مهمشــــون .. داخل القصر الرئاسي.!! / أحمد ولد السالم

مساء الأحد من الأسبوع الماضي، وفيما كنت مستغرقا في تصفح بعض

المواقع الوطنية وشبكة التواصل الاجتماعي ، جاءني إتصال هاتفي هام من

قبل أحد الإخوة الأعزاء ليخبرني بأن عليَّ الحضور صبيحة اليوم الموالي الاثنين السادس من يناير الساعة التاسعة صباحا عند البوابة الرئيسية للقصر الرئاسي ، والمناسبة : مقابلة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز .

بدا الأمر مفاجئا بالنسبة لي ومثيرا للإهتمام .. وعلى الفور أعربت عن ترحيبي بهذه الخطوة الكبيرة واستعدادي التام للحضور في الزمان والمكان المحددين ، إنها فرصة هامة بل و تاريخية بالنسبة لي ، لأضع فخامة الرئيس الجمهورية عن قرب في صورة ما تعانيه شريحة "لمعلمين" من تهميش وإقصاء شامل وعن ما يجري من حراك تقوده نخب هذه الشريحة منذ أكثر من سنتين كاملتين ...

في صباح اليوم التالي وفي الوقت المحدد كنت اشق طريقي نحو القصر الرئاسي عبر مدخله الفسيح المزدان بأعمدة الإنارة الحديثة وأشجار النخيل الباسقة وسط بيئة نظيفة و خضراء تشعرك بهيبة المكان ، و كأنك في رحاب جزيرة حالمة لا ترتبط مع العاصمة نواكشوط بأية أواصر قربى

شعرت كإنسان بسيط ينتمى لشريحة مهمشة ، وأنا أضع خطوتي الأولى على أعتاب بوابة القصر المنيف ، بحالة من التشاؤم مرده الخوف من عدم قدرتي على توصيل الرسالة على الوجه الأكمل نظرا لجهلي التام بمزاجية الرئيس وكثرة التزاماته وخلفيته العسكرية الصارمة ... و خيل إليَّ أن الإجتماع لن يعمر أكثر من بضعة دقائق معدودة ثم نأمر بالانصراف .

بعد الإجراءات الابروتوكولية الصارمة والقصيرة جدا ، وجدنا انفسنا أمام البوابة المفضية مباشرة لمكتب فخامة رئيس الجمهورية الاسلامية الموريتانية ، الذي رحب بنا بإيجاز شديد ، ثم أشار إلينا بالجلوس حول مكتبه فتحلقنا حوله على شكل هلال أو نصف دائرة .

تحدث كل واحد من رفاقي بكل اريحية وكان الرئيس يصغي للمتحدث بعناية ثم يعقب عليه حسب مقتضى حديثه .. وحين وصلني الدور لم أكن اشعر بأي نوع من الارتباك أو الرهبة نظرا لبساطة الرجل التي فاجأتني كثيرا وقلبت رأسا على عقب الصورة النمطية الماثلة في مخيلتي عنه ، حتى شعرت وكأنني أُحدث رجلا عاديا من عامة الناس . ابتدأت كلمتي بشكر فخامته على إتاحة هذه الفرصة لنتحدث إليه وجها لوجه ، مثمنا لهذه الخطوة و مذكرا إياه بأن "لمعلمين " بالكاد يعرفون موقع القصر الرئاسي ، فعلى مدى ثلاثة وخمسين سنة هي عمر الدولة الموريتانية الحديثة ، لم تتح فرصة دخول القصر الرئاسي إلا لعنصر واحد من أبناء هذه شريحة بصفته وزيرا يحمل حقيبة وزارية وهو الوحيد ايضا الذي دخل قبة البرلمان ، حدث ذلك كله خلال فترة حكم الرئيس الاسبق معاوية ولد سيد احمد الطايع ... بعد هذه المقدمة التي يبدو أنها استدعت ابتسامة الرئيس ، بدأت أشرح لفخامته - 

 بايجاز - ماضي هذه الشريحة المشرق والمشرف وكيف أنها كانت تحقق للمجتمع الموريتاني القديم الاكتفاء الذاتي في كل شيء حتى أنه لم يكن بحاجة لستراد سوى الملابس والشاي الصيني .. ثم ذكرته في ختام كلمتي بالاستحقاق الانتخابي الاخير وكيف أن جميع الأحزاب بما فيها الحزب الحاكم تواطؤا جميعا على تهميش أبناء هذه الشريحة ، و على الرغم من ذلك الموقف المخجل استعطنا بفضل الله ثم بفضل اصوات هذه الكتلة الانتخابية الهامة انجاح نائب في البرلمان - قاطعني مبتسما ومباركا - وكأنه علم مسبق بقصة نجاح هذا النائب الذي ينحدر من شريحة " لمعلمين " .

ثم تناول الرئيس الكلمة معقبا على كلمتي وقد بدا متأثرا ومتعاطفا ومعترفا لهذه الشريحة بجليل صنيعها وعطائها ... مذكرا بأن خطوات قد اتخذت لإنصاف ابناء هذه الشريحة وغيرها من المهمشين والمظلومين ، وأن خطوات أخرى سوف تتخذ في المستقبل حتى يشعر الناس بالعدالة و المساواة والإنصاف ... مذكرا بأن الاخطاء المتراكمة لعقود من الزمن لا يمكن حلها دفعة واحدة وخلال وقت قصير ... مشددا على أهمية الوحدة الوطنية في كنف وطن يتسع لكل أبنائه .. مبشرا بغد أفضل يشمل الجميع .

ودعنا رئيس الجمهورية بعد أن قارب وقت اجتماعنا معه حوالي الساعة دون أن يشعرنا هو بنهاية المقابلة أو يطلب منا الانصراف . إن الانطباع الذي خرجت به من هذه المقابلة الهامة هو أن هناك إرادة حقيقية لإنصاف هذه الشريحة بعد أن عانت عقودا من الاقصاء والتهمييش الممنهج طيلة جميع الانظمة المتعاقبة ، ذلك ما استنتجته من كلام رئيس الجمهورية ومن نبرة صوته وتقاسيم وجهه اثناء حديثه .. و استشفيت ذلك بوضوح أيضا بعد لقائنا بالمكلف بمهمة لدى رئاسة الجمهورية الدكتور / عبد الله ولد بن احميده الذي استقبلنا بعد خروجنا من مكتب رئيس الجمهورية ، وغمرنا بعباراته الترحيبية الحارة وحديثه الممتع عن مكانة هذه الشريحة في وجدانه وعن شعوره بأحقية مطالبها في الانصاف و العيش الكريم على أديم هذه الارض وعن رغبة الرئيس الصادقة في مساعدتها على تبوء المكانة التي تستحقها .

لم يطلب منا رئيس الجمهورية العمل على ايقاف حراكنا ، ولم يتطرق الحديث للمقال المسيء أو لكاتبه ، لا تصريحا ولا تلميحا .. وفي المقابل لم اطلب من رئيس الجمهورية أية مطالب شخصية ، ولا ينبغي ذلك لي ، وأنا ازعم أني أحمل هم شريحة بأكملها واسعى لإنصافها وتحقيق العدالة لها ، وما يترتب على ذلك من ضرورة التنكر للذات والتعفف عن الحاجات الشخصية وصغائر الامور .

12. يناير 2014 - 21:48

كتاب موريتانيا

ذات صلة