جولة في مقال الأستاذ جميل منصور الجديد – الديمقراطية بين الرفض والقبول / سيد محمد ولد أحمد

 سيد محمد ولد احمدلم استطع تجاوز مقالك الأخير "مقاربات حول الديمقراطية والإسلام"، فأمضيت سويعات أناقش أفكاره الجديدة القديمة مع كامل احترامي لرأيك الذي أتفق معك فيه إن أمكن تطبيقه، خاطا ما تمليه علي حافظتي المتواضعة بعيدا عن المراجع، والكلام الكبير الذي لا يفهمه إلا الخاصة..

فأقول مستعينا بالله: قلت: "إن طائفة من السلفيين تحرم الديمقراطية، وأن طائفة من العلمانيين ترى أن المرجعية الدينية الإسلامية تتناقض مع الديمقراطية، وأن كل إسلامي ديمقراطي عاقد العزم على ضد ذلك"..

هذه هي الأنواع الثلاثة هي أبرز أنواع المسلمين المتعاملين مع الديمقراطية اليوم، وإذا تأملنا فيها وجدنا طرفين يقف بينهما طرف (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)، أما الأول فالسلفيين..

من هم السلفيون؟ ولماذا يخشاهم أكثر المسلمين اليوم؟ أولا: هذه التسميات لا وجود لها في الواقع فالله تعالى سمانا جميعا المسلمين، فما لم يكفر بعضنا كفرا بواحا فهو منا، لكن لما اختلفت الأمة وتفرقت إلى هذه الفرق والطوائف التي يتميز بعضها عن بعض، وهل يكفي الإسم للإشارة إلى قربها من الصواب؟

مثلا: "السلفيون"، من إتباع السلف والتمسك بما كانوا عليه والإبتعاد عن المحدثات الضلالات، وإذا تشدد السلفي ففي التمسك بالسنة الثابتة وركل ما سواها، وسلف الأمة هم الصحابة وتابعوهم ومن تبعهم بإحسان، فمثلا عندما تبتدع طائفة تعاليما جديدة (عبادات أو سياسات جديدة متناقضة مع أسس الإسلام) لم يعرفها السلف، تتصدى لها الطائفة السلفية المتمسكة بما كان عليه الأوائل انطلاقا من أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما كان عليه أولها، فمثلا: لو كانت الأوارد المبثوثة في الناس طريقة صحيحة لثبت الأخذ بها عن الصحابة فهم أخبر في الدين، لكن ما داموا لم يفعلوها ولم يفعلوا ما يشبهها، فمن حق السلفية أن ترفضها، وترفض الأدلة الواهية التي يقول بها القائلين بها، والمبنية على المنامات، والكرامات والشطحات، والنطحات، والويل كل الويل لمن ينطح صخرة الإسلام بقرنيه ليوهنها..

كناطح صخرة يوما ليوهنها.. فلم يضرها، وأوهى قرنه الشيخ

وطبعا المقصود شيوخ الضلال، ومفكري آخر زمان، لا أهل الإستقامة، فهم أعلم وأورع من أن يأكلوا الدنيا بالدين، أو تجوز عليهم حركات الشيطان المكشوفة كتجسده في صورة نبي أو صالح من الصالحين، وأمره لبعض المغترين به بما يناقض أسس الدين ،وقواعده المكتملة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الأمانة، ومن زعم أنه ترك منها شيئا إلى هذه العصور المتأخرة ليمن به على بعض الناس دون بعض فقد أساء الأدب معه، كما أساء إلى دينه الصافي الخالي من البدع والخوارق التافهة، ولم يكن المسلمون يعبدون الله في ظلمات البيوت والمساجد لكي يكونوا من أهل الكرامات، يتحكمون في رقاب الناس وأموالهم بذلك!..

مثال توضيحي: لنأخذ "الطريقة ألفا أو بيتا" (عندنا في عالمنا الإسلامي ما يناهز 3000 طريقة صوفية كلها ضلالة في نظر أصحابها إلا واحدة، هي ما كانوا هم عليه، ومن هم أتباع الشيخ كذا، الذي أحدث في الدين كذا!!)، نجد علوما خاصة، وعبادات على هيئات خاصة، وشيوخ خصوصيين، وقبور خاصة، وذبائح خاصة، كل ذلك مما لم يعرفه أول هذه الأمة، ولا حاجة للإسلام فيه..

فلا أحد منا ملزم في الشريعة بالتبعية لأي إنسان غير متبع لما كان عليه سلف الأمة – وهو الصحيح بشهادة الواقع والمنطق -، ولا ينبغي الخوف من التعرض للعنة أي كان، أو الحرمان من شفاعاته يوم القيامة، ما دمنا مستقيمين مقيمين لأركان الإسلام المفروضة علينا، أما صلاح أولئك الشيوخ فلأنفسهم قبل كل شيء، فهم بشر مثلنا، ولا يعقل أن يصدق عاقل في هذه العصر أن من البشر من يتصرف في المقادير، ويعين الملائكة في مهامها الجسام كتدبير الكون وغير ذلك مما يعجز عنه أي بشري كان يصيح في حضن أمه عندما كان صغيرا، وأحب النساء بمجرد بلوغه!

