الجرف الهاري / محمدن بن الرباني

حرية التعبير ركن أساسي في كل ديمقراطية وفي التأسيس لصناعة إنسان حر مبدع منفتح قادر على البناء والنهضة، بيد أن الحرية المطلقة مفسدة مطلقة، وإذا كان لا يقبل من شخص أن يحرق نقوده بحجة الحرية في التصرف في الملك

 فأولى ثم أولى أن لا يملك التطاول على مقدسات الأمة وثوابتها ومصالحها العليا، لا سيما الدين الذي تدين به الأمة عامة أو جمهورا، حتى ولو لم يكن الشخص يرتضيه دينا لنفسه وحتى لو سلمنا جدلا باعتبار التدين مسألة شخصية فإن تناول جوهر الدين بالسب والتنقيص هو إهانة للمجتمع وخروج على دستوره وتهديد لأمنه القومي .

 

من هذا المنطلق لا يمكن أن يقبل في بلد إسلامي أي مقال يعلن الإلحاد، كما لا يقبل أي مقال يهاجم الدين لا مجرد انتقاد بعض المسالك التدينية التي ليست من جوهر الدين، بل هي تأويلات تقوم بحسب الزمان والمكان والحالة والحاجة أو هي محدثات، بل إن انتقاد بعض ذلك قد يدخل في صميم إحياء الدين والحفاظ عليه.

 

ويلاحظ المتابع أن موجة من الهجوم السافر على الدين بدأت تطفو على السطح بعد ما أثمر الربيع العربي تصدر الحركات الإسلامية للمشهد السياسي في دول العالم العربي، يقود هذا الهجوم بعض القوى العلمانية التي طالما ظلت تتمترس غالبا في نيلها من الإسلام بالهجوم على الإسلاميين، واتهامهم بالظلامية والرجعية، وكأنها كانت ترى ذلك كفيلا بإبعاد الإسلام عن الحياة، دون تأليب الرأي العام غير أن جنون المفاجأة حمل تلك القوى العلمانية على الانكشاف التام من خلال موجات من التعري الجسمي و الفكري وكفرت بالديمقراطية التي لا ينجح من خلالها إلا من هم في نظرهم رجعيون ظلاميون، وحتى في الجمهورية الإسلامية الموريتانية انثالت سلسلة من المقالات تمررها تلك النخب العلمانية من وقت لآخر، إما بإعلان الكفر صراحة، أو بالهجوم على الدين في وقاحة، كما نقرأ  في مقال “الدين و التدين و “لمعلمين” وهو مقال كرسه مؤلفه لإثبات مبدأ أن الدين مسؤول مسؤولية مباشرة عن معاناة الطبقات المطحونة، وقد أجهد نفسه ليدحض مسلمة أن الدين براء من معاناة تلك الطبقات وأنه جاء بالمساواة، يقول في توطئة المقال: “لا علاقة للدين بقضيتكم أيها لمعلمين الكرام فلا أنساب في الدين و لا طبقية ولا “أمعلمين” ولا “بيظان” وهم يحزنون. مشكلتكم إن صح ما تقولون يمكن إدراجها فيما يعرف بـ”التدين”…ثم يردف قائلا: تلكم أطروحة جديدة وقد وجدت من بين لمعلمين أنفسهم من يدافع عنها …”

 

وبعد ما ساق الكاتب ما رآه حججا تفند مزاعم عدالة الإسلام خلص في خاتمة ما كتب إلى قوله: “أريد فقط أن أصل معكم – وأخاطب لمعلمين أساسا – أن محاولة التفريق بين روح الدين وواقع التدين هي محاولات “طيبة لكنها لا تنافس” فالحقائق لا يمكن طمسها، وهذا الشبل/البيظاني من ذاك الأسد…و إن الذي يعاني يجب أن يكون صريحا مع ذاته في سبب معاناته مهما كان السبب، إذا كان الدين يلعب دورا فلنقلها بأعلى صوت: يلعب الدين ورجال الدين وكتب الدين أدوارهم في كل القضايا الاجتماعية من قضايا لحراطين و لمعلمين وإيكاون الذين لا زالوا صامتين رغم أن الدين يقر بأن مأكلهم حرام و مشربهم حرام و عملهم حرام…

 

هكذا كانت فكرة الكاتب جلية واضحة ووجد من ينشر مقاله كما نشر مقالا أخا له من قبل فهما قلمان من أقلام إعلان الإلحاد ومحاكمة الدين.

