محاكمة ثورة / أحمد ولد محمد الحافظ

altلقد شاءت لي الأقدار أن يكون أول مقال أكتبه وينشر في المواقع الدولية والوطنية مقالا بعنوان ‘محاكمة مبارك هل من معتبر ‘كان ذلك في خريف 2011 حينها كنت منتشيا حد الثمالة بما يسمي ‘الربيع العربي ‘مؤمنا حد اليقين أن الثورة المصرية هي عماد هذا الربيع وأنه بعد محاكمة الطغاة لن ترجع العجلة إلى الوراء، لكن تأتي رياح الثورات العربية وأقدام العسكر ليقلبوا هذا الربيع خريفا ولتعود حليمة لعادتها القديمة .

انقلب العسكر على خيارات الشعب المصري وسجنوا رئيسه المنتخب وسحلوا المئات بل الألاف من أبناء أرض الكنانة في الشوارع والميادين لا لذنب اقترفوه سوى أنهم طالبوا بعودة شرعية اغتصبت وخيار شعب صودر حتى دون أن يتم استفتاؤه , وانحاز جيش مصر العظيم لفئة من الشعب على حساب فئة أخرى بدل أن يصلح بين الفئتين ويحكم على الفئة الباغية أن تصالح الفئة الأخرى ليبقى جيشا لكل المصريين , جيشا يحمي المصريين ولا يقتلهم , جيشا يقدس الحرية ولا ينتزعها , جيشا يحترم الكرامة والالتزام ولا يختصر عمل خمس سنين في سنة واحدة .

توج انقلاب العسكر على السلطة الشرعية في مصر بمحاكمة رمز الشرعية محمد مرسي الذي حولوه وبذكاء العسكر المعهود من رئيس لم يوفق في الكثير من قراراته إلى رمز للشرعية رمز للحرية ورمز للديمقراطية ورمز لكل أحرار العالم فقد دخل محمد مرسي التاريخ من أوسع أبوابه ليكون بين مانديلا وغاندي وأربكان وكل أولئك الذين ضحوا بأنفسهم من أجل قضية آمنوا بها ووطن قرروا أن يموتوا من أجله ليحيا الوطن ولو بموتهم هم .

دخل مرسي قاعة المحاكمة ثابت الجأش قوي الشكيمة يمشي بكبرياء وكأنه يقول لخصومه الذين قرروا أن يحاكموه في لحظة انحطاط تاريخي وبتهم عجيبة أنهم هم المدانون وهو الحكم , هم الذين سيكتب التاريخ الثرثار أنهم حاكموا أول رئيس منتخب لمصر ووأدوا حلم الشعب المصري ومن بعده الشعوب العربية أن يذوقوا طعم الديمقراطية حتى لو كان طعمها حنظلا إلا أنها تبقى أفضل ألف مرة من حكم العسكر وأذنابهم الذين أفسدوا البلاد العباد

تهم الزعيم محمد مرسي رديئة رداءة الزمان الذي نعيشه سخيفة سخافة الحاكم الذي يحكم مصر الآن . يتهمونه بالتخابر مع حماس وما أدراك ما حماس؟

حماس المقاومة والتضحية والإباء حماس الرنتيسي وأحمد ياسين وسعيد الصيام والشهيد عز الدين القسام أصبحت تشكل خطرا على أمن واستقرار أم الدنيا يا لغرابة هذا الزمن الرديء ؟ . حماس التي ترابط على الثغور ويحاصرها العالم بأجمعه بعد أن رفض أباطرة العالم وربابنة الديمقراطية أن يعترفوا بها ليؤكدوا أنهم يؤمنون ببعض الديمقراطية ويكفرون بجلها .. حماس التي تفقد كل عام أحد قادتها وتضحى بمجاهديها من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي كان ذات يوم رمز وحدة العرب وعزتهم وقضيتهم الأولى والأخيرة قبل أن ينشغل كل شعب بقضيته وتقاتل كل طائفة نظيرتها في خضم ربيع عربي مشؤوم أثبتت الأيام أن ضره أكثر من نفعه وأن أنهار الدماء التي سالت فيه كان يمكن أن لا تسيل لو أن حكام العرب يمتلكون قطرة مروءة أو إنسانية أو كرامة

أصبحت مساعدة المقاومة في فلسطين تهمة بينما يبرأ الرئيس الذي استقبل تسيبي ليفني بالقبل والأحضان لتعلن من مكتبه عملية الرصاص المسكوب على قطاع غزة المنكوب .

لنفترض جدلا أن مرسي _عميل لحماس _ أليس حكام مصر الجدد عملاء بل وخداما عند حكام دول صغيرة صغيرة جدا أمام مصر العظيمة .