مثال آخر: "جماعة الإخوان المسلمين"، هل هي الأخوة في الدين التي عرفها الصحابة؟ الجواب: لا. فأخوة الإخوان أمر تحزبي مبتدع قبيح، فهم جماعة منغلقة على نفسها، يعقد أفرادها البيعة لرجل من المسلمين ليس بولي أمر المسلمين!، مما يكون سببا في خلق تنظيم داخلي في ثنايا المسلمين، والولاء لغير وليهم، والإسلام لا يشجع على مثل هذه التصرفات بل ينبذها لما فيها من التفرقة بين المسلمين، وصحيح البخاري مليء بالأحاديث التي تحذر من الخروج على الحاكم، ومن إتباع طريق المنافقين في التعامل مع غيرهم، ومن قرأ نظام بيعة الإخوان يلاحظ أنهم يكادون يعتبرون من ليس منهم ليس من المسلمين أصلا!

وهدف الإخوان الوحيد هو الوصول إلى الحكم، لكن بما أن الطريق غير مستقيم فالوصول بلا فائدة، ورغم تعاطفي مع الإخوان في مصر إلا أنني لا أرى أنهم سيفلحون لا في مصر ولا في غيرها، وذلك لسبب بسيط وهو أنك إذا سألت اليوم ما هي الطائفة الإسلامية الأقرب إلى السياسة والديمقراطية، وجدتها الإخوان الديمقراطيين! فهم الوجه القبيح الثاني للديمقراطية الغربية الموجودة عندنا اليوم، طبعا إضافة إلى الوجه العابس الفاسق الذي يسمى العلمانية..

وطبعا لما نقول "سياسة"، نقول "كذب"، فالسياسي الذي لا يكذب – حتى في الغرب- ليس بسياسي! وانظر إلى فترة حكم مرسي (الذي أتمنى فك أسره ونصره واهتدائه إلى ما ينفع الإسلام والمسلمين)، تلاحظ أن الإخوان أكثر ديمقراطية حتى من الحزب الجمهوري الأمريكي! قراراتهم مترددة خجولة منافقة لا هدف لها إلا التمسك بالحكم بالوسائل الديمقراطية التي لا تراعي لا شريعة ولا حجاب ولا أدب واحترام (هذا بدل العودة بالناس إلى أحكام الدين الصحيح، والصرامة في تطبيقها لله دون الخوف من المخلوقين)، وكما يقال: الطريق الخطأ يوصل إلى المكان الخطأ.

لقد بلغت الديمقراطية "بالإخوان الديمقراطيين" إلى درجة التردد في تطبيق الشريعة التي وعدوا الناس بها، ولو كانوا حقا صادقين لطبقوها من أول يوم، ولنصروا، ولكان تعاطف الشعب معهم اليوم أكبر بكثير مما هو عليه، ولكانت دولة الإسلام أعز بمشيئة الله، فالأمور بيده وحده، ولسنا من يقرر متى وأين وكيف تتحقق أمانينا، ما علينا إلا العمل والصبر، والحذر من الزلل فالإندفاع الشديد يؤدي إلى السقوط..

كذلك تم سجن داعية إسلامي سلفي مؤيد لمرسي في فترة حكم الأخير، في مقابل نصرة ممثلة مبغضة لمرسي وشيعته، كل ذلك بحجة الديمقراطية والمداهنة، والخوف من الطرف الآخر أكثر من الخوف من الله.. فكانت النتيجة إزاحة حكم الإخوان الضعيف القائم في مخيلاتهم، وتجرأ أعداء الدين من العلمانيين والعسكريين على المسلمين، حتى أكاد أجزم بأن من يفوز في انتخابات جدية في بلد إسلامي من المسلمين سيكون مصيره المدفع والدبابة حتى في بلدنا هذا.. ولعل ذلك وحده يكفي الأستاذ في البعد عن هذه الديمقراطية المنافقة التي لا خير فيها، إلا بشرط أن لا تكون ديمقراطية، وسأبين ذلك فيما يلي..

وتأملوا في الآية: : "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، لاحظ وصف الله تعالى لمن يعتمد أحكاما غير أحكامه تعالى، والكفر قد يكون دون الكفر إذا كان فاعل ذلك جاهلا وغير متعمدا، لكنه يكفر كفرا بواحا إذا تعمد فعل ذلك، والخوف كل الخوف على من يسعى في الطعن على الحدود، ورد بعض المسلمات التي قررها رب العالمين كإرث الأنثى وتعدد الزوجات..

إن الله سبحانه وتعالى قد سن لنا طريقة حياتنا التي أمرنا بإتباعها، وذلك هو امتحاننا (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، فلا سبيل إلى الإنحراف عن تلك الطريق إلا لمن أراد أن يكون من الكافرين أو متشبها بهم (من أحب قوما حشر معهم)، وفي هذا تحذير للعلمانيين الناطقين بالشهادتين، فالإسلام ليس طقوسا تقيمونها بعد التسكع في المقاهي، ولا أحكاما عفى عليها الزمن اليوم.

الإسلام أوامر اكتملت يوم نزلت الآية "اليوم أكملت لكم دينكم"، ولا زالت سارية المفعول حتى يوم القيامة، لا تسقط بالتقادم مثل قوانينكم الوضعية، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يفكر في انتقادها، ولا ردها لكي يسلم من الإنضمام إلى خانة الكافرين، والعياذ بالله..

