

   -أما الامر الثاني فهو بشائر الصحوة الشبابية التي  يتم التعبير عنها  الآن في عشرات التدوينات والتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي ساخرة من الربيع الأعرابي وناشرة وعيا مدنيا راقيا يؤسس على مرجعيتنا الإسلامية التي ترفض أن تنال الحقوق على أسس اللون أو العرق أو الجهة او القبيلة، وتحلم بدولة يفتخر فيها المواطن بعلمه وعمله، ويتوارى المتعاطون للممارسات القبلية والجهوية والعرقية فيها من القوم من سوء ما يقترفون.. إن تحقيق ذلك الحلم قد يكون بعيدا ولاشك أن دونه  محطات من خرط القتاد لكنه مستقبل قادم بسرعة تطور الوعي ووسائل نشره بين الناس وتلك سرعة  لو تعلمون كبيرة.

25. أكتوبر 2013 - 18:12

كتاب موريتانيا

ذات صلة