 

وما إن ظهر المقال حتى تتابعت عليه ردود شكر الله سعي كاتبيها، غير أن الموضوع لما يوف حقه بعد لذا سأعمد إلى مناقشة المقال فكرة فكرة:

 

1- استشهد الكاتب بتعريف الدكتور عبد المجيد النجار للدين والتدين ناقلا قوله “إن حقيقة الدين تختلف عن حقيقة التدين؛ إذ الدين هو ذات التعاليم التي هي شرع إلهي، والتدين هو التشرع بتلك التعاليم، فهو كسب إنساني، وهذا الفارق في الحقيقة بينهما يفضي إلى فارق في الخصائص، واختلاف في الأحكام بالنسبة لكل منهما” وليت الكاتب استفاض في الكلام على العلاقة بين الدين والتدين كما فعل النجار، لكنه بتر الفكرة قافزا دون الاستعانة بمصدر أو مرجع أو منطق ليقسم الفترة الزمنية للإسلام إلى قسمين:

 

- فترة حياة محمد (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهي فترة دين

- ما بعد محمد(رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهي فترة تدين

 

وهذا التقسيم باطل ضرورة فما دام التدين “هو التشرع بتعاليم الدين التي هي كما يقول النجار تعاليم مجرّدة تهدي أفعال الإنسان على مستوى نوعها المجرّد عن عناصر التشخص، والتدين يقتضي أن يُنزّل المكلف تلك التعاليم المجرّدة على أفعاله العينية، بمعطياتها الزمانية والمكانية، وبحيثياتها التشخيصية” فإنه لا يمكن أن يفصل الدين والتدين على أساس زماني محض، غاية ما يمكن أن يقال إن المقاربات التدينية تكون أقرب إلى الدين في مثاليته في زمان النبوة، وأنه كلما طال الأمد كلما ازداد احتمال اتساع الهوة بين الدين في مثاليته والتدين في واقعه، ولولا أن الله حفظ هذا الدين، وأنه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها كما روى أبو داوود والطبراني في الأوسط لضعفت علاقة الدين بالتدين إلى أقصى حد.

 

2-   استشهد الكاتب بقصة أسرى بدر، واعتبر أن الفداء ما أخذ منهم إلا لأنهم الأهل والعشيرة، والواقع أن هناك عاملان هما الباعث الأساسي على هذا القرار:

 

-         العامل الأول الحاجة الملحة فأغلب المهاجرين خرج صفرا من ماله، واقتصاد المدينة ما زال ضعيفا مختلا بسسب الاستيعاب الفجائي لمئات المهاجرين، والمسلمون بحاجة فعلا إلى موارد مالية تخفف الأزمة الخانقة، وإلى هذا العامل أشار القرآن معاتبا المسلمين على ترك ما كان أولى من الإثخان في قتل المشركين {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} وبعد هذا العتاب بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبا عمر الذي كان معارضا لأخذ الفداء “أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة”.

 

-         العامل الثاني: رجاء أن يهدي الله الأسرى لا سيما بعدما حصدت رؤوس ممانعة الهدى المصادرة لقرار العامة، وليس القتل قيمة في الإسلام تقصد لذاتها بل هو وسيلة اضطرارية للتخلية بين العامة والهدى حتى يتبين الرشد من الغي.

 

أما الاستثناء الذي ذكر الكاتب في حق زوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدل على جهل عظيم بالسيرة من عدة وجوه:

 

-         أن هذا الرجل تشهد علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم وحسن معاملته له ولابنته رغم ضغوط قريش عليه، أنه إنما خرج مكرها وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل من خرج مكرها فطبيعي أن يمن عليه إذا أسر وكان معسرا.

 

-         أن من أرسل الفداء مسلمة لم يهتم بفك أسر زوجها سواها والفداء إنما شرع نكاية بالكفار لا بالمسلمين.

 

-         أنه لم يؤمن أحد من المسلمين كافرا إلا قبل النبي صلى الله عليه وسلم تأمينه ولا استوهبه مسلم حياة كافر وجب له القتل إلا وهبه له فقد وهب لثابت بن قيس الزبير بن باطا وأهله وماله، كما وهب لأم المنذر سلمى بنت قيس حياة رفاعة بن سموأل وهما من بني قريظة.

 

بل وفوق ذلك شفع في بني قينقاع المنافق عبد الله بن أبي وهم يهود كبني قريظة.

 

-         أن النبي صلى الله عليه وسلم من بغير فداء على من ثبت عجزه كأبي عزة عمرو بن عبد الله بن عمير الجمحي، حين قال له: لي خمس بنات ليس لهن شيء فتصدق بي عليهن يا محمد ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

-         أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل الفداء من رجلين من أقرب الأسرى إليه نسبا وهما عقبة بن أبي معيط من بني عبد مناف والنضر بن الحارث من بني عبد الدار بل أعدمهما لما كان منهما.