أمثلة: رد التعدد في الزواج، أو نصيب الأنثى من التركة، أو إقامة الحدود .... إلخ، فرادها يخشى عليه من حكم الآية السابقة.. ثم إن الأحكام وقواعد الحياة التي سن لنا الإسلام، ليس تطبيقها بالخيار، بل فرض علينا، فهي الإختبار الذي علينا قبوله واجتيازه بنجاح لكي نستحق الحياة الأكبر في جنة النعيم إن شاء الله..

تنبيه: ليس معنى كون تلك الأحكام غير مطبقة اليوم أن يحمل المسلمون السلاح، ويتعجلون تطبيقها بالتفجير والغلو، كما يفعل بعض المتحمسين الغير فاهمين لقضاء الله وقدره، فالله تعالى لا يأمرنا بتصحيح المنكر بمنكر أدهى، وقتل المسلمين والمعاهدين منكر، والصبر خير..

وللعلم ليست تلك الطائفة التفجيرية من السلفية في شيء بل هي أقرب إلى الخوارج الذين خرجوا على سلف الأمة، فالسلفية ضدهم، وإن كان بعض الحاقدين على السلفية من رجالات البدع والإعلام يتعمد إطلاق اسم "السلفية" على أولئك المخربين. فالسلفي أرحم بالناس من أولئك، يتمسك بما عليه الصحابة وتابعيهم بإحسان، ويفكر بمنطقهم، ويعترض على المخالفات المحدثة بالحكمة والموعظة الحسنة، لا تأخذه في الله لومة لائم، مع الشفقة تمام الشفقة على إخوته، وتمني الخير الذي يتمناه لنفسه لهم..

وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا يسكت أبرز علماء السلفية في بلدنا اليوم عن البدع وأصحابها؟ أنا لا أطلب منهم أن يتشددوا معهم، فهؤلاء المبتدعة إخوتنا في الإسلام، لكن من واجبنا جميعا التناصح بالتي هي أحسن، فلا نسكت عن الباطل لأن أهم تحصينات الشيطان للباطل حتى لا يثار ويكشف، هي: محاولة إبقائه في الخفاء والظلام، فيقول المبتدع لن أناقش هذه البدعة مع أعدائها خوفا من لعنات شيخها الميت! أو يقول السلفي: أمر هؤلاء المبتدعة الأغبياء لا يعنيني! أو يتحول الحوار من صدام أفكار ورؤى إلى عداوات شخصية عقيمة مشئومة لا خير فيها، رغم أن الخلاف أساسا بين الأفكار لا بين الأشخاص فكلهم حر وسيتحمل تبعات خياراته أمام ربه بعيدا عن غيره!

فيدفع الشيطان أوليائه إلى بغض هذا، وسب هذا، ونبز هذا بالألقاب، وكره سماع صوت هذا، أو قراءة كتبه التي قد تكون نافعة، أو عدم تحمل مجالسته..

يفرح الشيطان بتلك العداوات السخيفة، ويرقص على وحدة ونص كما يقول إخوتنا في مصر، وديننا الكريم وحدة واحدة لا تتجزأ خصوصا في مجال العقيدة، فإذا تجزأ، كان أحد الطرفين على خطأ، فكيف بنا ونحن اليوم أقرب إلى الشظايا المتفرقة، تلعن كل طائفة الأخرى..

فينبغي على من تثار حوله الشكوك أن يجتهد في البحث عن الحقيقة لا يتكل في ذلك على القائمين على طريقته بل على غيرهم، فينظر بعقله، ومستواه العلمي أين الحق، ويتبعه لأن الأمر قد يتعلق بفلاحه في الدنيا والآخرة، واليوم يمكن لأكثرنا أن يفعل ذلك لأن الأمية لم تعد منتشرة كما كانت في الماضي، وهي سبب مهم من أسباب انتشار البدع والضلال..

قلت أيها الأستاذ أن تطويع الديمقراطية ممكن لكي تتلائم مع النظام الإسلامي، واستشهدت بكتب الكثير ممن يطلق عليهم اسم "مفكرين"، وذكرت اسما سلفيا مهما هو اسم "ابن القيم"، وذكرت أن الإسلام آثر الإجمال على التفصيل في الشأن السياسي، وأن البناء السياسي في الإسلام تعددت طرائقه وموجهاته ولم تتحدد طرائقه، ومن تلك القواعد الشورى، وأن البعض أخرجها من المقاربة الفردية إلى المقاربة الجماعية، وقلت أنه إذا تم تحرير الشورى من تضييق المجال، والديمقراطية مما علق بها من ثقافة الغير، يصبح اللقاء ممكنا..

أيها الأستاذ العزيز، تطبيق هذه الديمقراطية في بلاد المسلمين غير ناجع في الوقت الحالي على الأقل، وسأتجاوز الإعتراضات الذي ذكرت أن البعض ينتهجها في منعه للديمقراطية إلى تفكير عقلي منطقي بسيط..

