إغلاق المستقبل بين سياسة "التجفيف" والانقلاب العالمى / السالك ولد الشيخ

صبيحة يوم الجمعة السابع من الشهر الجارى يفاجأ الموريتانيون بصفعة موجعة من النظام القائم، متمثلة في خبر وقع كالصاعقة على قلوب بعضهم، إنه نبأ حل جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم !.

ـ شهادة في شكل سؤال:
فعاجو فأثنوا بالذى أنت أهله    ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب                                وبعد، وبدون مقدمات؛
أيها المسلمون المنصفون؛ هل يهدد تعليم القرآن الكريم مجودا مصححا أمن المواطن الموريتانى؟ هل يعتبر إعداد الأئمة والخطباء الذين يهزون المنابر ويحركون المشاعر، ويعرفون المعروفات وينكرون المناكر ـ تهديدا لأمن المواطن المورتانى؟ وهل تهدد أمن المواطن محاضرات : الاستقامة ، والتوبة ، والاستغفار، والتعاون، والتعارف، وفهم الدين، وشموليته، وحب المسلمين ، وإسداء المعروف، ونشر الفضيلة، وذم الرذيلة؟ هل وصول الدعوة والتعليم إلى أماكن موظلة في الداخل لم تستطع وزارات الدولة ولا مؤسساتها التعليمة، او محطاتها الإذاعية الداعمة، الوصول إليها؛ هل وصول الدعوة هناك أمر يهدد أمن المواطن الموريتانى؟!! أم أن الجريمة النكراء هى بالتحديد تفهيم الناس للإسلام الوسطى المعتدل الشامل ؟!
ذلك هو مضمون ما ادعته وزارة الداخلية ـ أكرمكم الله ـ
وتلك الواجبات الدينية والخدمات الدعوية الثقافية التعليمية هى ما تقوم به هذه الجمعية الخيرة ، وذاك ما نشهد به عليها ونحن من روادها المطلعين على سيرها وسيرتها الوضاءة ، بل نحن من أساتذتها وطلابها الذين تربوا في أحضانها ، فشهدنا بما علمنا والله خير الشاهدين.

