في مستشفى الشيخ زايد ..حيث الضمائر أولى بالعلاج !! / أحمد ولد السالم

أيام وليال  عصيبة  قضيتها  رفقة  أحد فراد عائلتي داخل أسوار  مستشفى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان  رحمه الله ؛ الذي أراد  إن يبني صرحا  طبيا  متقدما  - يهديه لفقراء  هذا البلد  كصدقة  جارية  -  على  نمط   كافة  شبكة  مستشفيات الشيخ زايد التي تنتشر في   باكستان ومصر والمغرب  والكثير من الدول العربية والإسلامية  حيث  تتشابه  طرزها  

وخدماتها  إلا  في موريتانيا  ، حيث  اصطدمت رغبة  الشيخ المحسن  بصخرة  فساد نظام ولد الطايع الذي أصر  على أن تتولى موريتانيا  الإشراف على  بناء   المستشفى  باعتبار ان  ذلك من  السيادة (!) ، لتنصاع   الإمارات مكرهة – ويا ليتها لم  تفعل  - نزولا عند  رغبة  نظام   فاسد  لا يقيم وزنا   لمصالح شعبه ولا يضعها  حتى في  آخر أولوياته  فكانت النتيجة  نسخة  قبيحة  ومشوهة ورديئة   من سلسلة  مستشفيات الشيخ  زايد الراقية . ولقد احسن  الإماراتيون صنعا حين رفضوا  حضور حفل تدشينه .

لقد  كنت   في  أبوظبي  لحظة الموافقة على مشروع بناء مستشفى  الشيخ زايد  في نواكشوط  واطلعت على  تفاصيل  المشروع   التي  نشرتها  إحدى  الصحف المحلية  ولا  زلت  أتذكر  بعضا  من تلك  التفاصيل  حيث  قدرت تكلفته الأولية  بعشرة ملايين دولار  قابلة للزيادة طبعا  وتم  تعيين  فريق  من  المهندسين لبنائه  برئاسة مهندس  باكستاني  ، ولو  سارت  الأمور  وفق  ما  اراد  الجانب الإماراتي  لكنا  نمتلك اليوم  مرفقا طبيا   حديثا  راقيا ، لكن  وللا سف الشديد  كانت  إرادة  الفساد  أقوى من  إرادة  الإحسان .

في ما يسمى مجازا  بمستشفى الشيخ زايد .. الشيء الوحيد المتوفر وبالمجان هو  جيوش الصراصير  والذباب والقطط التي تسكن  جميع  غرف المستشفى وتتسكع  بين المرضى  وكذالك   أسراب البعوض التي تجبر المرضي على النوم تحت  الإضاءة  للحد من الهجمة  الشرسة   لأسرابه   المتعطشة  للدماء  .

في مستشفى الشيخ زايد .. غلاء يشمل  كل شيء  تقابله  رداءة  في كل شيء  ، دورات المياه  على قلتها  لم  أر    لها نظيرا  اتساخا  وتعفنا  وإهمالا  وبعضها بلا أبواب وبعضها الآخر   لا يمكن غلق أبوابه بسبب انعدام  الصيانة  .

في مستشفى الشيخ زايد .. على  الفقراء أن يدفعوا   500  أوقية  قبل الدخول إلي المستشفى و قبل الانصراف منه  600 أوقية  عن كل ليلة يقضيها  المريض  ولو بدون  علاج  وبغض النظر  عن  وضعه  المالي   ،  وأما العمليات  الجراحية  فتظل  مؤجلة حتى يُحضر إيصال سداد رسومها أولا   . و العمليات البسيطة  كعملية   الولادة  القيصرية  لسيدة   تعذرت عليها الولادة  الطبيعية  تلكف بالتمام والكمال 35000  أوقية  تشمل رسوم التخدير  والأدوات  المستعملة في العملية ، وهذا المبلغ  ليس في متناول  الكثير من المرضى .