فإذا قلت اليوم أن بلدنا ديمقراطي، فإن نتيجة ذلك أن الديمقراطيين سيطالبونك بالصدق في تطبيق الديمقراطية بدل خداعهم، وخداع العالم معهم، وبما أنك مسلم ترى أن نواقص الديمقراطية (وما أكثرها) غير قابلة للتطبيق في بلاد المسلمين، ستدخل في خلافات مع الديمقراطيين (وهم ضباع شرهة لا ترحم من يكدر صفو حريتها المعربدة) كما جرى لمرسي في مصر، وسيكون أمامك أحد أمرين إما نصرة الإسلام بتحكيمه تماما في الديمقراطية، وبالتالي الأخذ بالملائم منها – وفي الإسلام ما هو أحسن منه، أو التجرد شيئا فشيئا من إسلاميتك حتى تتحول إلى ديمقراطي صرف..

فالمفسدة الأولى للدفاع عن الديمقراطية هي أن في ذلك نصر للعلمانيين الذين لن يقبلوا بالدين كما هو، وهي كمفسدة إعلاء اللغة الفرنسية على العربية في بلدنا بحجة أنها لغة الإدارة والتطور!، ولم نر أمة تطورت بغير لغتها الأم حتى كوريا، كذلك لن يتطور المسلمون بغير دينهم ولغته..

فأنت بهذا تفتح عليك نوافذ التدخل السافر في الدين، وشيئا فشيئا – بعد تطبيق هذه الديمقراطية الشاذة – ستحكم العلمانية البلد بحجة حرية الرأي والفسق وحقوق المجرمين التي ستقف في وجه حدود الله، وبحجة ضعف النظام الإسلامي واحتياجه للديمقراطية حتى أن العقلاء المفكرين – كل من ألف في هذا السياق، وهم شرذمة من الأغبياء في نظري لا تستحق كتبهم مجرد النظر فيها، وغيرهم من أهل العلم من سلف هذه الأمة أدرى بالدين وأكثر بركة، وأحق كتبه بالمطالعة من كتبهم – يحاولون تطويع الإسلام حتى يتلائم مع المعجزة التي تسمى الديمقراطية!

ثم قل لي بالله عليك كيف ستطبق حدود الشريعة الإسلامية في ظل ديمقراطيتك هذه التي يشاركك فيها أولئك الضباع، هل ستتمكن من إقناعهم بتطبيقها؟

اسأل نفسك: هل ستتمكن من تطبيق الشريعة الإسلامية مع الديمقراطية أم لا؟ واحذر من تنظير أولئك المفكرين الذين يدسون أنفوهم فيما لا يعنيهم من أمور العلم والمسلمين – فهم جهلة، والعقل دون علم لا يكفي، هذا إن كانت لهم عقول أصلا، وأشهد الله أنني لا أحكم على من تقع عيني عليه منهم إلا بالغباء، وأتعجب كل العجب من رفع الناس لمثله -، فهم لا يتمسكون إلا بالرمم من الأفكار على طريقة خالف تعرف، ولا يحبون إلا مناقشة ما يعتقدونه غامضا على الأمة، وقد يصل بهم حب الشهرة واللهفة على الإتيان بجديد إلى حد التعجل في إصدار أحكامهم الفاسدة وبثها في كتبهم، لا بارك الله فيهم، ولا في تفكيرهم..

وبالمناسبة، لاحظوا معي كيف أن تدريس الدين في المدارس حلت معه الأفكار الخاطئة عن الرقي والتقدم، فتم حصر التحضر في رعاية المواهب، والإختراع (الذي قد لا يكفي صاحبه إلا في الدنيا)، كأن الدين ليس أساسا من أسسه تنضاف إليه الأسس الأخرى وتنطلق منه، فهو الأساس الأول، والمسلمون لم ولن يرتفعوا بدونه كما يعتقد العلمانيون وأصحاب هز الوسط من الوسطيين..

لاحظ تشجيع المواهب بدل تشجيع دراسة الدين، حتى أصبح كل من يريد أن يكون من النخبة يتجه إلى الفن، والشعر وكتابة الروايات، والثرثرة بالأمور السياسة، والتمثيل عاريا، وتم رصد الجوائز لكل من تتجلى وقاحته على أوراق مؤلفه أو في طيات فيلمه غير مبالية بحشمة القارئ، أو يتجرأ أكثر على الطعن في الإسلام إرضاء للكفار، أما العالم وإمام المسجد فمتخلفين غير فاهمين، مكانهما الإبعاد! ولطالما سألت نفسي لماذا لا نرى فيلما فيه خير، كمناقشة رحلة توبة فرد من أفراد المجتمع (أو رواية، حتى أنني حاولت الكتابة في هذا السياق المهجور)، ولعل الجواب أن النخبة المتعفنة تحتكر كل شيء عندنا..

وكنتيجة لذلك التحكم المدعوم من الغرب وعملائه الحكام، أصبح بإمكان تلك النخبة الجاهلة أن تجيز لنفسها حق التدخل في أمور الدين التي لا يعرفها غير العلماء بحجة أنها نخبة، فترى المفكر منها يناقش ما أجتهد جهابذة العلماء الذين لا يمكنه مهما بلغ بلوغ ظفر أحدهم، منظرا ومثرثرا ومجددا بأمر من الشيطان، وحجة قبول عفنه ذلك هي أنه مفكر!

أقول: هل ستتمكن من حصر الشورى في العقلاء لا كل من بلغ الثامنة عشر من المراهقين الذين لو كانت الديمقراطية صادقة لفاز لاعب كرة قدم مشهور في انتخاباتها لأن الشباب يشكل الأغلبية!