 

3-   زعم الكاتب أن معيار القرشية كان فيصلا في قرارات النبي صلى الله عليه وسلم وضرب مثلا لذلك أن هند بنت عتبة أخذت لقب عزيزة في الجاهلية عزيزة في الإسلام، أما وحشي فأمره نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أن يواري عنه وجهه، وهذا أيضا يدل على جهل فاحش بالسيرة فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أرسل جيشا فيه زيد بن ثابت إلا وأمره عليه، وهو ليس من قريش بل هو مولى، وأمر ابنه الأسود ذا اللون والدم الحبشيين على جيش فيه أبو بكر وعمر ولما يبلغ العشرين، وفي يوم بدر نجح بلال الحبشي في قتل أمية بن خلف على حساب عبد الرحمن بن عوف القرشي الذي لم يأل جهدا في إنقاذ صديقه أمية لكن سيوف المسلمين كانت مع بلال الحبشي على توسلات ابن عوف القرشي.

 

أما أمر النبي صلى الله عليه وسلم لوحشي أن يتنحى عنه فليس إعراضا عنه ولا طردا له من الحظيرة الإيمانية، وإنما كان ذلك لحظة قص عليه فيها قصة قتله حمزة مما هيج أشجان النبي صلى الله عليه وسلم وهو بشر بل هو أرحم وأبر البشر وهذا مقتل عمه، من غير ثأر ولا سابق عداوة، أما هند فقد كانت المصيبة في حقها أنكى فقد قتل أبوها وابنها وأخوها وعمها في بدر، وطبيعي بالاعتبارات البشرية أن تحرض على دماء من قتلوا أباها وابنها وأخاها وعمها وأكابر عشيرتها ولو كانوا ظالمين.

 

أما تقديم خالد فهو توظيف للطاقات الكبرى ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسند وظائفه إلى أصحابه حسب السابقة في الإسلام بل حسب الملكة والقدرة على القيام بالوظيفة والإبداع فيها، لقد أسلم بعض الصحابة قبل أن يولد أسامة بن زيد، لكن أسامة حمل من مزايا القيادة ما لم يحملوا وكذلك كان خالد.

 

4-   تباكى الكاتب كثيرا على ما اعتبره إبادة لبني قريظة وهي دموع تمساح لا رقأت، فماذا ينتظر من قوم يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك يكتمون الحق وهم يعلمون؟ ثم هم يعاهدون المسلمين على العيش المشترك والدفاع المشترك حتى إذا جاء الأحزاب من فوق المسلمين ومن أسفل منهم ولم يبق من منفذ للإجهاز عليهم إلا ما كان من قبل حلفائهم المفترض أن يكونوا صفا واحدا معهم للدفاع عن من دهم المدينة، إذا بالأفاعي ترى الفرصة سانحة للسعة قاضية على المسلمين فخانوا العهد وظاهروا العدو الذي بدا في مستوى من القوة فاق التصور مما يضمن قضاء حقيقيا على المسلمين، غير أن يد الله كانت فوق أيدي الأحزاب والذين ظاهروهم من أهل الكتاب (بني قريظة) فقذف في قلوبهم الرعب وخاذل بينهم وأرسل جنوده التي لا ترى، فعاد الأحزاب يجرون أذيال الخيبة، وانكشف بنو قريظة يحصدون ثمار خيانتهم في أحلك الأوقات ويدفعون ثمن جبنهم في استسلامهم وخنوعهم ورفض الدفاع عن نفوسهم، ولما كان لا يرجى منهم إيمان ولا تؤمن منهم غائلة، فقد كان المناسب لهم أقوى العقوبات، ولم يقتل منهم إلا من كان مقاتلا وتابع في الغدر، أما من لم يتابع في الغدر كعمرو بن سعدى فسلم، كما سلم من لم يكن مقاتلا كالنساء ومن لم يبلغ سن القتال من الرجال، ولم يكن ذلك لكونهم يهودا فقد أجلي على غدر كان أخف بنو قينقاع وبنو النضير، فلو كانت الإبادة للجنس أو الطبقة فما سلم أولائك؟

 

أما قريش فقد حصدت سيوف المسلمين رؤوس الكفر فيهم، وصار العامة مهيئين للدخول في الإسلام بصدق، بعد ما اختفت الحجب الحاجزة، بل إن القرآن يلفت انتباهنا إلى أنه كان في مكة نساء مؤمنون ونساء مؤمنات يسرون إيمانهم {ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما}.

 

لم يبق بعد ما تبين أن أفكار الكاتب أسست على شرف هار منهار إلا أن أختم هذا التعليق بما قلت في قصيدة سابقة:

 

ومنتقص  حق  الرسول  كعامد     لمركبة  تفري  الفضا ، فهو  نـــابح

فيا  رحمة للعالمين ،  وبلسمـا      من  الداء  يشفي ما  تكن الجــــوانح

ويا عسلا عذب  المذاقة سلسلا      ويا  يا سمينا  عرفه الدهر  فـــــائح

حللت من العلياء  قمة شاهق         تعاظم  لا ترنو  إليه  المطامـــــــح

وقدست  محمود النقيبة  طاهرا      تنبئ  عن  أسمى  الكمال  الملامح

الأستاذ محمدن بن الرباني

4. يناير 2014 - 9:08

كتاب موريتانيا

ذات صلة