ألم تصبح مصر العظيمة مجرد أداة بيد دول يحكمها صبيان بحساب المواقف الفكرية والممارسات السياسية , فأ يهمأ أكثر شرفا وأكثر إشراقا وأكثر تألقا أن يكون الحاكم عميلا لحماس المقاومة التي لا يملك قادتها في غزة قوت يومهم أم أن يكون الحاكم تابعا لأباطرةقيل في حق مثلهم: قتل النفط ما بهم من سجايا ولقد يقتل الثري الثراء

يتهمونه بقتل متظاهري الاتحادية ويتجاهلون من قتل المئات ركعا سجدا في مجزرة الحرس الجمهوري وقتل الآلاف بدم بارد في عملية فض اعتصام رابعة والنهضة ووأد حلم الأمة العربية في أن تعيش بعيدا عن حكم العسكر وأحذيتهم الخشنة التي طالت العرب من محيطهم إلى خليجهم صحيح أن حكم مرسي لم يخل من آفات وعلات ووهن وضعف ولكنه كان يمكن أن يصلح من الداخل أو أن يترك يكمل فترة الخمس سنين التي أعطاه إياها شعب مصر العظيم لا أن يعزل ويحاكم وتسحل فئة كبيرة من أبناء مصر بل ويتجاوز البعض من حثالة الاعلام العربي المعاصر كل الخطوط الحمراء إلى أن يصفهم بالأعداء ويصف الصهاينة بالأشقاء

الفكر لا يموت والحركات يزداد ألقها كلما اعتقل قادتها وقتل منتسبوها في الشوارع والأزقة لتسيل دماؤهم الزكية مؤذنة بميلاد أجيال أخرى لا تقبل الدنية في دينها ولا دنياها.

واهم من يظن أنه يستطيع أن يبني مصر دون كافة أبنائها إخوانا ويساريين ولبراليين وقوميين وأقباطا, مصر أكبر من أن يبنيها فصيل واحد أو يقودها فصيل واحد أو يحكمها فصيل واحد ,والاخوان شكلوا على مدار ثمانين سنة أهم فصيل في نسيج المجتمع المصري لأنهم أرادوا بناء مجتمع ودولة وأمة وضحوا في سبل ذلك بالغالي والنفيس. وبرغم كل أخطائهم وهفواتهم، فإنهم يظلون الفصيل الأكثر اكتواء بسجون الأنظمة والذي قدم الكثير من أبنائه قرابين في محراب الحرية والعدالة والديمقراطية . قد يقول قائل ما شأن هذا الفتي القادم من أقصى بقاع الدنيا وأكثرها مشاكل وهموما، ما شأنه وشأن مصر؟ أليس ‘ما فينايكفينا ! صحيح أن همومنا تكفينا ولكن مصر ليست للمصريين وما يحدث فيها يؤثر سلبا وإيجابا على كل الوطن العربي وقديما قيل :’العرب يقوون بقوة مصر ويضعفون بضعفها.

عرف عن أهل المنتبذ القصي عشقهم لأهل الكنانة وحبهم لها حتى أن أكبر شارع في البلد سمي على الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، لهذا ولغيره مصر تسكن جوانحنا وجوارحنا وقلوبنا وأفئدتنا ويسوءنا أن نرى بعض أبنائها يقتل بعضا وأن نرى فلول مبارك يحاكمون ثورة ظنها الجميع بداية تحول في تاريخ مصر الحديث .

محاكمة مرسي جعلت منه رمزا لكل أحرار العالم ولكل الذين لم يعمهم عداؤهم وخلافهم مع الاخوان أن يقفوا معهم في محنتهم، وفقا لقوله تعالى: ولا يجرمنكم شنأن قوم على أن لا تعدلوا، فعدل الواقفون معهم ممن لديهم بقية أخلاق وشيء من المبادئ.

حتي لو حكموا عليك يا مرسي بالإعدام فإن اسمك سيبقي خالدا في التاريخ وسيبقي فكرك وحركتك لتلد ألف مرسي وألف بديع وألف شاطر ,,, فالأفكار لا يمكن قتلها والحركات لا يمكن اغتيالها والظلم مرتعه وخيم .

مصر التي نرى الآن مختلفة كثيرا عن مصر التي تسكن في خاطر كل واحد منا من المحيط إلى الخليج , فمتى يعود إلى مصر ألقها ودورها وأمنها السلمي والاجتماعي؟ متى تعود مصر لتقود القطار العربي المتوقف منذ عقود؟

وقبل هذا وبعده متى تعود لمصر شرعيتها التي سرقها العسكر في مصر كما سرقوها ذات يوم في أرض المنارة والرباط !!

9. نوفمبر 2013 - 20:47

كتاب موريتانيا

مقالات مختارة