ماذا ستفعل مع هذا التحزب السياسي المقيت (الأحزاب السياسية عرضها الله للتشتت) الذي يذكر أصحابه الديمقراطية وأصول النفاق في مجالسهم أكثر من ذكرهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟

تأمل في حلقاتهم التلفزيونية، غالبا ما يتحول الحديث إلى النفاق والأكاذيب والمصالح السخيفة بدل الإهتمام بشؤون المسلمين الحقيقية، ونصرة دين الله!

هل ستتمكن من منع غير المسلم من الترشح لرئاسة المسلمين؟ انظر إلى دستور العلمانيين اليوم في مصر، ألا يتيح الفرصة لأن يترشح للرئاسة غير المسلم، بحجة واهية هي أن الذين سينتخبونه مسلمون لهم الخيار، فوا عجبا من منطق الديمقراطية، إنه حقا يمهد لطمس معالم الدين، ولا يقيم وزنا له، وكيف يفعل وهو منتج طبع عليه اسم الكفر والتسيب..

نعم، إن الديمقراطية تسيب على كل الجبهات، فهي فيما يتعلق بالدين تسيب، كل شيء ممكن حتى الكفر الذي يبدو أنكم تأثرتم بحده، وفيما يتعلق بالحرية تسيب، ففي المدن الغربية أماكن للعري يتجول فيها الجنسين بغير ضوابط ولا حشمة، وهي فيما يتعلق بالمال تسيب لأنها لا تقف إلا بجانب الغني أما الفقير فالموت خير له، وأسأل فقراء الغرب، وهكذا لا تراها في مجال من المجالات إلا تسيبا متدفقا..

والغريب في الأمر أن بعض الإسلاميين الذين يزعمون أنهم معتدلون بقبولهم للديمقراطية وغيرها من الطامات التي فرقت المسلمين (الطرف الوسط الذي ذكرت في أول كلامك)، يرون إمكانية تطبيقها رغم نواقصها الكثيرة، وتناقضها مع أسس الدين والأخلاق، الأمر الذي يعود بنا إلى الملاحظة السابقة، وهي أن تطبيقها في بلاد المسلمين يتطلب التخلي عن اسمها المشئوم (الديمقراطية) قبل التخلي عن أكثر مبادئها، أو التخلي عنها كلها.. 

من أين جاءنا هذا الإيمان الدخيل بالديمقراطية؟ 

إن الحاكم في بلاد المسلمين مجرد فرد منهم، المفروض أن يكون أصلحهم، أو أصلحهم للحكم (قد يكون صالحا للحكم، وغير صالح في نفسه، فهو بشر)، عليهم طاعته ما لم يأمر بمعصية، لأن الخروج عليه مفسدة أكبر.

والتغير الذي نتجرع تبعاته اليوم - في نظري -، وقع عندما دخل المستعمر الصليبي إلى بلاد المسلمين في القرن التاسع عشر، لقد كانا نحيا بالإسلام متمسكين بمظاهره (وفي الأفلام الكلاسيكية المصورة في المغرب ومصر مثلا ترى النساء متنقبات أو متحجبات في الشوارع في ذلك الزمان، وانظر إلى أغلبهن اليوم بعد سيادة المستعمر وأزلامه الذين يحكموننا بإسمه ومنطقه).

ورغم تتالي الدول الإسلامية التي كان منها الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات، طبق الحكام الشرع دون تردد، وغزو للجهاد، ودافعوا عن المسلمين، فكان دين الله موجودا بقوة رغم بشرية المسلمين وإمكانية خطأهم (فلا شيء كامل في هذه الدنيا ما لم يرتبط ارتباطا تاما بالله)..

ورغم تصلب رؤوس الصليبيين على الحقد والنيل من المسلمين فقد نجح المسلمون في صد محاولات الإستعمار الأولى التي كان هدفها دينيا بدرجة أكبر، وتم إخراج الصليبيين من القدس حتى الأمس القريب، مما يدلك على أن الله ينصر المتمسكين بشرعه، والآية التي ذكرت، هي الحل الأنجع لكل مشاكلنا، وهي قوله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا"..

لقد كان من نتائج الثورة الصناعية في أوربا، والتي كنا نحن في فترتها نعاني من ثورات الخرافة والبدع والشهوات التي أضعفتنا، وصدتنا عن ديننا الصحيح، وبثت الخور فينا، حتى فجأنا الصليبيون الجدد بجيوشهم المسلحة بجديد الإختراعات المدمرة (البارود ومشتقاته)، والباحثة عن مصادر طاقة جديدة تمول به الثورة الصناعية الجديدة بعيدا عن قارتها الأوربية الفقيرة، مستغلة الفرصة الجديدة لتحقيق ما عجز عنه الأجداد، وهو طمس معالم هذا الدين المحسود.