لكننا وبدون تعب نستطيع الكشف عن السبب الحقيقى وراء هذه الخطوة التى لم نسمع إلى الآن من يؤيدها إطلاقا حتى من الصف الآخر ، وإن كانت صدورنا متسعة للخُرْق الذين سيزمرون ويطبلون غدا وينشدونها من من مناقب ومفاخر الرئيس الموريتانى محمد ولد عبد العزيز!ويسمونها بغير اسمها، نعم إنهم سيسمونها "قمعا للإرهاب ووقوفا في وجه المحاولين الإضرار بأمن الدولة" ـ لن تضيق صدورنا لذلك، لأن ديننا الحنيف يعلمنا أن أغطية العقول وحجب الإنسانية ، من أغلغها وأشدها ضراوة حب الدنيا فهو "أفيون" الموظفين ، والمترفين ، والمصفقين اللاهثين.
ولما كان كذلك ، استحق أصحابه التعس، والنكس، (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس وإذا شيك  فلا انتقش!) ـ آمين.
ـ التغيير البناء وسياسة التجفيف!: سابق العوامل التى أغلقت جمعية المستقبل هو عامل سياسة التجفيف التى انتهجتها الحكومة الموريتانية بقيادة رئيس الدولة، وهو عامل معروف تلجأ إليه الحكومات الفاشلة التى تستجلب أفكارها من الخارج ، وتعادى المسلمين ، وتحاول سلخهم من هويتهم الإسلامية، وزرع العصبيات والقوميات بدل ذلك داخل مجتمعاتها.
إننا ننأى بكم سيادة الرئيس وحكومتكم الموقرة عن ذلك النهج المعروف العواقب ، المجتر جدا من قبل بوركيبة وبن على وغيرهم من باعة الدين والضمير!
كما نذكركم بأن التغيير البناء هو الشعار الذى رفع في حملتكم الانتخابية ، وإن تغيرا كهذا لعمر أبيك غيرُ بناء.
ولعل جديدا يبحث عن معنى المصطلح (تجفيف المنابع الاسلامية) بشكل أدق، فأحيله إلى الدكتور عمر النمرى فيما كتبه تحت عنوان : تونس الحديثة وصراع الهوية تابع يقول :
"أما عن خطة تجفيف المنابع :
فحدث ولا حرج ؛ فقد تكونت هذه الخطة من شقين : يتجه شقها الأول إلى
استئصال الإسلاميين باعتبارهم رأس الحربة ، فيما يتجه الشق الثاني إلى تجفيف
منابع الدين باعتباره الرافد الأساسي لبروز أي حزب سياسي ذي توجه إسلامي في
المستقبل القريب أو البعيد ؛ ولسان حالهم يقول : « إن جعل الدين برنامجاً سياسياً
لأحد الأحزاب يؤدي بالضرورة في حال نجاح هذا الحزب إلى تطبيق تعاليم الدين
بحذافيرها » فهم عندما يمنعون قيام حزب سياسي على أساس ديني فإنما
يستهدفون تعطيل تطبيق تعاليم الدين ؛ لأن نجاح هذا الحزب سيؤدي إلى تطبيق
تعاليم الدين بحذافيرها على حد قولهم ".
وهذا الشق الثانى الذى ذكره الدكتور هو ما نقرأه في هذه الخطوة التى قامت بها الداخلية  ونتمنى ألا تكون الدولة طريحة أسف على أن الوجود الاسلامى السياسى سبقها فلم تستأصله قبل أن يصبح واقعا برلمانيا بلديا ، وعمت به البلوى على حد التعبير الأصولي، ففاتها بذلك الشق الأول من السياسة المذكورة.
ـ مدعمات دعوى التجفيف: على أننا لم نتهم الدولة بانتهاز هذه السياسة جزافا بلا كيل ولا عد، بل استندنا في ذلك إلى المدعمات التالية:
1ـ محاولة إغلاق المعهد العالى، فأولى هذه المدعمات المحاولة الغاضبة المغلوبة التى قامت بها الدولة لإغلاق المعهد العالى للدراسات والبحوث الاسلامية، وهو المؤسسة الإسلامية العريقة التى خرجت القضاة والأساتذة والصحفيين ، ووقتها، سموا هذه أيضا بغير اسمها فادعوا أنها مجرد تحويل، وكأنهم يقولون لنا إننا لا نستطيع إنشاء جامعة إلا على أنقاض أخرى، ومثل ذلك التغيير غير بناء أيضا؛ لكن طلاب المعهد العالى الواعين الأحرار ، كانوا بالمرصاد لهذه المحاولة وقاوموها وتصدوا لها حتى آبت الدولة وتابت.
2ـ قول قائلهم إن الدول لا تبنى بالأدب، إن صح أنه قال ذلك، فهاذا يعنى حربا على ثقافة شعب عربى إسلامى أفريقى، وهى بلا ريب جزء من سياسة "التجفيف" المذكورة، ونحن نرد على هذا القول بأنه إن كانت الدول لا تبنى بالأدب، فإن الإنسان لا يبنى إلا به.
3ـ الطرف المستهدف، ثالث هذه المدعمات أن الطرف المستهدف هو الطرف الإسلامى وهو رأس الحربة الذى يستهدف عادة في مثل هذه السياسة الخائنة ، كما ذكر الدكتور عمر في المقال السابق.
فجمعية المستقبل ليست جمعية سياسية، ولكنها جمعية إسلامية لا جدال في ذلك، يرأسها العلماء والدعاة والمصلحون، وكل مافى هذه الدولة  بل كل ما فى العالم ينبغى أن يكون إسلاميا رغم أنوف الظالمين، لأن الاسلام هو دين الله ومنهاجه الذى ارتضاه للجميع.
4ـ ضعف مستند الاغلاق بل واهويته: رابع هذه المدعمات هو ضعف مستند الاغلاق الذى اعتمدت عليه الوزارة، فبأى ذنب تغلق جمعية المستقبل، وبأى وسيلة أو طريقة تهدد الجمعية هذه أمن المواطنين؟ ، إن هذا لشىء عجاب!.
5ـ الظرفية المشبوهة: أما المدعم الخامس فهو الظرفية المشبوهة التى جرى فيها قرار الحل إذ كيف لوقت ترتفع فيه راية المرتدين في بلد مسلم وينتشر الفساد ويستهزأ بآيات الله وكتابه ورسوله ويؤمَّن المرتدون، كيف لوقت كهذا أن تكمم فيه أفواه الدعاة إلى الله، وتغلق مؤسساتهم أحوج ما تكون الأمة إليها؛ إن ذلك كله غير مستساغ إلا مع فلسفة التجفيف المتعمدة والممنهجة.
ـ الانقلاب العالمى وظلاله السيئة: العامل الثانى من عوامل الإغلاق هو الانقلاب العالمى الذى حدث في مصر أو "الردة عن الحرية" كما أسماه الراشد، فقد ألقت هذه الردة بظلالها على العالم أجمع وأثرت سلبا على الإسلام والمسلمين، مع أن عقيدتنا أن الانقلاب سيمنحنا بل منحنا بالفعل هباة كثيرة فليراجع "الراشد" فيها من شاء. وكان من ظلاله السيئة أن حرضت بعض دول العالم على جماعة الإخوان المسلمين بصفتها الجماعة التى تقض مضاجع الظلمة المستبدين، ومضى هذا التحريض في طريقه وتلقفته بعض الحكومات العرجاء فوجدت فيه ضالتها المنشودة، وبدأت تشوه وتسخر ، متبعة في ذلك سياسة فرعون الأكبر التشويهية (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون) وفرعون الأصغر الذى أعلن  جماعة الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية"، وإن قوما أمهم السيسى لجديرون بأن تبطل صلاتهم...!
وفى الختام أذكر الحكومة الموريتانية المسلمة بأن هذه خطوات خطيرة، إن لم يحاكمها الشعب عليها، فسيحاكمها الله عز وجل عليها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
كما أنوه بأن الفكر يجابه بالفكر، ولا يجابه بالسيف ولا بالعصى، ولا بالقنابل المسيلة للدموع ، ومجابهته بذلك انهزامية وانقهار، فإذا كانت جمعية المستقبل أو غيرها من الجمعيات تخدم الدين والمجتمع، ولديها تعاطف مع "تواصل" أو من بين أعضائها من ينتمى لتواصل كما يتخوف البعض، فلما ذا لا تنشؤون أنتم أيها "الاتحاديون" جمعيات تخدم الدين والمجتمع، بدل انتهاج السياسة الأخرى، أم أن لديكم خشية كبيرة من أن الأموال المرصودة لذلك لن تذهب لخدمة الدين ولا لخدمة المجتمع، بل ستذهب إلى الجيوب والأرصدة الخاصة ، ومن ثم يحكم على جمعيتكم ـ ومن خلالها عليكم ـ بالفشل؟!.

 

8. مارس 2014 - 23:35

كتاب موريتانيا

ذات صلة