في مستشفى الشيخ  زايد  .. عليك أن تحضر  للطبيب  :  ( الدواء + المادة المخدرة + الإبرة ( السرنج) وحتى القفازات  التي يجب ان يلبسها  على يديه  يتعين على ذوي المريض أن يشتروها    للطبيب الذي يملك  في الغالب الأعم عيادة خاصة وصيدلية عامرة !. في مستشفى الشيخ زايد .. يدفع الفقراء والمعدمون  أيضا  رسوم فحص الدم والأشعة بأسعار  طائلة جدا لا تراعي ظرفهم .

إن الدولة  الموريتانية  تفرض بجشع   كل  هذه الاتوات  دون  رحمة  أو  مراعاة  لتفاوت  دخول الناس أو حالات مرضاهم  .. لقد  شعرت  بالحزن  والشفقة  على فقراء يفترسهم   الغلاء  ولا   عزاء لهم  سوى الدموع  أوما يتيسر  من تعاطف بعض  المحسنين على قلتهم لان الأمر يفوق  طاقة الأفراد ...

إن مما لا شك فيه  أن  مداخيل مستشفى الشيخ زايد  توفق مداخيل   بئر نفطية  حيث يمكن  للمرء   أن يرى وباستمرار  الطوابير   الطويلة  أمام  صندوق المستشفى الذي يداوم  بانتظام  لا  نظير   له  طيلة   24/24   ما  يعكس  الروح  الربحية المسيطرة  على نفوس  ماتت  فيها  الرحمة  والشفقة  .

إن معاناة   الفقراء  والمعدمين في  مستشفى الشيخ  زايد أمر  يفوق الوصف  ويشعرك  بالألم  والعجز  والتضاؤل  لعدم  قدرتك  على  مساعدة  كل  هذه الجيوش  من  أبناء شعبك الذين  لا حول  لهم ولا قوة .

ومما يزيد الطينة بله  ويضاعف من معاناة الناس   تلك  القسوة و الصلافة  التي يتمتع  بها  عمال ذلك المرفق ،  إنهم   عمال وحراس وأطباء  كأن  قلوبهم قدت من حجر  ...ولا حول ولا قوة  إلا  بالله.

ومن غريب المصادفات  واجتماع الأضداد  أني   صادفت طاقما طبيا  ألمانيا  تحمل  مصاريف السفر وتجشم  عناء  العمل في هذا المسلخ  الآدمي ، و قد  لاحظت انهم يستميتون في علاج اكبر  عدد ممكن  من المرضى ، وقد لا حظت  أيضا انهم  يبتسمون للمرضى  وتلك  خصلة مفقودة   في الطبيب الموريتاني  الذي يفوق دخله الشهري  دخل وزير  دولة  ومع ذلك فهو  يضن على مريض من أبناء  وطنه  بابتسامة  ولو  كانت صفراء   أو  بـ " قفاز " يلبسه على يديه  لحماية نفسه في المقام الأول !!!!

أما  الصيدليات المقابلة  للمستشفى  وفي غياب  وجود  أية رقابة  فاعلة فيبدو أنها  هي الأخرى متورطة في  عملية استنزاف  جيوب الفقراء إذ سمعت  من  ذوي المرضى  أن هناك   تفاوت ملحوظ   بين  أسعارها ، وان  تلك  التي تتولى المناوبة الليلية  تحديدا  لا تتردد في  رفع  الأسعار  في غياب  وجود  أي  منافس  أو  أي رقيب  أما  الضمير  فيبدو  أنه في  إجازة  أو لعله  مات  منذ  زمن  بعيد .

لكم الله يا نزلاء  مستشفى  الشيخ زايد..لكم الله ... والرحمة  والغفران  للشيخ  زايد بن سلطان آل نهيان  الرجل الشهم  الكريم .. والخزي والعار للذين  خانوا  الأمانة  وباعوا آخرتهم بدنياهم ..  وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.   

[email protected]

8. ديسمبر 2013 - 16:12

كتاب موريتانيا

ذات صلة