فدخلوا بلاد المسلمين، وفرقوها إلى دويلات لإضعافهم، وبثوا فيهم ثقافتهم الغريبة التي مهدت لديمقراطيتهم، ونصروا البدع حتى جعلوا شيوخها شبه حكام بأمرهم. وكان من نتائج الإستعمار نهب خيرات المسلمين وأصالتهم - ولا زال النهب مستمرا حتى اليوم بإسم التعاون الإقتصادي، وعلى ماذا يتعاون الفأر مع القط؟-، وإرهابهم بقوة السلاح، والتعاون العسكري – أو التدخل في شؤونهم وابتزازهم، وإلا فقل لي بالله عليك ما الذي يتعاون عليه جيش إفريقي منحوس مع جيش أوربي؟ -، استمر النهب والإستعمار حتى اليوم، وتم مسح قواعد الإسلام الأساسية من رؤوس الأبناء بواسطة بث الثقافة الأجنبية في مدارسهم، وإحلال لغة المستعمر بدلا من لغة الدين والكرامة، أصبح المصري عدوا للمغربي، وإذا قيل توحدا كان الجواب: مستحيل! هذا هو المغرب وما أدراك ما المغرب، وتلك مصر أم الدنيا، تحولت العلاقات بين الإخوة في الدين إلى عداوات وعلاقات دبلوماسية انتهازية، وصارت كل دويلة تخشى أختها أكثر من خشيتها من العدو..

وكنتيجة لذلك الإستعمار الغاشم، وللإستقلال الكاذب الذي أعقبه، والذي لا زلنا نحتفل به بغباء حتى اليوم، والذي تعلمنا فيه أصول الإقتراب من العدو والبعد عن الدين، ظهر من مفكرينا الزاعمين أنهم إسلاميين (وهم في نظري أغبياء) من يبحث عن الحلول الوسطية، متساهلا أحيانا مع بعض القواعد الإسلامية الأساسية، وبدأت غربلة الإسلام الذي استلمناه جاهزا للإستخدام، بدعوى الوسطية، وعدم التشدد، وملائمة الدين للعصر، كأن خالق الدين والعصر لم يفعل ذلك من الأول، وحاشاه..

فبدأ البعض يعترض على حدود الله التي لا نقاش فيها عند من في قلبه ذرة فهم وإيمان، والتي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لو سرقت فاطمة ابنة محمد لقطعت يدها"..

وبحجة التطور، أُخرجت المرأة امن حصنها المسمى "البيت" إلى الشارع، وتعرضت للذئاب فيه وفي المكاتب، وأصبحت مثل الرجل، بفارق لم يهتم به أحد من أولئك المتحررين، وهو كونها ليست رجلا، ولا طاقة لها على مصارعة السباع..

وبسبب البعد عن الدين، واهتمام الحكام المسلمين بالعمالة للغرب، وعدم حماية مجتمعاتهم من أفكاره المخربة، كثرت العنوسة، والبطالة، والعلمانية، وتفاقم الفقر والظلم ، حتى انحصر الحل في نظر البعض في تطبيق الديمقراطية وحرياتها الخادعة التي نجحت عند أولئك الفاسقين، وفي أحكام القانون الوضعي التي لا تقيم صلب المجتمع، بدليل اعوجاج المجتمعات التي تطبقها.. 

فجرأ نفاق القانون الوضعي المنافقين المغتصبين، والقتلة المؤذيين على تكرار فعلتهم لإنعدام القوانين الإلهية المطهرة للمجتمع منهم.. وتحولنا إلى مجتمع عجيب، لا هو إسلامي، ولا هو ديمقراطي، وبين ذلك وذلك يتعاون اليوم الدكتاتوريين المنقلبين، والعلمانيين المغتريين بالثقافة الغربية، والإخوان المسلمين ومن تبعهم من المفكرين السياسيين، في بناء دولة الإسلام الجديدة، التي تشبه المسخ المركب من التناقضات التي لا يمكن اتفاقها أبدا..

وعدما تفاقم الأمر، وازداد البعد عن الدين (بسبب البدع المتفشية، والإبتعاد عن لغة الدين، والدراسة الشرعية)، تحولت الديمقراطية في الأنظار إلى منقذ جامع للأطراف المختلفة على طاولة النفاق، ومراعاة المصالح الأنانية، وظن البعض أن جمعها للنصارى على الكفر والفسق في أوربا وأمريكا دليل على إمكانية جمعها للمسلمين وشياطينهم على الكفر والفجور في بلاد المسلمين..

ثم قلت: "يخطئ من يعتبر الديمقراطية دينا أو مذهبا مقابلا للإسلام وعقائده.. وأن الديمقراطية أسلوب تنظيم الشأن السياسي في إجراءاته وآلياته.. وأنك بتطبيق آلياتها تكون ديمقراطيا"..

أقول: إن الديمقراطية اليوم تكاد تكون مذهبا وتشريعا – غير ما أنزل الله -، في الدول الغربية، فإذا كنت تقصد بالديمقراطية شيئا غير المعروفة فكان عليك أن تكون واضحا في كلامك، وتحدد لنا ما تقصد، أما ولم تفعل، فإن الديمقراطية تشريعا بشريا جديدا كقوانين حمورابي، منافس للتشريع الإسلامي الذي ارتضى الله لعباده الذين خلق، ولا أتحدث عن العقائد، والدين الإسلامي لا يقوم على العقيدة وحدها..

وأقل ما يؤخذ على الديمقراطية أنها المعمول به في بلاد الكفار، وكان الأجدر أن يكونوا هم المحتاجين إلينا وإلى ديننا، لولا الخور الذي دب فينا (انظر كلام ابن تيمية حول عزة المسلم في تعامله مع الكافر في كتاب ... ).

فمثلا: يجوز في التشريع الديمقراطي زواج الجنس الواحد من الرجال أو النساء، بل من الغربيات من تتزوج بالكلاب!، وتجوز حرية التعبير حتى في الكفر، والإعتراض حتى على الرسول صلى الله عليه وسلم كما اعترضوا على المسيح، وسخروا منه ومن دينه، ويجوز حكم غير المسلم للمسلمين.... إلخ

وإذا كنت تعتقد أنه من الممكن نزع بعض هذه القواعد الشاذة، وتطويع الديمقراطية الفاجرة حتى تتلائم مع الإسلام، وتتحول إلى وسيلة لإعلاء كلمة الله، فذلك صعب جدا لأن الدواء الفاسد لا يداوي، أو لنقل: لأن طرق الفسق والكفر لا تؤدي إلى التقوى أبدا.. فالمتشددون الرافضون في نظرك للديمقراطية، يقتربون من الصواب أكثر، وذلك لأسباب منها:

أن الديمقراطية ليست شرطا في عودتنا إلى مجدنا، فما هي إلا نظام بشري منافق قاصر اتفق عليه قراصنة القرن العشرين هربا من دينهم الذي امتصهم، ومن الدكتاتورية التي استعبدتهم.. فالذي يعيدنا إلى ديننا هو ما ذكرت الآية السابقة، "العمل على العودة بالناس إلى الدين الصحيح الخالي من البدع والإنحرافات"، عندها سيحكمنا مصلح حقيقي يسهم أكثر في اقترابنا من العزة والصواب..

وبدل العمل – مع المفكرين المتأسلمين الثقلاء الذين قبلوا الضيم، وخاضوا في الممنوع -، علينا تحذير المسلمين من هذه الديمقراطية المخالفة لتقاليدنا وديننا، والموافقة لأعدائنا.. فالديمقراطية ليست السبيل الوحيد إلى التطور كما روج له، بل وآمن به بعض العقلاء، بل السبيل الوحيد هو العودة إلى الدين والأصالة اللذين أبتعدنا عنهما بفعل هذا المستعمر المجرم وديمقراطيته المنافقة..

تأمل في دولة كمصر، والمغرب مثلا، لم يكن يفصلها الكثير عن دول الغرب، ولولا الإستعمار لربما كانت اليوم أكثر تطور من فرنسا، لكن الغرب بث الدكتاتورية (نظام العملاء) ليوهم انه خرج وهو باق في الخفاء، وها هو اليوم بعد انكشاف سوء الدكتاتوريات وحنق الشعوب عليها يبث ما يسمى بالديمقراطية لنفس الغرض، ولن ينفعنا إلا الإبتعاد عن رائحة ذلك المستعمر بالعودة الجادة إلى الله سبحانه وتعالى، فليتق الله في المسلمين الإخوان الديمقراطيين..

ولا ينبغي اليأس من رحمة الله والتعلق بأذيال الكفار وأنظمتهم، فنحن أعزة بديننا الذي هو أصل الحضارة الموجودة عندهم اليوم، والدنيا دول، فمن كان يتخيل أن دولة مدمرة تماما كألمانيا واليابان تعود أقوى مما كانت عليه في مدة أقل من نصف قرن بعد هزيمة مخزية في الحرب، واحتلال من طرف أعدائها؟! لكنها نتائج الصدق مع النفس والعدل مع الآخرين، والعودة إلى الأصالة، والدول كما يقال تقوم على الكفر ولا تقوم على الظلم..

إن دول المسلمين اليوم لا ينقصها سوى العودة إلى الدين، ليفعل الله ما شاء، وقد وعد بنصر من ينصره، ليس علينا إلا المحاولة والنصح لإخوتنا بالحق الذي نعتقده..

ثم ذكرت كلاما لراشد الغنوشي في النقطة 2، ذكرت قبله كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وانظر المفارقة، فقد ذكرت قول الغنوشي:  "وتقول أدعياء التسنن على نبيهم صلى الله عليه وسلمن فأولوا إنابته لأبي بكر على انه استخلاف.. وكأن المصطفى عجز عن أن يقولها صراحة!"..

أقول: أقف هنا متعجبا من أمرين، الأول: ذكرك "شيخ الإسلام"، وذكرك بعده قول هذا الغنوشي الذي سخر فيه من شيخ الإسلام الذي هو من أدعياء التسنن في رأيه لأنه يرى الرأي الذي سخر منه "شيخ المفكرين!"..

فيجب التفطن لخطورة هؤلاء المفكرين على الدين والمسلمين، فهم غالبا مجموعة من الفلاسفة أو الأدباء أو المتسكعين على المقاهي أو أساتذة الجامعات الدارسين وفقا للنظم الغربية (كان سيد قطب أديبا، وكذلك طه حسين على سبيل المثال، ولم يمنعهما ذلك من مناقشة تفاصيل شؤون المسلمين)، لم يدرسوا دراسة شرعية تخولهم فتح أفواههم في الإسلام، بل معظمهم يرى الرأي انطلاقا من الهوى والجهل، فيستحسنه ثم يلصقه في كتاب فكري سخيف يلقى قبولا لدى ضعاف النفوس وأصحاب الهوى..

فيجب القراءة للعلماء الحقيقيين (ومنهم ابن تيمية وابن القيم على سبيل المثال) لتكتشف أن أفكار أمثال هؤلاء مجرد سراب يحسبه الظمآن ماء..   

الأمر الثاني: عجبي من هؤلاء القوم من صوفية وشيعة ومبتدعة، كيف يعادون من لا يريد لهم إلا الخير، فترى الواحد منهم يقطر سما من الحقد على من ينفعه حق المنفعة لو عقل، ويلصق به أوصافا سخيفة غير متحققة فيه ليزداد فرارا منه هو وأمثاله من الضالين المضلين، ويزداد حرمانا من بركته، تماما كما كان الكفار يقولون عن الرسول صلى الله عليه وسلم "شاعر، ساحر، مجنون، مذمم وهو محمد"، فهم يتبعون سنتهم في الصد عن الحق..

ولا أرى طائفة مظلومة اليوم من طرف المحتاجين إليها أكثر من الطائفة السلفية التي تقضي الساعات الطوال في محاولة إفهام المبتدع المتعصب أنه لا وجود لتلك الألقاب التي يطلقها عليها بسخف وغباء، فيضيع الوقت في النقاش الفارغ، وتنحسر بركة الحوار..

واليوم يرمي الحاقدون أهل السنة المتمسكين بها بأبشع النعوت من قبيل "أدعياء التسنن"، وغير ذلك من العبارات المقرفة الكاذبة، ولا يعلم المسكين أن الحجة تقارع بالحجة لا بالتعصب والتنابز بالألقاب.. 

إن التعصب لا يكون إلا في أهل الباطل، ولترى ذلك تفرج على مناظرة بين شيعي وسلفي، أو تأمل في تعامل العلمانيين الجهلة مع أهل الدين، سترى الكثير من الغرور والترفع الذي هو وسيلة الشيطان الكبرى في الحجب عن الصواب..

وتأمل في تطرف علمانيي مصر الديمقراطيين تجاه المسلمين لدرجة انهم وضعوا أيديهم في يد الشيطان (دكتاتورية الجيش)، وتأمل في تطرف الشيعة لدرجة ان الفتح الأكبر عندهم ليس فتح بيت المقدس بل فتح مكة! (ولا أبالغ)، وتأمل في غلو الصوفية لدرجة أنهم يتهمون من يرد بدعة أن الكون مخلوق من نور الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه مبغض له عليه الصلاة والسلام غير مقدر له (وطبعا لا ينبغي السماع له)، وبأنه كاره للأولياء، أولئك الأولياء الذين يحذرهم أهل الخير منهم طمعا في إنقاذهم من النار، لا لشيء آخر..

 

ثم ناقشت في النقطة 3، حد الردة، وذلك حقك، فالنقاش لا يضر إذا جاء من أهل العلم والرأي لأن الحق موجود والحمد لله، والخير كله فيما كان عليه الأوائل..

ثم ذكرت في الأخير أن الإسلام أجمل في شأن السياسة..

أقول: الإسلام واضح إذا كنا القائمون عليه يفهمون دينهم فهما صحيحا، والبلاء كل البلاء يكمن في سوء الفهم والتقدير إلى درجة أخذ الأحكام – حتى الدنيوية ممثلة في الديمقراطية – من الكفار، ومحاولة تطويعها لكي تقبل الإسلام الذي أدى فقر أبنائه إلى فقر وسائل الحكم فيه، وسوء فهمها..

لكن ذلك ليس مصادفة بل هو من ابتلائنا نحن المسلمين في هذا الزمان، فالنجاة من الفتنة أمر صعب في هذه الحياة، وبعد الخلافة الراشدة انتقل الحكم في المسلمين إلى ملك عضوض، ثم بعد الإستعمار الحديث انتقل إلى حكم جمهوري غبي، واليوم يدفعه المستعجلون إلى الديمقراطية التي لن تنجح أبدا في بلداننا بسبب رائحة الكفر والخمر التي تفوح منها..

فالحل اليوم يكمن في وسيلة واحدة هي بناء مسلمين موحدين فاهمين، وسيهتدون حتما إلى أسلم الطرق لحكم أنفسهم بما يرضي الله ويعلي من دينه، وفي سبيل ذلك يجب بث الدروس الشرعية في المدارس، وعدم الإكتفاء بالمحاظر، وتعليم الناس التوحيد الخالي من البدع، والإعتزاز بالنفس في كل الأحوال، فما هي إلا دول، ومن ينصر الله ينصره ويجعله الوارث لأرضه، ومن يخذله وينصر غير دينه يخذله، جعلنا الله وإياكم من المنصورين..

أما المفكر (!!!) الذي ذكرت اسمه في آخر مقالك فعليه معرفة – هو وأمثاله - أن من سبقه أعلم وأصلح منه، فلا يعقل أن يخرج علينا في كل يوم بجديد، خصوصا في الأمور التي حسم المسلمون أمرها كحد الردة مثلا..  فلنتق الله في أنفسنا وإخواننا، ومن أراد الغنى والشهرة فعليه بالأسواق..

 

 

[email protected]

6. فبراير 2014 - 11:51

كتاب موريتانيا

ذات صلة